اسم المستخدم: كلمة المرور: نسيت كلمة المرور



 

     
 
 
ابوليان
التاريخ
11/3/2016 5:11:02 PM
  التمييز بين الوعد وبين ما يشبهه من نظم :      

التمييز بين الوعد وبين ما يشبهه من نظم وينحصر ذلك في بيان ما يلي: 1- الوعد والتصرف. 2- الوعد والعقد. 3- الوعد والعهد. 4- الوعد والالتزام. 5- الوعد والإيجاب الملزم. 6- الوعد والجعالة. ونبين أهم نواحي الاتفاق والاختلاف لإظهار الفرق بين الوعد وغيره. الوعد والتصرف يعرف التصرف في الفقه الإسلامي بأنه: كل ما يصدر عن الشخص من أقوال وأفعال ويرتب عليه الشارع نتيجة من النتائج( ). ومثال التصرف القولي: البيع، فقد رتب الشارع عليه أثره وهو نقل ملكية البيع إلى المشتري ونقل ملكية الثمن إلى البائع، وقد يكون التصرف القولي من جانبين كالبيع والإجارة، وقد يكون من جانب واحد كالطلاق، وقد يكون منشئًا للحق كالوقف عند جمهور الفقهاء أو مسقطًا له كالعفو من الولي عن القصاص من القاتل، وقد يكون بمقابل كما في البيع أو بغير مقابل كالهبة، وقد يراد بالتصرف القولي إثبات حق كما في اليمين، وقد يراد به توثيق حق كما في الرهن والكفالة. ومثال التصرف الفعلي: القتل؛ إذ رتب الشارع عليه أثره وهو القصاص، ويستوي في التصرف الفعلي أن يكون مفيدًا كالاصطياد أم ضارًا كالقتل( ). وعلى هذا يمكن إبراز أهم نواحي التفرقة في أنه يتفق الوعد والتصرف في أن كلاً منهما قد يكون محله قولاً أو فعلاً، ويتفقان أيضًا في أن كلاً منهما يكون محله نافعًا، وينفرد التصرف بأنه قد يكون محله ضارًا كذلك، فإن التصرف رتب الشارع عليه آثاره فورًا فهو ملزم لصاحبه، أما الوعد فهو على الراجح غير ملزم، كذلك التصرف يختلف عن الوعد في الصيغة التي ينعقد بها؛ إذ أن العقد وهو تصرف ينعقد بصيغة الماضي غالبًا وبصيغة المضارع إذا دلت على ذلك قرينة ... الخ بخلاف الوعد فإن صيغته تكون بما يدل على الاستقبال كما سنرى. ويعرف التصرف في القانون بأنه: اتجاه الإرادة إلى إحداث أثر قانوني بحيث يترتب هذا الأثر على مجرد اتجاه الإرادة إلى أحداثه، كالبيع والإيجار والوعد بجائزة. وبالمقارنة بين تعريف التصرف في الفقه الإسلامي والتصرف في القانون نجد أن التصرف في الفقه الإسلامي أعم؛ إذ يشمل ما يصدر عن الشخص من تصرفات قولية وفعلية بينما التصرف في القانون يقتصر على ما يصدر عن الإنسان من تصرفات قولية، ولكن يتفق القانون مع الفقه الإسلامي في أن التصرف يختلف عن الوعد؛ إذ يراد بالتصرف إحداث أثر قانوني في الحال بمجرد صدور التصرف، بينما رأينا أن الوعد في القانون هو عقد تمهيدي للعقد المراد فلا يقصد به إنشاء التزام في الحال، وإن ترتب عليه بعض الآثار( ). الوعد والعقد للعقد إطلاقان عند الفقهاء: الأول يطلق ويراد به: كل تصرف ينشأ عنه حكم شرعي سواء كان صادرًا من جانب واحد كالطلاق المجرد عن المال أو كان صادرًا من طرفين متقابلين كالبيع. والثاني يطلق ويراد به: ارتباط بين كلامين ينشأ عنه حكم شرعي بالتزام لأحد الطرفين أو لكليهما فالعقد وفقًا لهذا الإطلاق لا يتم إلا إذا كان هناك ارتباط بين طرفين بالإيجاب والقبول، أو ما يقوم مقامهما كما في البيع والإيجار، أما غير ذلك كالطلاق المجرد عن المال والوقف والإبراء فلا يسمى عقدًا بل تصرفًا أو التزامًا وينصرف الذهن إلى الإطلاق الثاني عند ذكر كلمة عقد ولا ينصرف إلى الإطلاق الأول إلا إذا دلت قرينة على هذا( )، وعلى كل فإن العقد سواء على الإطلاق الأول أم الثاني يرتب التزامًا على العاقد بحيث يجوز للطرف الآخر أن يلجأ إلى القاضي لكي يجبر الممتنع على التنفيذ بخلاف الوعد، فإن الرأي الراجح في الفقه الإسلامي أنه لا إجبار فيه، كذلك يختلفان في الصيغة التي ينعقد بها كل منهما كما عرفنا في التصرف، ويتفقان في أن كلا منهما يكون محله مشروعًا. ويعرف العقد في القانون بأنه: «اتفاق ما بين شخصين أو أكثر على إنشاء رابطة قانونية أو تعديلها أو إنهائها» ومن ثم يلزم أن تتجه الإرادتان إلى إحداث أثر قانوني يستوي في ذلك أن يكون إنشاء التزام كالبيع، أو نقله كالحوالة، أو تعديله كإضافة أجل جديد للالتزام، أو زواله كالوفاء( ). ومعنى ذلك أن المراد بالعقد في القانون هو الإطلاق الثاني له في الفقه الإسلامي. ويفرق في القانوني بين الوعد والعقد كما في الفقه الإسلامي فن العقد يرتب أثرًا قانونيًا فوريًا بخلاف الوعد بالتعاقد، فآثار العقد المراد إبرامه لا تترتب إلا من حيث أن يظهر الموعود له رغبته في الوعد الملزم لجانب واحد ومن حلول الميعاد في الوعد الملزم للجانبين، -كما سنرى – هذا مع مراعاة أن الوعد بالتعاقد في القانون عقد ولكن ليس هو العقد المراد إبرامه وإنما هو وسيلة إلى هذا العقد دعت إليه الحاجة( ). ويتفق القانون مع الفقه الإسلامي في نواحي الافتراق والاتفاق الأخرى بين الوعد والعقد، فيما عدا أن الوعد عقد في القانون ولكنه ليس كذلك في الفقه الإسلامي. الوعد والعهد تعريف العهد: يعرف بأنه: «تعبير شخص عن إرادته في أن يثبت في حقه أثرًا شرعيًا في محل لصالح شخص آخر دون توقف على قبوله»( )، وذلك كالوصية فإنها تتم بإرادة الموصي دون أن تتوقف على القبول من الموصي له، كالإبراء من الدين والوقف وإجازة التصرف وعزل الوكيل، ويمكن القول بأن العهد - الإرادة المنفردة - لها دور كبير في التصرفات سواء أكان ذلك أثناء التزام كالوقف، أم إنهاء كالإبراء، أم تصحيحه كالإجازة الخ، وهذه التصرفات كثيرة وإن كان الخلاف في بعضها من ناحية تمامها بإرادة واحدة أو بإرادتين متقابلتين ولا يتسع المقام لبسط ذلك، وأهم تلك التصرفات هي: الطلاق، والتفويض فيه، الإيلاء، الظهار، الإعتاق، التدبير، الوقف، والجعالة، الهبة، الصدقة، الوصية وقبولها، والرجوع فيها وردها، والإيصاء، والعارية، والقرض، والكفالة، وردها والإبراء، والنذر، والوعد (التزام المعروف)، إذن الصبي والعبد في التجارة، وعزل الوكيل، الحجر على العبد المأذون، إجازة العقد الموقوف، الإقرار الخ( ). ولقد عرفنا أن للعقد إطلاقين أحدهما: بأنه يستوي أن يصدر التعبير من طرفين أو من طرف واحد ، وعلى من قال بأن العقد قد ينفرد به شخص واحد لا فرق بين العقد والعهد، وإن كان الإطلاق الآخر يشتمل على عهد أيضًا؛ إذ كل التزام لا يخلو من عهد( ). أنواع العهد: قسم ابن تيمية المعاهدة التي بمعنى المعاهدة إلى ثلاثة أنواع: 1) المعاهدة التي بين الناس: كالمعاهدة التي بين المسلمين والكفار، والمعاهدة التي تتمثل في عقود النكاح