اسم المستخدم: كلمة المرور: نسيت كلمة المرور



 

     
 
 
ابوليان
التاريخ
1/20/2013 1:31:05 PM
  الشريعة الإسلامية وقدرتها على مواءمة العصر      

الشريعة الإسلامية وقدرتها على مواءمة العصر
 
ظلَّت الشريعة الإسلامية مصدرًا رئيسًا ووَحِيدًا للتشريع والحكم، والسياسة والاقتصاد والمعاملات، والثقافة والتعليم، وكافَّة مَناحِي الحياة طوال اثني عشر قرنًا في دولةٍ مُترامِيَة الأطراف، تلمُّ في طيَّاتها أممًا شتَّى بين عربٍ وأعاجِم، وبدو ومتحضِّرين، وفرس ورومان، وبربر وأفارِقة، في زمنٍ لم يَعرِف وَسائِل الاتِّصال الحديثة، ومع ذلك ظلَّت الأمَّة الواحدة هي الغالبة عِدَّة قرون، بل أنتجت عقولاً واعيةً تفاعَلَتْ مع النُّصوص، وأثمرَتْ فقهًا غنيًّا مَرِنًا، تَفاعَل بكلِّ وعيٍ مع خصوصيَّات الناس، وأنشأ أحكامًا وتفصيلات تترفَّق بالعِباد، "وتُلَبِّي مصالحهم، وتُحَقِّق تطلُّعاتهم وأمنياتهم إلى مستقبَل حافِل بالأمجاد"[1]، ولا تَزال - رغم انحِسارها عن دائرة التفاعُل مع الواقِع منذ زَهد فيها أهلُها، واستبدَلوا قوانين الغرب بها، مع علمهم بأحقيَّة الذي خلق - سبحانه - في الأمر؛ حيث يقول - سبحانه -: ﴿ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ ﴾ [الأعراف: 54]، وقوله - تعالى -: ﴿ أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ [الملك: 14]، وحين يجد المرء في نفسه حرجًا من حكم الله يَنخَلِع قلبه من سِياج الإيمان؛ حيث يقول الحقُّ - جلَّ وعلا -: ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [النساء: 65]، وكم أشاد الخُبَراء بمرونتها في مؤتمرات كثيرة انعَقدَتْ! وجاءَتْنا أخبارُها من الشرق والغرب، لكن أهلها - حتى المؤمنين بوجوب الاحتِكام إليها - لا يَعرِفون كثيرًا من آيات روعتها ودَلائِل سموِّها، ولعلَّه من أوجب الواجِبات على الدَّاعِين إلى الإسلام أن يَعرِفوا تَفصِيلات تفوُّق الشريعة الإسلاميَّة على ما عَداها من نظريَّات وأنظِمة، وإن كان في المقارنة - مجرَّد المقارنة - إهانة للشريعة وأي إهانة! وشتَّان بين كَمال الخالق ونقْص المخلوقين، ولكن مثلما يقول - تعالى -: ﴿ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ ﴾ [الأنعام: 55].
 
وحين تعلو اليوم أصواتُ المؤمِنين بقدسيَّة الشريعة وكمالها وصلاحيتها لكلِّ زمان ومكان، ترتَفِع مئات الاعتِراضات من المستشرِقين والمستغرِبين، في تخليطٍ سيِّئ النيَّة بين الجزئيَّات والكليَّات، وبين الثوابت والمتغيرات، فالعقوبات قاسية حتى إنها لا تُطَبَّق إلا في مجتمع من الملائكة يُبادِر العُصَاة فيه إلى الأمير فيقرُّون باعتِرافاتهم، ومنهم مَن يقول: إنها تُصادِر الحريَّات، وتُثِير النعرات الطائفيَّة، فلا تَصلُح للحكم في الزمن الحاضر الذي تتنوَّع فيه الأعراق، وتقوم الدُّوَل فيه على مبدأ المُواطَنَة، وبين ادِّعاءٍ وادِّعاء نَسُوق ما يَطرَحه الدكتور حامد ربيع في تقديمه لأحد أسفار التُّراث الإسلامي في السياسة والحكم "سلوك المالك في تدبير الممالك" من أنَّه ينبَغِي علينا لتقييم الحضارة الإسلاميَّة تقييمًا موضوعيًّا صادِقًا، لا بُدَّ أن نجد المدخل الخاصَّ بالحضارة الإسلامية من مُعطَياتها اللفظيَّة اللغويَّة أولاً، ثم البعد التاريخي للحدث، ثم البعد الحضاري القيمي[2]، فمَن يريد أن يَحكُم على مَدَى قدرة التشريعات الإسلاميَّة على إدارة الدولة - لا سيَّما في الزمن المعاصِر - لا ينبغِي له أن ينقل الحدث من سِياقه الزماني والمكاني، ويقيِّمه بمعطيات العصر الحديث، بل لا بُدَّ مِنْ مُراعَاة التناسُب.
 