والبيع والإيجار الخ وحكمها يجب الوفاء بها. 2) معاهدة الله على ما يتقرب به إليه: واعتبر هذا النوع من معنى النذر والحلف بمعنى أنه إذا كان على فعل واجب أو ترك محرم – كمبايعة الأئمة على فعل ما أمر الله وترك ما نهى الله عنه- كان يمينًا ونذرًا، وإن كان على فعل مستحب كان نذرًا له مؤكدًا باليمين بمعاهدة الله، ومن ذلك قول الله تعالى: (وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ)( )، فإن تلك معاهدة على فعل واجب أو واجب ومستحب فهو نذر ويمين، وهذا النوع يجب الوفاء به مطلقًا 3) معاهدة بمعنى اليمين المحضة: وذلك إذا كان مقصودها الحض والمنع؛ فتكون يمينًا لكنها مؤكدة، وتلك لا يجب فيها إلا الكفارة( ). فواضح أن ابن تيمية بين أن المعاهدة التي تتم بين الناس يجب الوفاء بها إذا ترتب المعاهدة أو العهد أو الأثر الشرعي للتصرف، أما الوعد فإنه غير لازم عند جمهور الفقهاء، وإن كان العهد يتفق مع الوعد في أن الوعد فرد من أفراد العهد؛ إذ هو من التصرفات التي تتم من جانب واحد إلا أن الخلاف في مدى لزومه، فقد رأينا تصرفات كثيرة تتم بإرادة واحدة ورتب الشارع آثارها بمجرد صدروها على عكس الوعد. ومما يدلنا أيضًا على أن الشارع يفرق بين العهد والوعد حديث المصطفى -صلى الله عليه وسلم-: «أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف وإذا خاصم فجر»( )، فلقد ذكر الرسول -صلى الله عليه وسلم- خصال المنافقين وعدد منها إذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف و«إذا» للتنويع فالعهد خلاف الوعد. وفي القانون: اختلف فقهاؤه حول صلاحية الإرادة المنفردة( ) وجعلها مصدرًا للالتزام كالعقد، مع الاتفاق على أنه هناك الكثير من التصرفات التي تتم بالإرادة المنفردة وترتب آثارها القانونية كإجازة العقد القابل للإبطال فإنها تصحح العقد نهائيًا وتجعله غير مهدد بالبطلان، وإقرار العقد يجعله يسري في حق المقر وهكذا( )، أما بالنسبة لجعلها مصدرًا للالتزام فكانت مثارًا لاختلاف فقهاء القانون فمن الفقهاء من منع ذلك ومنهم من يرى أنها تصلح، وانتهى الرأي إلى أنها تعد مصدرًا في حالات خاصة ينص عليها القانون، وتعد مصدرًا استثنائيًا للالتزام ومن تلك الحالات في القانون المدني المصري (الإيجاب الملزم (م/ 93 مدني) والوعد بجائزة (م/ 162 مدني). ويظهر من خلال منهج القانون أن هناك من التصرفات ما تتم بالإرادة المنفردة في الفقه الإسلامي وهي عقود في الفقه الغربي؛ إذ كما رأينا أنه لم يأخذ بالإرادة المنفردة كمصدر للالتزام إلا في حالات استثنائية( ). ومن ثم يتضح أن الوعد بالتعاقد يختلف عن التصرف الذي يتم بالإرادة المنفردة في القانون؛ إذ لو نظرنا إلى بعض الحالات التي أخذ بها القانون كالوعد بجائزة نجد أنه يترتب أثره منذ انعقاده، فمثلاً إذا حدد الواعد مدة لمن يقوم بالعمل فإنه لا يجوز للواعد أن يرجع في وعده، وإذا لم تحدد مدة ليتم العمل فيها فإنه يلزم بإعطاء الجائزة لمن قام بالعمل الذي طلبه الخ. تلك الآثار( ) مما يدل على أن الأثر قد ترتب مباشرة، أما الوعد بالتعاقد فبالرغم من أنه عقد كما قلنا إلا أنه يمهد لعقد آخر وكونه ملزمًا للواعد أو ملزما للجانبين إذا كان الوعد مزدوجًا لا يغير من طبيعته، وكما هو واضح أن الوعد عقد أي يلزم له إيجاب وقبول، أما التصرف بالإرادة المنفردة فهو يتم من جانب واحد فقط. الوعد والالتزام تعريف الالتزام اصطلاحًا: عرفه الحطاب من فقهاء المالكية بأنه: إلزام الشخص نفسه شيئًا من المعروف مطلقًا أو معلقًا على شيء فهو بمعنى العطية، وقد يطلق في العرف على ما هو أخص من ذلك وهو التزام المعروف بلفظ الالتزام وهو الغالب في عرف الناس( ) اليوم، ومثال الالتزام المطلق أن يلزم الشخص نفسه بالاتفاق على شخص مدة معينة، ومثال الالتزام المعلق، أو يقول شخص آخر: «إن أسكنتني دارك سنة فلك كذا فيقبل» فيشترط فيه شروط الإجارة، أو أن يقول زوج لزوجته: «إن أعطيتني ألفًا فارقتك فتقبل» فيكون الالتزام بالخلع إذا أعطي المبلغ( ) وهكذا. والمعروف هو الأمر الجائز شرعًا كما عرفنا سابقًا إذ هو الذي يقابل المنكر وبالتالي فلا يقتصر على التبرع كما هو واضح من التعريف بل يشمل المعارضات كما فهم من تتبع كلام الحطاب في رسالته الالتزام( ). وإذا كان الالتزام من جانبين فهو العقد، وإذا كان من جانب واحد فهو العهد والإرادة المنفردة( ). والالتزام يختلف عن الوعد؛ إذ الالتزام يرتب أثرًا شرعيًا بمجرد إصداره، أما الوعد فهو لا يرتب التزامًا عند جمهور الفقهاء( )، وإذا كان الالتزام مصدره العهد، فلقد عرفنا التفرقة بين العقد والوعد وإذا كان الالتزام مصدره العهد والإرادة المنفردة، فلقد عرفنا التفرقة بين العهد والوعد أيضًا. ويعرف الالتزام في القانون بأنه: حالة قانونية أو رابطة قانونية بمقتضاها شخص هو المدين بالقيام بأداء مالي معين لمصلحة الدائن، يستوي أن يكون هذا الأداء إعطاء شيء كالتزام المشتري يدفع الثمن أو القيام بعمل كالتزام المؤجر بتمكين المستأجر من الانتفاع بالعين المؤجرة، أو التزام بالامتناع عن عمل كالتزام بائع المحل التجاري بعدم فتح محل آخر من نفس النوع في المنطقة التي يوجد بها المحل الأول( ). معنى ما سبق أن الالتزام في القانون يختلف عنه في الشريعة من وجوه: أهمها: إن مصدر الالتزام في الشريعة هو إرادة الشخص الملتزم نفسه، أما في القانون فقد يكون المصدر هو إرادة الشخص كما في العقد والإرادة المنفردة وقد يكون المصدر غير ذلك كالفعل الضار( ). ونرى أيضًا أن الوعد في القانون يختلف عن الالتزام؛ إذ الوعد لا يرتب أثرًا في الحال بخلاف الالتزام الذي يتطلب القيام بالأداء. الوعد والإيجاب الملزم والإيجاب عند جمهور الفقهاء( ): هو التعبير الذي يصدر عن الملك سواء صدر أولاً أم ثانيًا، والقبول هو ما صدر من المتملك سواء صدر أولاً أو ثانيًا، ففي عقد البيع الإيجاب هو الذي يصدر من البائع والقبول هو الذي يصدر من المشتري. أما عند جمهور الأحناف: فالإيجاب هو ما يصدر من العاقدين أولاً سواء أكان مملكًا أو متملكًا، والقبول هو ما صدر من العاقد الثاني ثانيًا، والصورة واضحة في عقد البيع أيضًا، والواقع أن هذا الخلاف لا يؤدي إلى نتيجة عملية، فكل ما صدر أولاً يعد إيجابًا إذا الإيجاب معناه الإثبات، فكان القول الأول أصلاً لإثبات الالتزام، والثاني يعد قبولاً؛ لأنه يجيء مبنيًا ورضًا بما تضمنه القول الأول( ). والظاهر من كلام جمهور فقهاء الشريعة أن القوة الملزمة للعقد والتي بموجبها يرتب أثره تكون لمجموع الإيجاب والقبول، وبالتالي فليس للإيجاب قوة ملزمة في حد ذاته وعلى ذلك يحق للموجب أن يرجع عن إيجابه طالما لم يقترن به قبول من الطرف الآخر؛ لأن ذلك لا يبطل حقًا للغير؛ إذ لم يثبت له حق حتى يقال بإبطاله، كذلك فإن الموجب هو الذي أثبت للقابل الولاية في القبول فله أن يرفعها كالموكل له الحق في عزل الوكيل، وأيضًا لو لم يجز الرجوع لزم تعطيل حق الملك – الموجب - بحق المتملك – القابل - وهذا لا يجوز بدليل أن الثابت للوالد في مال ولده حق التمسك له عند الحاجة وقبل تملكه بالفعل كان للولد أن يتصرف فيه كيف شاء( )، وقد يكون الإيجاب ملزمًا عند الجمهور في بعض الحالات، ولكن ليس لأنه اشتمل على معنى لا يجوز الرجوع فيه بل بالنظر إلى طبيعة العقد الذي كان فيه هذا الإيجاب من ذلك الخلع فإذا صدر بشأنه الإيجاب من الزوج فلا يصح له الرجوع فيه؛ لكونه يمينًا؛ لأنه تعليق الطلاق بقبول المال، وكذلك تمليك المرأة أمر نفسها فإن الزوج يتقيد بإيجابه وليس له الرجوع – وعلى الزوجة أن تقبل في المجلس – لأنه بالنسبة للزوج طلاق معلق على قبولها أي إسقاط، والإسقاط المعلق إذا وقع لا يصح للشخص أن يرجع فيه؛ لأن الساقط لا يعود، ولقد وضح ذلك البعض( ) إن كل موضع لا يتوقف الشطر على ما وراء المجلس يصح الرجوع عنه ولا يصح تعليقه بالشرط وإضافته إلى الوقف؛ كما في البيع والإجارة والكتابة وفي كل موضع يتوقف الشطر على ما وراء المجلس لا يصح الرجوع عنه ويصح تعليقه بالشرط وإضافته إلى الوقت كما في الخلع من جانب الزوج و الإعتاق على مال من جانب المولى( ). وإذا كان هذا مسلك الجمهور فإن المالكية خالفوهم وجعلوا الإيجاب لازمًا فلا يصح للموجب أن يرجع عن إيجابه قبل قبول العاقد الآخر أو انقضائه برسائله المعروفة، وحجتهم في ذلك أن الوعد لازم عندهم فيكون الإيجاب كذلك من باب أولى( )، وعلى رأي الجمهور لا يشترط لصحة الرجوع أن يعلم به الظرف الآخر، فلو رجع الموجب عن إيجابه ولم يعلم بذلك القابل، ثم قبل القابل فإنه لا يعتد به إلا إذا قبله الموجب إذ يعتبر في تلك الحالة إيجابًا جديدًا، كما يستوي هنا أن يكون التعاقد بين حاضرين أو غائبين( ). بعد هذا يمكن القول بأن الوعد يتفق مع الإيجاب عند الجمهور في أن الإيجاب لا يترتب أي أثر؛ إذ هو جزء من صيغة العقد يحتاج إلى اقتران القبول به حتى يترتب العقد أثره، وكذلك الوعد غير ملزم عند الجمهور، وإن كنا نرى أن اللبس الحقيقي بين الإيجاب والوعد إنما هو في ورود صيغة كل منهما؛ إذ الإيجاب يرد بالماضي والمضارع الخ، والوعد يأتي بالمضارع وهنا يأتي دور القرائن لاستظهار الواقع هل الصيغة للإيجاب أم للوعد؟ وسنزيد ذلك حين الكلام عن أركان الوعد. أما على رأي المالكية: فإن الإيجاب ملزم فلا يصح للموجب أن يرجع عنه، كذلك الوعد ملزم فهناك شبه بين كل منهما. ويعرف الإيجاب في القانون بأنه: العرض الصادر من شخص يعبر به على وجه جازم عن إرادته في إبرام عقد معين بحيث إذا ما اقترن به قبول مطابق له انعقد العقد. ومن هنا وجب أن يكون العرض جازمًا خرج الدعوة إلى التفاوض وما يشبهها، كذلك يلزم أن يكون العرض متضمنًا كافة العناصر الأساسية للعقد المراد إبرامه، ففي البيع يشتمل على المبيع والثمن وفي الإدارة يشتمل على المعين المؤجر والأجرة وهكذا، ولا يكتمل الوجود القانوني للإيجاب ويكون صالحًا لإنتاج آثاره أي صلاحيته؛ لأن يقترن به قبول إلا بعد أن يتصل بعلم من وجه إليه، ويعد وصوله قرينة على العلم ما لم يقم دليل على عكس ذلك، ولذلك يحق للموجب أن يرجع عن إيجابه طالما لم يصل إلى علم من وجه إليه، فإذا كان أرسل له خطابًا بالبريد له أن يسترد من البريد قبل وصوله إلى القابل وهكذا، أما بعد وصوله إلى علم من وجه إليه فلا يصح العدول عن الإيجاب إذا اقترن بميعاد صريح أو ضمني. والميعاد الصريح: كأن ينص على مدة شهر مثلاً. والضمني: يستخلص من الظروف أو من طبيعة المعاملة، فالتاجر الذي يتقدم في مناقصة حكومية يلزم بالبقاء على إيجابه حتى تاريخ فتح المظاريف، وإذا كان التعاقد بين غائبين فلا يكون إلا ملزمًا، فيبقى ملزمًا طوال المدة اللازمة لوصول الإيجاب إلى علم من وجه إليه والرد عليه بالطرق العادية، ويبدو أن أساس القوة الملزمة للإيجاب هنا هو الإرادة المنفردة( )، كما يبدو أن السر الذي دعا إلا جعل الإيجاب ملزمًا هو العمل على استقرار المعاملات حتى يطمئن من وجه إليه الإيجاب إلى أن الموجب على إيجابه في المدة المحددة لكي يتدبر فيها أمره. وظهر من هنا أن الإيجاب الملزم في القانون يختلف عن الوعد بالتعاقد؛ إذ الوعد بالتعاقد عقد، أما الإيجاب طالما لم يقترن به قبول فهو ليس عقدًا، وإن كانت صفة اللزوم فيه جعلت النتائج بين كل منها متقاربة، فالإيجاب الملزم لا يصح العدول عنه، فإذا ما أقرن به قبول انعقد العقد، كذلك الوقع بالتعاقد ملزم لصاحبه إذا ما أبدى الموعود له رغبته انعقد العقد المراد إبرامه بالوعد( ). ويظهر من هنا أيضًا أن القانون يتفق مع جمهور الفقهاء في أن الإيجاب في الأصل غير لازم، ويتفق مع المالكية في أن الإيجاب يكون لازمًا إذا حدد له ميعاد. وإن كان المالكية كما عرفنا يرون الإيجاب لازمًا سواء حدد له وقت أم لا( ). والخلاصة: إننا رأينا أن الوعد والإيجاب عند جمهور الفقه الإسلامي لا يرتب أي أثر، وفي القانون هناك خلاف بين كل منهما إذا الوعد عقد بخلاف الإيجاب إلا أن النتائج متقاربة. الوعد والجعالة تعريفها هي: «التزام عوض معلوم على عمل معين أو مجهول عسر علمه»( ). ومثالها أن يقول شخص –الجاعل- لآخر –العامل- إن رددت متاعي الضائع فلك كذا، أو إن بنيت حائطي فلك كذا، أو إن حفرت بئري فلك كذا، ويمكن أن يوجه هذا الإيجاب إلى الجمهور، كأن يقول الجاعل من رد متاعي الضائع فله كذا الخ، وهي جائزة عند جمهور الفقهاء( ). ويقابل الجعالة في الشريعة الوعد بجائزة في القانون، وتعرف بأنها: «تعبير عن الإرادة يتجه إلى إحداث أثر قانوني هو إنشاء الالتزام بجائزة في ذمة الواعد»( ). ويقترح البعض( ) أن تسمى بالتعهد بجائزة؛ لأن ذلك أدق. ويرى البعض( ) أن الجعالة لا تقوم على الإرادة المنفردة، وإنما تقوم على الإثراء بلا سبب عند الأحناف وعلى العقد عند الشافعية، وعلى كل فنحن نخص معالجة الجعالة من ناحية منهج الجمهور حتى يمكن المقارنة بين نظامها ونظام الوعد بالتعاقد. ولكي تتحقق الجعالة في الفقه الإسلامي يلزم أن تتوافر أركانها