والسؤال الآن: هل تصلُح الشريعة الإسلاميَّة للتطبيق اليومَ على مُجتَمعاتنا بنفس سِياقها ونُصوصها وتطبِيقات عُلَماء السلف؟ أو إنها بحاجةٍ إلى تطوير وتحديث كما يقولون؟! وهل تمتَلِك الشريعة بذاتها آليَّات التجديد والتحديث؟ أو إنَّها بحاجة إلى الدمج مع نُظُمٍ أخرى؟!
 
لا يسع المؤمن بحال أن يُجِيب بالنفي على هذا السؤال، فأيُّ إيمان لِمَنْ يَصِم الشريعة الخاتمة بالنقصان أو الاحتِياج لغيرها؟ لكن الأمَّة منذ زمنٍ بعيدٍ وهي تُحاوِل أن تَصُوغ الأحكام بصيغة التقنينات الغربيَّة، فقد حاوَلت الدَّولة العثمانيَّة في سنواتها الأخيرة تقنينَ الشريعة الإسلاميَّة وَفْقَ النسق الغربي، (في صورة مواد وأحكام نُشِرت في "المجلَّة العدليَّة"، كما دوَّنت بعض المؤسَّسات العلميَّة صُوَرًا من التَّقنِين الإسلامي لمختلف مَناحِي الحياة، كما أتَمَّ مجلس الشعب المصري هذه المحاوَلة في سبعينيَّات القرن الماضي - فترة تولِّي د. صوفي أبي طالب - واستَعانَتْ بهذه التشريعات السودان في المحاوَلة الأولى لتطبيق الشريعة أيَّام النميري)، لكن هذه المحاوَلات كلها لن تُؤَثِّر في فعالية أحكام الشريعة ما لم تَتفاعَل الشريعة مع الواقع مباشرةً، ودون أن توضع في (حضَّانات)، أو تبقَى تحت الملاحظة؛ لأنها ببساطة من عند الذي يُبرِز السبب في حتميَّة التفوُّق والانفِراد؛ حيث يقول: ﴿ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ ﴾ [الأعراف: 54]، وأيضًا ﴿ أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ [الملك: 14].
 
والقضاء الإسلامي ليس قضاءً بدائيًّا يحكم بالبشعة، ويستشهد بالجن، أو يستَقسِم بالأزلام، إنما هو مدرسة متميِّزة في تحقيق العَدالة تجد نفسَها في حالة تفوُّق على كلِّ المدارس القضائيَّة المُعاصِرة، إذًا نحن بحاجةٍ للنصِّ المُحكَم الذي لا يَأتِيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وبنفس الدرجة للقَضاء البشري المُدرك لمدلول النصِّ وسِياقه وواقِع الحالَة التي يُرِيد الفَصل فيها، فماذا تُقَدِّم الشريعة الإسلاميَّة للبشريَّة في هذا المجال؟
 