وهي: الصيغة والعاقد -الجاعل والعامل- والعمل، وتختلف الجعالة عن الوعد في أن الجعل في الجعالة يكون نظير عمل معين أما إذا كان على غير عمل كمن يعد بمكافأة لأول مولود في يوم كذا أو أول شهيد في الحرب، فإن ذلك يعد وعدًا في الفقه الإسلامي وإيجابًا في القانون ويحتاج إلى قبول حتى ينشأ الالتزام بالجائزة عن عقد الهبة. وتختلف الجعالة عن الوعد أيضًا في أن الجعالة تكون على عمل مستقبل عند جمهور الفقهاء، فإذا كان الجاعل يعلم أن العمل قد تم بالفعل؛ فإن ذلك يعد عدة وليس جعالة( ) ويصح في القانون الوعد بجائزة على عمل قد تم. بعد هذا نرى أن الجعالة عقد يتم بالإرادة المنفردة عند جمهور الفقهاء إلا أنه قد يختلف وعدًا كما في الصورتين السابقتين، ويقابل الوعد بجائزة في القانون وهو تصرف يتم بالإرادة المنفردة. كما يتضح أيضًا أن كلا من الوعد والجعالة يتم بالإرادة المنفردة في الفقه الإسلامي إلا أن الجعالة عقد مسمى عند الجمهور يرتب التزامًا، وتطبيق بشأنه أحكام العقود بخلاف الوعد فإنه وإن تم بالإرادة المنفردة إلا أن الراجح أنه غير لازم في الفقه الإسلامي. وكذلك الوعد بجائزة فهو وإن تم بإرادة منفردة إلا أنه يرتب التزامًا في الحال كما أشرنا سابقًا. الفصل الثالث حكم الوعد بالتعاقد اتفق الفقهاء على أن الوفاء بالوعد مطلوب، يستوي في ذلك الوعد بالتعاقد أم بغيره؛ لأن ذلك من مكارم الأخلاق ولكنهم اختلفوا في أن هذا الوفاء واجب أم مستحب( ) وسوف نذكر آراء الفقهاء في هذا إجمالاً ثم نعرض لكل رأي تفصيلاً مع بيان الراجح في النهاية. الرأي الأول: وهو لابن شبرمة ورجحه ابن الشاط: يجبر الواعد على الوفاء بما وعد به مطلقًا أي سواء كان الوعد مقرونًا بسبب أم كان مجردًا عن السبب. ومثال الأول: أن يقول شخص - الواعد - لآخر - الموعود له -: تزوج وأنا أعطيك ألفًا من الجنيهات، ويستوي هنا أيضًا أن يدخل الموعود له في السبب – الزواج - أم لم يدخل. ومثال الثاني: أن يقول شخص لآخر: سأعطيك ألفًا من الجنيهات؛ إذ الواعد لم يقيد وعده بسبب كالزواج أو البناء أو السفر الخ فهو وعد مجرد. الرأي الثاني: وهو لجمهور الفقهاء - الحنفية وبعض المالكية، والشافعية والحنابلة، والظاهرية وجمهور الفقهاء من الصحابة والتابعين -: لا يجبر الواعد على الوفاء بما وعد به مطلقًا أي سواء كان الوعد مقرونًا بسبب أم كان مجردًا عن السبب كما يستوي أن يقترن الوعد بقسم أم لا، وإن كان الأفضل للواعد أن يفي بوعده. الرأي الثالث: وهو لبعض فقهاء المالكية، وقضى به عمر بن عبد العزيز: يجب الوفاء بالوعد إذا كان مقرونًا بسبب يستوي في ذلك أن يدخل الموعود له في السبب أم لا، فإذا قال الواعد للموعود له: اشتر سيارة وأنا أعطيك ألفين من الجنيهات فهذا الوعد مقترن بالسبب - شراء السيارة - فوفقًا لهذا الرأي يلزم الوعد ويجب على الواعد أن يفي به سواء اشترى الموعود له السيارة أو بدأ في الشراء أم لم يشتر، والظاهر أن هذا الرأي يخصص الرأي الأول الذي يجعل الوفاء بالوعد واجبًا مطلقًا. الرأي الرابع: وهو الراجح عند المالكية: يجب الوفاء بالوعد إذا كان مقرونًا بسبب ودخل الموعود في كلفة من أجل ذلك الوعد، ويظهر أن هذا الرأي يفيد الإطلاق الذي ورد في الرأي الأول أكثر مما قيده الرأي السابق فلا يكفي للقول بلزوم الوفاء أن يكون الوعد مقترنًا بسبب، بل يلزم أن يبدأ الموعود له في التنفيذ فعلاً أو يكون قد نفذ بالفعل، وهذا ظاهر في أي مثال للوعد، فإذا قال الواعد للموعود له: اشترِ دابة وأنا أعطيك مبلغًا، واشتراها الموعود له فعلاً أو دفع لها عربونا أو سعى في الشراء، فإن الوعد يلزم؛ لأن الموعود له دخل في كلفة من أجل الوعد، أما إذا كان الوعد مجردًا عن السبب أو كان مقترنًا بالسبب لم يدخل الموعود له في التنفيذ، فإن الوعد لا يلزم عند أصحاب هذا الرأي( ). الأدلة: استدل أصحاب الرأي الأول: الذين قالوا بوجوب الوفاء بالوعد مطلقًا بالكتاب والسنة: أولاً: من الكتاب: (1) استدلوا بقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ...)( ). ووجه الدلالة: إن الله سبحانه وتعالى طلب الوفاء بالعقود بصيغة الأمر، وهو للوجوب إلا إذا صرفه عن ذلك صارف ولم يوجد، وهو أمر مطلق ويكون الوعد لازمًا مطلقًا أي سواء اقترن بسبب أم لا. ويمكن أن يناقش ذلك: بأن الاستدلال بالآية في غير محل النزاع لما عرفنا سابقًا من الفرق بين العقد والوعد. (2) واستدلوا بقول الله تعالى: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ)( )، وقول الله تعالى: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً)( ). ووجه الدلالة من الآيتين كالآية الأولى أن الله طلب الوفاء بالعهود بصيغة الأمر وهو للوجوب فيكون الوفاء بالوعد واجبًا مطلقًا. ويمكن أن يناقش ذلك أيضًا: بأن الاستدلال بالآيتين في غير محل النزاع؛ لأن هناك فرقًا بين الوعد والعهد كما عرفنا سابقًا. (3) واستدلوا بقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ)( ). ووجه الدلالة: إن الله سبحانه وتعالى ذم من قال ولم يفعل، والوعد إذا أخلف قول لم يفعل، والذم لا يكون إلا على ترك واجب، فيكون الوفاء بالوعد واجبًا( ). ونوقش ذلك: بأن هذه الآية قيل إنها نزلت في قوم كانوا يقولون جاهدنا وما جاهدوا وفعلنا أنواعًا من الخيرات وما فعلوا، وهذا محرم لأنه كذب، وقيل: إنها نزلت في المنافقين سماهم الله الإيمان لإظهارهم له( ) وبالتالي فلا تقوى الآية للاستدلال لهم على مدعاهم. ثانيًا: من السنة: (1) استدلوا بما روى عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: «آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان» متفق عليه، زاد في رواية مسلم: «وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم»( ). (2) واستدلوا بما روي عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر». ووجه الدلالة من الحديثين: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يرشدنا على الصفات الذميمة التي يجب ألا نتصف بها والصفات الحسنة التي يجب أن نتحلى بها، فعلى المسلم أن يتجنب الكذب والخيانة والغدر، وأن يتحلى بالصدق والأمانة والوفاء، وذكر أخلاق الوعد في سياق الذم دليل على تحريمه، وإذا حرم خلق الوعد وجب الوفاء به( ). وقد نوقش ذلك في عدة وجوه: 1) بأن الحديثين صحيحان ولكن ليسا على ظاهرهما، فليس كل عهد أو وعد يجب الوفاء به، بل المراد أن من وعد بواجب عليه كإنصاف من دين أو أداء حق، فإن الوفاء يلزمه يؤيد ذلك قول الله تعالى: (وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ 76.فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُم مُّعْرِضُونَ 77.فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ)( )، حيث نزلت هذه الآيات في حق ثعلبة بن حاطب، وكان قد سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يدعو له أن يرزقه الله مالاً ويؤدي منه كل ذي حق حقه الخ؛ فدعا له الرسول -صلى الله عليه وسلم- فوسع الله على ثعلبة ولكنه أخلف الوعد، حيث لم يؤد الصدقة الواجبة عليه بعد أن أرسل له الرسول -صلى الله عليه وسلم- رجلين لجمع الصدقة، وقال: ما هذه الأجزية ما هذه إلا أخت الجزية، انطلقا حتى أرى رأيي( ). ويؤيد أصحاب هذا الاتجاه رأيهم بأن الوعيد إذا كان في معصية كشرب خمر أو زنا فخلفه في تلك الحالة لا يعد معصية بل يكون طاعة( ) وأيضًا إذا وعد شخص آخر واستثنى بأن قال: سأعطيك مبلغًا إن شاء الله وخلف وعده لم يلزمه الحنث بالاتفاق، فكل هذا يدل على أنه ليس كل عهد أو وعد واجب فعله بل هو ما تعين على الإنسان أداؤه فقط( ). 2) وورد على استدلالهم بالحديثين أيضًا: إن ذلك كان في حق المنافقين الذين كانوا في أيامه -صلى الله عليه وسلم- حيث تحدثوا بإيمانهم فكذبوا وائتمنوا على رسلهم فخانوا ووعدوا في الدين بالنصر فغدروا وأخلفوا وفجروا في خصوماتهم. 3) وقيل إن حديث: «آية المنافق ثلاث..» ورد في رجل معين حيث كان من خلقه -صلى الله عليه وسلم- ألا يواجه بصريح القول فيقول: فلان منافق، وإنما يشير إلى ذلك إشارة. 4) وقيل إن في حديث: «آية المنافق ثلاث...» تحذير للمسلم من أن يتعاد هذه الخصال التي تؤدي به إلى حقيقة النفاق، أمر ثعلبة يؤكد هذا( ). ثالثًا- واستدلوا من السنة أيضًا: بما روي من طريق الليث عن ابن عجلان: إن رجلاً من موالي عبد الله بن عامر بن ربيعة العدوي حدثه عن عبد الله بن عامر قالت لي أمي: تعال أعطك، فقال لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ما أردت أن تعطيه؟» فقالت: أعطيه تمرًا، فقال لها -عليه السلام-: «أما أنك لو لم تعطه شيئًا كتبت عليك كذبة»( ). ووجه الدلالة ظاهر في أن هذا الوعد من الأم لولدها الصغير في حضرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- إذ قد بين لها الرسول - صلى الله عليه وسلم - جزاء خلف الوعد؛ إذ يتصف المرء حينئذٍ بالكذب وهو منهي عنه فيكون الوفاء بالوعد واجبًا. وورد على الاستدلال بهذا الحديث: بأنه لا يحتج به؛ لأنه عمن لم يسم؛ إذ مولى عبد الله بن عامر مجهول( ). واستدل أصحاب الرأي الثاني: الذين قالوا: بأنه لا يجبر الواعد على الوفاء، وإن كان الأفضل الوفاء استدلوا بما يلي: 1) بما رواه مالك عن صفوان بن سليم أن رجلاً قال لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- أكذب على امرأتي، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لا خير في الكذب»، فقال: يا رسول الله أعدها وأقول لها، فقال -صلى الله عليه وسلم-: «لا جناح عليك»( ). ووجه الدلالة: إن عدم الوفاء بالوعد لا حرج فيه ولا يسمى كذا لجعله -صلى الله عليه وسلم- قسيم الكذب، فيكون الوفاء بالوعد غير واجب( ). نوقش هذا الحديث بأن رفع النبي -صلى الله عليه وسلم- الحرج عن الوعد لاحتمال الوفاء؛ لأن الواعد إذا وفى فلا جناح، وكذلك إذا لم يوف مضطرًا وإن لم يوف مختارًا أي لغير عذر فعليه الإثم؛ إذ يدل ذلك على النفاق وهو منهي عنه، وأنه -صلى الله عليه وسلم- لم يجعل الوعد قسيم الكذب من حيث هو كذب وإنما جعله قسيم الخبر عن غير المستقبل الذي هو كذب فكان قسيمه من جهة كونه مستقبلاً والكذب غير مستقبل( ). 2) واستدلوا أيضًا بما رواه أبو داود عن أبي هريرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا وعد الرجل أخاه ومن نيته أن يفي فلم يف ولم يجيء للميعاد فلا إثم عليه»( ). وجه الدلالة: يدل هذا الحديث على أن من وعد وهو ينوي الوفاء ثم لم يف لعذر منعه فلا إثم عليه، ومفهومه أن من وعد وهو ينوي عدم الوفاء فإنه يكون آثما، سواء وفى بعد ذلك أم لا؛ لأن ذلك من صفات المنافقين «إذا حدث كذب» ولم يتعرض الحديث لمن وعد وهو ينوي الوفاء ولم يف بغير عذر فهو أمر مسكوت عنه ولا يصح القول بأنه خلف( ). وورد على هذا الحديث بأن إسناده ليس بالقوي( ). واستدل أصحاب الرأي الثالث: الذين قالوا: بأنه يجب الوفاء بالوعد إذا كان مقرونًا بالسبب مطلقًا. استدل هؤلاء بأدلة القائلين بالوجوب مطلقًا بالإضافة إلى أنهم رأوا أن مجيء الوعد على هذه الصورة دليل على تأكيد العزم على الوفاء، وبالتالي فإن للموعود له أن يطالب الواعد بما وعده ويجبره على أدائه فكان أصحاب هذا الرأي يرون أن أدلة أصحاب الرأي القائل بالوجوب لا تفيد بذاتها الوجوب، ولكن اقتران الوعد بسبب هو الذي يرفعه من دائرة المستحب إلى دائرة الواجب للعلة السابقة( ). ونوقش ذلك بالإضافة إلى المناقشات التي وردت على أدلة من قال بوجوب الوفاء: بأن التفرقة بخصوص الوعد بين وعد اقترن ووعد مجرد عن السبب لا معنى له( ). واستدل أصحاب الرأي الرابع: الذين قالوا: بأنه يجب الوفاء بالوعد إذا اقترن بسبب ودخل الموعود له في السبب. استدلوا بما ذكرناه لأصحاب الرأي الثالث بالإضافة إلى أنهم رأوا أن ذكر الوعد مقترنًا بالسبب والبدء في تنفيذه من الموعود له أظهر في بيان عزم الواعد على الوفاء وعدم الوفاء في تلك الحالة ربما يضر الموعود له؛ إذ قد قام بالفعل في تنفيذ الشيء الموعود به و«لا ضرر ولا ضرار»( ) كما في الحديث الشريف، ويرى البعض( ) تبريرًا لأصحاب هذا الرأي أن إلزام الواعد بوعده فيما يبدو لم يكن بسبب الوعد فحسب وإنما بسبب خطأ الواعد خطا تقصيريًا أدى إلى إضرار بالموعود له، وهذا مما يستوجب الضمان – التعويض - وخير ضمان أن يلزم الواعد بالوفاء بوعده. وورد على استدلال أصحاب هذا الرأي: بالإضافة على ما جاء على استدلال أصحاب الرأي الثالث بأنه لا نص يقتضي بإلزام الواعد بالوفاء، ولأن الموعود له وهو الذي غر نفسه( )، وهذا القول هو الذي يتفق مع طبيعة الوعد في نظرنا، والواعد محسن و (مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ)( ). والخلاصة: أننا رأينا اتفاق الفقهاء على أن الوفاء بالوعد مطلوب وإن كان الخلاف في مدى هذا الطلب هل هو واجب أو مستحب، والذي نراه راجحًا أنه مستحب وليس بواجب لما سبق ذكره من أدلة ولأن صاحبه محسن والله يقول: (مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ) وإن كان الأفضل أن يفي به تأسيًا بالرسول -صلى الله عليه وسلم- حيث كان -عليه السلام- صادق الوعد لا يعد وعده إلى وفى به، وقد أثنى الله سبحانه وتعالى على سيدنا إسماعيل -عليه السلام- فقال: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيًّا)( ). فصدق الوعد من الصفات الحميدة وخلفه من الصفات الذميمة التي ربما تؤدي بالمسلم والعياذ بالله إلى النفاق، كما رأينا في قصة ثعلبة، والمقام يقصر عن بيان فضيلة صدق الوعد وأيضًا في الوفاء بالوعد راحة للإنسان؛ إذ الكلمة وهي نعمة من الله للإنسان علينا إذا تحدثنا بها أن نتحدث بها في الخير، وفيما يفيد ومن ذلك الوفاء بالوعد إذا إذا تعذر، فوجب الشكر لنعمة البيان وغيرها أن تترجم ذلك بالوفاء بالوعد( ). والشريعة لا تفرق بين وعد بتعاقد ووعد بغيره فيكون الراجح في نظرنا أن الوعد بالتعاقد في الشريعة غير لازم فمن وعد آخر ببيع أو إيجار أو إعارة أو قرض أو هبة الخ فإن ذلك غير لازم على الراجح في الفقه الإسلامي. وفي القانون: رأينا حين الكلام عن تعريف الوعد وأنواعه، وأنه قد يكون من جانبين، وقد يكون من جانب واحد وهو ملزم في الصورتين كما هو واضح من نص المادة (101) مدني، عليه فإذا كان الوعد من جانب واحد، وأظهر الموعود له رغبته في الميعاد المتفق عليه واتصل ذلك بعلم الواعد، فإن العقد الموعود به ينعقد ولا يستطيع الواعد أن ينكر الوعد وإلا كان للموعود أن يقاضيه طالبًا إلزامه بالوفاء بالوعد، ويحل الحكم متى حاز قوة الشيء المقضي به مقام العقد (انظر المادة 102 مدني معنى هذا أن القانون يتفق مع أحد الآراء في الفقه الإسلامي»( ). الفصل الرابع أركان الوعد بالتعاقد( ) لكي تكون بصدد وعد بالتعاقد ينبغي توافر أركانه، وهي التي يلزم وجودها في العقد بصفة عامة، وهي التي تتمثل في الرضا – الصيغة - والعاقد والمحل( ) ويشترط في كل ركن ما يشترط في العقد كذلك. ولا يفهم من تلك الإحالة أن الوعد بالتعاقد عقد بل إن فقهاء الشريعة قد فصلوا القول غالبًا فيما يتعلق بأركان العقد وشروطه في عقد البيع، ثم نراهم يحيلون في العقود والتصرفات الأخرى إلى كلامهم في عقد البيع حيث يعد هذا العقد كالنظرية العامة للالتزام في القانون المدني. أولاً: الركن الأول: الصيغة أي: الإيجاب والقبول ينطبق عليه ما هو معلوم في العقد أو الإرادة المنفردة من أحكام إلا أنه ينبغي ملاحظة بعض النقاط التي لها أهمية هنا: 1) يلزم وجود صيغة للوعد بالتعاقد، سواء أكانت باللفظ أم بالكتابة الخ وهنا يتفق الوعد مع العقد. 2) العقد لابد فيه من إيجاب وقبول، والوعد يكتفي فيه بالإيجاب؛ إذ هو من أعمال الإرادة المنفردة ولا يتعارض هذا مع أنه قد يكون من جانبين. 3) صيغة العقد تأتي بلفظ الماضي في الأصل، وإن كانت بصيغة المضارع فلا بد من وجود قرينة لفظية أو حالية تدل على أن المراد انعقاد العقد والوعد بالتعاقد لا ينعقد بصيغة الماضي؛ لأنه كما عرفنا: إخبار عن إنشاء المخبر معروفًا في المستقبل، وصيغة الماضي تتنافى مع ذلك ولكن من الممكن أن تشترك صيغة العقد والوعد إذا كان الانعقاد بصيغة المضارع، فإذا كانت هناك قرينة تدل على انعقاد العقد في الحال كنا بصدد صيغة عقد لا صيغة وعد، كأن يقول شخص لآخر: «أبيعك هذا الشيء الآن فيقول الآخر قبلت»، فبالرغم من أن الصيغة جاءت بلفظ مضارع «أبيع» وهو يحتمل الحال والاستقبال، إلا أن لفظ الآن دلّ على إرادة إنشاء العقد في الحال. كذلك قد يستعمل المضارع في بعض الجهات لإرادة إنشاء العقد في الحال، وفي تلك الصورة تكون بصدد صيغة عقد لا صيغة وعد، يوضح ذلك النص التالي: جاء في رد المحتار ج4 ص510: (وهما -الإيجاب والقبول- عبارة عن كل لفظين ينبئان عن معنى التملك والتمليك كبعت واشتريت أو حالين مضارعين لم يقرنا بسوف والسين كأبيعك فيقول: أشتريه، أو أحدهما ماض والآخر حال، ولكن لا يحتاج الأول إلى نية بخلاف الثاني فإنه يحتاج إليها، وإن كان حقيقة للمحال عند نافي الأصح فإن نوى به الإيجاب للحال صح على الأصح وإلا لا صادق بما إذا نوى الاستقبال أو لم ينو شيئًا – إلا إذا استعملوه للحال كأهل خوارزم – أي ولا يستعملونه للوعد والاستقبال فكالماضي لا يحتاج إلى نية وكأبيعك الآن لتمحضه للحال). وعلى ذلك فإذا تمحضت صيغة المضارع للاستقبال، فإن ذلك يدل على إرادة الوعد لا إنشاء عقد، كأن يقول شخص لآخر: «سأعطيك كذا أو أنا أضمن ما عليك أو أؤدي ما عليك»، أما إذا فهم من الحال أن المراد التزام خرج الأمر عن الوعد إلى الالتزام( ). 4) قد تتداخل صيغة العقد والوعد أيضًا في صورة اقتران كل منهما بالشرط( ) كأن يقول شخص لآخر: «سأعطيك كذا إن فعلت كذا أو إن حضر فلان الخ» فكيف نقرن بين صيغة العقد وصيغة الوعد. والإجابة على ذلك أيضًا هي أنه إذا فهم من سياق الكلام وقرائن الأحوال أن المراد الالتزام كنا بصدد عقد، إذا فهم أن المراد وعد كنا بصدد وعد وبالتالي، فلا يقتصر النظر على الصيغة فقط بل المدار على ما ذكرنا. جاء في فتح العلي المالك ج1 ص257: (الفرق بين ما يدل على الالتزام وما يدل على العدة: فالمرجع فيه إلى ما يفهم من سياق الكلام وقرائن الأحوال بحيث يدل الكلام على الالتزام، ولهذا قال الشيخ في مختصره في باب الخلع: ولزم البينونة: إن قال إن أعطيتني ألفًا رقتك أو أفارقك إن فهم الالتزام أو الوعد إن ورطها فالشرط في قوله إن ورطها راجع إلى الوعد، قال في التوضيح: كما لو باعت قماشًا أو كسرت حليها( )). 5) اتضح من الكلام على ركن الصيغة أن الوعد أمر يتعلق بالمستقبل، ولذلك فإن الاستثناء مطلوب بأنه يقرن الواعد وعده بالمشيئة كأن يقول: «سأعطيك كذا إن شاء الله أو أعدك ببيع كذا إن شاء الله الخ». يقول الله تعالى: (وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا24.إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللهُ)( ). إذ لا يدري الواعد هل يقع منه الوفاء أم لا، فلا يصح الطلاق في مثل تلك الأمور( ). 