دلالة النصِّ الإلهي المُحكَم في نفوس المتحاكِمين:
ترتَكِز في النُّفوس على اختِلاف الأزمان والأماكن مهابَة النصِّ المقدَّس، والثقة بعدالة السماء، وهي الأساس الذي يستَنِد عليه مبدأ التقاضِي منذ الأزَل؛ فقد كان الناس فيما مضَى يضعون قرابِينَهم فتأتِي النار فتلتَهِم قربان المُحِقِّ فيُحكَم له، وإذا كان الحال مع آيات القرآن أشدَّ وضوحًا لبيانها بلسانٍ عربي مبين، فالتقديس ها هنا سيكون أعظم، والناس إلى اليوم يعتَقِدون أن شاهد الزور في المحكمة تُصِيبه مصيبةٌ في نفسه أو ماله أو ولده، فالناس اليوم حين يحتَكِمون إلى الشريعة الإسلاميَّة يَعرِفون أنها أحكام ربِّ العالمين؛﴿ ذَلِكُمْ حُكْمُ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ [الممتحنة: 10]، ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ [المائدة: 50]، وقد حَكَتِ السُّنَّة من نبأ أم المؤمنين عائشة أنها كانت تَثِقُ في نزول تبرئتها من حديث الإفك برؤيا أو خبرٍ من السماء[3]، كما كان كعب بن مالك يعتَقِد ذلك إنْ هو كذب على النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - أن يأتيه الخبر من السماء[4]، وقد جعَل الله كلَّ ما سوى حكمه - تعالى - المُثبَت في شريعته من أحكام الجاهليَّة، ويقول ابن كثير في ذلك: "يُنكِر اللهُ على مَن خرج من حكم الله المُحْكَم المشتَمِل على كلِّ خير، الناهِي عن كلِّ شرٍّ، وعَدَلَ إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات"[5]، في معرض تفسيره لقوله - تعالى -: ﴿ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ﴾ [المائدة: 50]، فإذا اجتَمعَتْ لهذه الشريعة الخاتمة نفوس تقيَّة مؤمِنة تجمَع العلم والدِّراية إلى التقوى والصلاح، فحينئذٍ تكتَمِل أسباب العدالة في الأرض.
 
عدالة النظام القضائي في الإسلام ومثاليَّته:
انتَدب الإسلام للقَضاء أهلَ الاجتِهاد والفُتيَا والاستِقامة والصلاح، ثم أرشَدَهم إلى مبادئ العَدالة؛ فأمَرَهم بالعدل وفصَّل لهم مبادئه ومفرداته، ونهاهم عن الظلم وحدَّد لهم صغيره وكبيره، وفي القرآن والسنَّة العديدُ من قَواعِد القضاء وأصول العَدالة؛ يقول النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - لعليٍّ وقد أرسَلَه قاضيًا على اليمن: ((إن الله يهدي قلبك ويثبت لسانك، فإذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضينَّ حتى تسمع من الآخَر كما سمعت من الأوَّل؛ فإنَّه أحرى أن يتبيَّن لك القضاء))[6]، واشتَرط العُلَماء في القاضِي أن يكونَ كثيرَ المذاكرة مع أهل العلم والمُشاوَرة لهم - تأمَّل ما وصف به طه حسين القاضي الذي علَّمَه في صِباه في روايته "الأيَّام" - وللقُضَاة في التراث الإسلامي أخبارٌ عديدة تُنبِئ بما كانوا عليه من فِطنَة وعلم.
 
والقاضي في الإسلام يتمتَّع بحريَّة تُشبِه القاضي الحالي في النظام الأنجلو/ سكسوني، بل هو أكثر حريَّة، ليس كمثل القُضَاة في بلادنا وعموم النظام الفرنسي؛ ذلك أنَّ القضاء المُعاصِر على ضربَيْن، بخِلاف النظام الإسلامي:
النظام الفرنسي: وهو الذي يتقيَّد فيه القاضِي بنصوص مُعيَّنة تُحَدِّد له أُطُرَ الحكم، فلا يَتجاوَزها في قليلٍ أو كثيرٍ.
والنظام الأنجلو/ سكسوني: وفيه يكون للقاضي حقٌّ أوسَع في الاجتِهاد واعتِبار حكم القضاء حجَّة مُعتَبَرة، مع التقيُّد بآراء المحلفين في بعض القضايا.
 
وخير النُّظُم طبعًا هو النظام الإسلامي، ولكن مع القُضَاة المؤهَّلِين وفق الشروط الفقهيَّة آنِفة الذكر، وقد حدَّد العُلَماء للعَدالة ضَمانات مَصُونة في الإسلام تواتَرَتْ على صدقها - مع المسلم وغير المسلم - الأخبار، ومن هذه الضمانات: اختيار القاضي الكفء، والتوسِعَة عليه في الرزق، وإقرار مبدأ استِقلال القُضَاة، وتحريم تقديم الرِّشوة أو الهدايا لهم، ويجب على القُضَاة الشُّورَى في الأحكام، كما تُقَرِّر أحكام الشرع بطلان الحكم بعلم القاضي، وحرمة القضاء في حال الغضب، وإلزام القاضي باتِّباع نهج معيَّن إزاء الشهود، والتفريق بين المتخاصمين.
 