6) يترتب على أن الوعد أمر مستقبل أيضًا: أن ينوي الواعد الوفاء ولا يكفي أن يعبر عن إرادته فقط بصيغة الوعد وفي نيته ألا يفي؛ لأن ذلك هو المحظور الذي نهى الله عنه؛ إذ هو النفاق الذي نبه عليه حديث الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأرشدنا إلى عدم الاتصاف بتلك الصفات، ولقد ذكرنا سابقًا وهو: «آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف ...». ويلزم في القانون أيضًا: إن تتوافر الصيغة ويشترط فيها ما يشترط في صيغة العقد إلا أن وجه الخلاف بين القانون والفقه الإسلامي هو أن الوعد عقد ومن ثم كانت الأحكام بخصوص الصيغة شبه متطابقة عدا ما يتعلق بطبيعة الوعد كأن تدل الصيغة على الاستقبال( ). ولكن في الفقه الإسلامي نرى أن الصيغة يبحث فيها على أنها من جانب الواعد فقط؛ إذ الوعد من الأعمال التي تتم من جانب واحد فقط، كذلك يختص الوعد في الفقه الإسلامي بأحكام خاصة كالاقتران بالمشيئة، ونية الوفاء بالالتزام. ثانيًا- الواعد: والركن الثاني هو الواعد (وهذا على القول بأن أركان العقد ثلاثة عند جمهور الفقه الإسلامي، أما عند الأحناف فركن الوعد هو الإيجاب الصادر من الواعد، أما ما عدا ذلك فهو من شروط انعقاده التي يتوقف وجود الوعد عليها وليست أجزاء منه حتى تعد أركانًا) ويشترط في هذا الركن ما يشترط في ركن العاقد في نظرية العقد في الفقه الإسلامي ومن ذلك أن يكون له أهلية( ) إبرام الوعد إذا كان يعد باسمه، أما إذا كان يعد باسم غيره فينبغي أن تكون له ولاية( ) إبرامه، سواء كانت تلك الولاية مصدرها الشارع كولاية الأب على ابنه، أو الإنفاق كولاية الوكيل في إبرام العقد لحساب موكله أو القضاء كولاية وصى القاضي، فإذا لم تكن له أهلية إبرام الوعد فإنه يعد فضوليًا وحكم تصرفه موقوف عند جمهور الفقه الإسلامي( ). وفي القانون: يطبق بشأن الواعد والموعود له ما يطبق بشأن العاقدين -الموجب والقابل- فمثلاً إذا كان الوعد ملزمًا للجانبين، فإن الأهلية المطلوبة في كل من الواعد والموعود له يلزم أن تكون موجودة حين الوعد، أما إذا كان ملزمًا لجانب واحد فيلزم بالنسبة للواعد أن تتوافر الأهلية كما يلزم خلو إرادته من عيوب الإرادة، أما بالنسبة للموعود له فإن الأهلية المطلوبة تشترط حين التعاقد النهائي وبالنسبة لعيوب الأدلة بخصوصه فإنها تراعي حين الوعد وحين التعاقد النهائي( ). ثالثًا: محل الوعد بالتعاقد. والركن الثالث هو محل الوعد: ويشترط فيه ما يشترط في محل العقد بصفة عامة؛ لأن الوعد وسيلة إلى التعاقد، والتعاقد يشترط في محله أن يكون مشروعًا فكذلك الوعد به( ) وقد رأينا في تعريف الوعد بإنشاء المعروف مما يدل على أن المحل ينبغي أن يجيزه الشارع. ففي الخطبة( ) وهي وعد بالزواج وهي تطبيق عملي للوعد بالتعاقد في الفقه الإسلامي يشترط في المخطوبة (محل الوعد) ألا يكون هناك مانع يمنع من التزويج بها في الحال، وقد يرجع ذلك إلى أن المرأة التي يريد أن يخطبها الخاطب محرمة عليه على سبيل التأبيد كعمته أو خالته، أو تكون محرمة عليه سبيل التأنيث كأخت زوجته أو امرأته غيره أو معتدته، ومن ذلك أيضًا: ألا تكون المرأة التي يتقدم الشخص لخطبتها مخطوبة لغيره لحديث: «لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له»( ) . واختلف الفقهاء في حالة ما إذا تمت خطبة امرأة لشخص ما، ثم جاء شخص آخر وخطبها وتزوجها فهل يكون هذا الزواج صحيحًا أم باطلاً؟. نجدهم اتفقوا أولاً على أن فاعل ذلك آثم للنهي الوارد في الحديث الشريف الذي ذكرناه وغيره بنفس المعنى( ) وسواء كان النهي الوارد على سبيل التحريم كما يراه جمهور الفقهاء أم الكراهة كما يراه بعضهم لما في ذلك من الإضرار بالآدمي المعصوم شأن ذلك النهي عن أكل ماله ودمه الخ( ) ولكن عقد النكاح الذي وقع تعددت الأقوال بخصوصه: الجمهور: على أنه عقد صحيح ولا يفرق بين الزوجين إذا وقع العقد سليمًا مستكملاً أركانه وشروطه؛ لأن النهي عن الخطبة المحرمة ليس مرجعها إلى نفس العقد بل إلى أمر آخر خارج عن حقيقته، ونظير ذلك من اغتصب ماء فتوضأ به فإن صلاته تقع صحيحة متى كانت مستكملة أركانها وشروطها بالرغم من أن الماء مغصوب. ويرى البعض -منهم داود-: إن هذا الزواج باطل ويجب فسخه سواء دخل بها أم لا؛ لأن النهي منصب على النكاح فيكون باطلاً كنكاح الشغار وليست الخطبة إلا وسيلة له. وتعددت الأقوال عند المالكية أحدهما كالجمهور والثاني كداود، والرأي الثالث وجوب الفسخ قبل الدخول لا بعده؛ لأنه بالدخول قد تأكد العقد فلا يسوغ الفسخ ويبقى الإثم في عتق الزوج( ). وإذا كان يشترط في الخطبة أن تكون المرأة المخطوبة صالحة للعقد عليها فكذلك الوعد في غير الخطبة ينبغي أن يكون محله مشروعًا. جاء في أحكام القرآن لابن العربي ج1 ص215: (إذا حرم الوعد في العدة بالنكاح؛ لأنه لا يجوز كان ذلك دليلاً على تحريم الوعد في التقابض في الصرف في وقت لا يجوز إلى وقت يجوز فيه التقابض)، ويشترط بالإضافة إلى مشروعية المحل ما يشترط في محل العقد بصفة عامة من شروط بأن يكون الموعود به ممكنًا مقدورًا على تسليمه معلومًا الخ، مع مراعاة ما يتفق مع طبيعة الوعد، فالوعد بعقد البيع يشترط فيه أن يكون المبيع يصلح للتعامل فيه فلا يصح الوعد ببيع خمر أو خنزير بالنسبة للمسلم؛ لأن ذلك غير متقوم في حقه، ولا يصح الوعد ببيع حفنة من تراب؛ لأنه لا ينتفع بذلك عادة( ). ومن الأركان الخاصة بالوعد بالتعاقد في القانون ما بينته الفقرة الثانية من المادة (101 مدني فقرة 2): وإذا اشترط القانون لتمام العقد استيفاء شكل معين فهذا الشكل تجب مراعاته أيضًا في الاتفاق الذي يتضمن الوعد بإبرام هذا العقد( ) فهل لهذا الركن من أهمية في الفقه الإسلامي؟ الواضح أن اشتراط الرسمية في القانون هو لتنبيه العاقد إلى خطورة ما هو مقدم عليه، فلا يكفي في الهبة مثلاً الصيغة بل لابد من أن يتم ذلك أمام الموظف المختص، والأصل في الفقه الإسلامي أن يتم العقد بمجرد التعبير عن الإرادة؛ لأن ذلك يدل على رضا العاقد بالعقد، ومن ثم يرتب الشارع الحكيم الأثر على ذلك، بيد أنه بصدد عقد الزواج وجدنا أن الفقهاء اتفقوا على أن الإشهاد على عقد النكاح مطلوب، وإن كان الخلاف بينهم حول مدى هذا الطلب هل على سبيل الوجوب أو الندب، وهل هو شرط لصحة العقد أم شرطًا لتمامه أو لا يلزم عند العقد لكن يلزم قبل الدخول – وهل يكفي عن الشهادة الإعلان كالضرب بالدب والوليمة ونحو ذلك( )، ويبدو أن السر في ذلك هو اهتمام الشارع الحكيم بالعلاقة بين الرجل والمرأة وأنه يجب أن تصان تلك العلاقة عن كل ما يدنسها وأنه يجب أن يفرق بين علاقة النكاح وعلاقة الأخدان( )، فعلاقة النكاح هي التي تنبت النسل وبه تتكون الأسرة المسلمة التي تكون لبنة طيبة في المجتمع الإسلامي، كذا احتاط الشارع الحكيم لجو هذه الأسرة فحفظها من نحو جحود الزوج لها، ولا شك أن الإشهاد والإعلان ونحوه يحقق الضمانات الكافية لإقامة الأسرة المسلمة في جو من الطهر والعفاف ما يجعلها تنهض قوية في صرح الأمة الإسلامية، ومن هنا يظهر أن تقبل فكرة الشكلية في الفقه الإسلامي تعد أمرًا مقبولاً طالما كان القصد منه التأكد من رغبة العاقد ورضاه بما هو مقدم عليه، وليس أدل على ذلك في نظرنا من طلب الإشهاد على عقد الزواج؛ إذ هو لخطورته احتاط له الشارع ما لم يحتط لغيره من العقود على النحو الذي أشرنا إليه( ) فلا يكفي لقيام الزوج أن تتحقق الصيغة -الإيجاب والقبول- بل يجب الإشهاد عند البعض، ويندب ذلك عند الآخر، ولقد وجدنا في القانون أنه إذا اشترطت الشكلية في عقد فإنه يلزم تحقق ذلك في الوعد بهذا العقد، فهل يمكن القول بوجود ذلك في الفقه الإسلامي؟ قلنا: إن الروح العامة للشريعة الإسلامية لا تمانع في تقبل فكرة الشكلية؛ إذ القصد منها التأكد من رغبة العاقد في العقد وكل ذلك لإظهار الرضا بالعقد وهو أساس التعاقد، إلا أن تعميم تلك القاعدة في الفقه الإسلامي لا يمكن التسليم به في نظرنا – وليس أدل على ذلك من أن الخطبة وهي تطبيق عملي للوعد بالتعاقد في الفقه الإسلامي لم يقل أحد من الفقهاء بمراعاة الشهود فيها، بل إن من الفقهاء من ذكر أن الخطبة تكون سرًا حتى لا يترتب على العدول عنها إيذاء للمخطوبة. جاء في مواهب الجليل ج5 ص408: (ويستحب كتمان الأمر إلى العقد)( ). وإذا كان القانون يهدف من مراعاة الشكلية في الوعد بالتعاقد – إذا كان العقد الموعود بإبرامه يشترط له الشكلية كالرهن الرسمي (م 1031/1) – هو الخوف من أن يتخذ الوعد حيلة للهروب من الشكلية؛ إذ الوعد إذا قام صحيحًا وكان ملزما لجانب واحد، فبمجرد أن يبدي الطرف الآخر رغبته ينعقد العقد، وإذا كان ملزمًا للجانبين فإنه بحلول الميعاد المتفق عليه ينعقد العقد، فإن مسلك القانون هو ما يتفق مع كون الوعد ملزمًا، ولكن في الفقه الإسلامي حتى مع القول عند بعض الفقهاء بأن الوعد ملزم، لم يقل أحد باشتراط الإشهاد في الخطبة كالنكاح، معنى ذلك أنهم فرقوا بين طبيعة العقد وطبيعة الوعد حتى على القول بلزوم الوعد عند البعض، وهذا علو في الفهم وتسام في الفكر، فإذا ما أراد الواعد تنفيذ العقد الموعود به سواء على القول باللزوم أم لا، نفذ الأحكام الخاصة بالعقد المراد إبرامه على وجه الخصوص. ومن الأركان الخاصة بالوعد بالتعاقد في القانون: إن يتضمن الوعد جميع المسائل الجوهرية للعقد الموعود بإبرامه، أي الأمور التي لا ينعقد العقد صحيحًا إلا بها كالمبيع والثمن في عقد البيع، والعين المؤجرة والأجرة والمدة في عقد الإيجار وهكذا( ) ويتفق القانون في هذا مع الفقه الإسلامي؛ إذ الوعد في الفقه الإسلامي هو الإخبار عن إنشاء المخبر معروفًا في المستقبل، ولن تكون بصدد وعد إذا حدد محله وعناصره الأساسية، ولقد رأينا في الخطبة أن الخاطب يطلب يد امرأة معينة؛ لأنه قد يكون للمخطوبة أخوات فتحديها لأمر لازم بل قد رغب الشارع إلى النظر إليها قبل أن يتقدم لخطبتها، وأن يكون كل من الطرفين على علم بحال الآخر وما عليه من عادات وأخلاق ويكون ذلك بالتحري والبحث الخ كل ذلك ليكون المحل معلومًا واضحًا. كذلك من الأركان الخاصة بالوعد بالتعاقد في القانون: إن يتضمن الوعد المدة التي يلتزم الواعد بإبرام العقد الموعود به خلالها إذا ما ارتضاه الموعود له وإلا كان باطلاً، ويستوي في ذلك أن يكون تحديد المدة صريحًا كسنة أو شهر مثلاً أو أن يكون ضمنيًا يستفاد من ظروف الحال كما لو كان العقد الموعود به لا يجدي تنفيذه، بعد فوات ميعاد معين( ). وفي الفقه الإسلامي: رأينا أن الجمهور قالوا بأنه مستحب الوفاء بالوعد وعلى ذلك فيستوي أن يحدد له أجل( ) أم لا، ولكن تظهر أهمية الأجل عند من يرى أن الوفاء بالوعد واجب؛ إذ للموعود له أن يطالب الواعد بالتنفيذ إذا أضاف الوعد إلى مدة ولم يتكلم الفقهاء صراحة عن تحديد مدة للوعد؛ لأنه جاء ذكره ضمن الكلام عن العقد وبما يفهم من ذلك أن ما يطبق على العقد يطبق على الوعد، ولا شك أن الواعد إذا حدد مدة لتنفيذ وعده، فإن الأمر سهل إذ للموعود عله أن يطالبه بالتنفيذ حسب المدة، ولكن تأتي الصعوبة في حال عدم تحديد مدة فهل يلزم لصحة الوعد اشتراط مدة تستخلص من الظروف ويقدرها العرف أم يبقى الأمر رهنًا بإرادة الواعد؟ وهذا كما قلنا لا فائدة منه إلا عند من يرى وجوب الوفاء بالوعد. وبالنظر في قواعد المالكية وهم الذين قال جمهورهم يلزم الوفاء بالوعد نجد أنهم ذكروا بخصوص إجازة التصرف الموقوف( ) وهل يدل السكوت على الإجازة أم لا؟. نجد بأنهم قالوا: بأن المالك إذا علم بتصرف الفضولي وسكت مدة عام فإن ذلك يعد إجازة؛ إذ علمه يتصرف الفضولي وسكوته تلك المدة يدل على رضاه بتصرفه، وهذا يعد وضعًا لعدم إطالة بقاء العقد صالحًا مدة طويلة( ). وعلى هذا فإنه وفقًا لقواعد المالكية إذا سكت الواعد عن ذكر مدة للوعد، فإن مرور عام دون أن يفي هو بوعده يحق للطرف الآخر أن يجبره على التنفيذ بعد مضي تلك المدة، وذلك حتى لا يبقى الوعد أكثر من ذلك خاصة أن جمهور المالكية قالوا بوجوب الوفاء بالوعد. وفي خيار الشرط( ) أيضًا نجد أن المالكية ذكروا أنه إذا لم يحدد له مدة أو شرط إلى مدة مجهولة كقدوم زيد أو هبوب ريح الخ، فإن العقد يصح ويحدد لهما القاضي المدة المعقولة التي يختبر فيها المبيع؛ لأن الإطلاق يحمل على رضائهما بتلك المدة( ). وبناء على ما ذكره المالكية في خيار الشرط إذا لم يحدد له مدة – حيث رأينا أنهم قالوا بصحة العقد ويتولى القاضي تحديد تلك المدة – فإنه يمكن تحديد مدة للوعد إذا خلا عن ذكرها حتى لا يبقى أمد الوعد مدة طويلة، ويقدرها القاضي حسب ما يراه من أن تلك المدة تصلح للتنفيذ في حق الواعد، وأظن أن هذا الضابط أيسر مما قبله، كذلك يمكن القول بأنه إذا جاز تحديد مدة لإجازة العقد الموقوف، ولإبرام عقد البيع إذا اقترن بشرط الخيار، فإن تحديد مدة للوعد إذا خلت صيغة الوعد عن بيانها يعد أمرًا مقبولاً؛ لأن ذلك جاز في المقاصد، فيجوز في الوسائل من باب أولى إذ عرفنا سابقًا أن الوعد وسيلة لإبرام تعاقد، وليس هو العقد المراد إبرامه، ولا يتعارض هذا مع ما قلناه سابقًا بالنسبة للخطبة حيث اشترط الإشهاد أو الإعلان في الزواج ولا يلزم ذلك في الخطبة؛ لأن الزواج له مكانة خاصة في الشريعة ولا يصح القياس عليه. ** اعداد المحامي فهد بن منصور العرجاني للاستشاره : 0531111745


 
 

 

الانتقال السريع           

 

  الموجودون الآن ...
  عدد الزوار 699 / عدد الاعضاء 64