ومنها - بالنسبة للرعيَّة - النهي عن كِتمان الشهادة، وعن شهادة الزور، وعلى الإمام أيضًا تحذير المتخاصِمين أن يأخذ أيٌّ منهما ما لا يستحقُّه واقتِران الحكم بأسبابه[7].
 
وقد رُوِي عن الشعبي أنَّ كعب بن سوار كان جالسًا عند عمر، فجاءت امرأة فقالت: يا أمير المؤمنين، ما رأيت رجلاً قطُّ أفضَل من زوجي، والله إنه ليَبِيت ليلَه قائمًا، ويظلُّ نهاره صائمًا في اليوم الحار ما يُفطِر، فاستَغفر لها وأثنى عليها، وقال: مثلك أثنى الخير، قال: واستحيت المرأة فقامت راجِعة، فقال كعب: يا أمير المؤمنين، هلاَّ أعديت المرأة على زوجها، قال: وما شكت؟ قال: شكت زوجها أشدَّ الشكايَة، قال: أوَذَاك أرادت؟ قال: نعم، قال: ردُّوا عليَّ المرأة، فقال: لا بأس بالحقِّ أن تقوليه، إنَّ هذا زعَم أنَّك جئتِ تَشكِين زوجَك أنَّه يجتنب فراشَك! قالت: أجل، إني امرأة شابَّة، وإنِّي لأبتَغِي ما يبتَغِي النِّساء، فأرسَل إلى زوجها فجاء، فقال لكعب: اقضِ بينهما، قال: أمير المؤمنين أحقُّ أن يقضي بينهما، قال: عزمت عليك لتقضينَّ بينهما؛ فإنَّك فهمت من أمرهما ما لم أفهم، قال: فإنِّي أرى كأنَّها عليها ثلاث نسوة هي رابعتهن فأقضي له بثلاثة أيَّام بلياليهن يتعبَّد فيهن ولها يوم وليلة، فقال عمر: والله ما رأيك الأوَّل أعجب إليَّ من الثاني، اذهب فأنت قاضٍ على البصرة[8].
 
هكذا إذًا تُطلِق الشريعة الإسلاميَّة يد القاضي ليُبدِع في إنفاذ العَدالَة على أوسع مدلولاتها، وقد امتَدَح القرآن نبيَّ الله سليمان في حكمه؛ لما فيه من عدالة وطرافة؛ ﴿ وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ﴾ [الأنبياء: 78 - 79]، والقضاء الإنجليزي يجعَل الأحكام الصادِرة بمَثابة العرف الواجِب الاتِّباع فيما يلحَق من أحكام، فليس للإنجليز تشريعات مكتوبة، لكن القضاء الإسلامي لا يجعل لعَواطِف الناس - الممثل في المحلفين - تأثيرًا على الحكم مثلما يَفعَل القانون الإنجليزي، وهذا يَعتَمِد في المقام الأوَّل على درجة الاجتهاد التي يَحوزُها القاضي، فمتى نرى شرعة الله قائمة وقد تبارَت العقول المؤمِنة في صوغها بحسب لَوازِم التطبيق المُعاصِر، وعنت لقضائها جِباه المؤمنين؟
 

[1] د. وهبة الزحيلي، "نظرية الضرورة الشرعية".
[2] د. حامد ربيع، مقدمة "سلوك المالك في تدبير الممالك" ج1.
[3] - "السيرة النبوية"؛ لابن هشام، المجلد الرابع.
[4] - المصدر نفسه المجلد الخامس.
[5] - الحافظ ابن كثير، "تفسير القرآن العظيم"، ج2.
[6] - 3582 حديث حسن - "سنن أبي داود"، باب كيف القضاء المجلد الثالث، ص1550.
[7] - الدكتور عبدالله عزام - رحمه الله - "فقه الإجراءات والمرافعات".
[8]- الدكتور عبدالله عزام - رحمه الله - "فقه الإجراءات والمرافعات".
منقول للفائدة
 
المحامي فهد بن منصور العرجاني
للاستشارة  0531111745
أيميل methag-alahd@hotmail.com


 
 

 

الانتقال السريع           

 

  الموجودون الآن ...
  عدد الزوار 616 / عدد الاعضاء 64