اسم المستخدم: كلمة المرور: نسيت كلمة المرور



 

     
 
 
عائشة
التاريخ
3/24/2007 8:11:47 AM
  سؤال بحاجة الى جواب شافى من جميع اعضاء المحامين العرب       

مليتكم واختكم عائشة من الامارات الان متدربة فى مجال المحاماة

تتمنى من جميع الاعضاء والاخوة خبراء القانون الجود من عطاءهم الفائض فى مجال القانون

والزاخر بالعلم والمعرفة والخبرة العملية

شكرا جزيلا

اختكم عائشة من الامارات


  عائشة     عدد المشاركات   >>  65              التاريخ   >>  24/3/2007



كيف يكون المتدرب محاميا بارعا وموهوبا فى مهنته

ويجيد فن كتابة المذكرات القانونية

والمرافعة المؤثرة ....؟؟؟؟؟


  الشيماء    عدد المشاركات   >>  169              التاريخ   >>  24/3/2007



  إقتباس : مشاركة عائشة


كيف يكون المتدرب محاميا بارعا وموهوبا فى مهنته

 

ويجيد فن كتابة المذكرات القانونية

والمرافعة المؤثرة ....؟؟؟؟؟

الأخت العزيزة عائشة

كتبت قبل قليل رد ولم اتمكن من إضافته بسبب سوء الصفحة واستنجدت بحمال الآسية أستاذنا الفاضل احمد حلمي فأصلح الصفحة اصلح الله حالنا جميعاً فشكراً له

أختي العزيزة 

ما طلبته ليس وصفة جاهزة يتناولها المحامي فيصحو وقد وجد نفسه موهوباً أهم سلاح لذلك هو حب المهنة والرغبة الشديدة بها وبعد ذلك لكل حادث حديث

فهل أحببت مهنتك قبل اختيارها أم كانت مجرد درب من الدروب المتاحة أمامك وفق معدل الدرجات

بعد الجواب للحديث بقية  


المحامية مجد عابدين

فأنا هنا جرح الهوى ...وهناك في وطني جراح

وعليك عيني يا دمشق .... فمنك ينهمر الصباح


  اسعد هيكل    عدد المشاركات   >>  68              التاريخ   >>  24/3/2007



الزميله الفاضله الاستاذه / عائشه

من وجهة نظري اذا اراد المحامي ان يصبح محاميا ناجحا يجيد كتابة المذكرات و المرافعه الشفهيه المؤثره فعليه بالقراءه .

و القراءه في كافة مجالات المعرفه ليس في المجال القانوني و حسب فيجب علي المحامي ان يكون ملما بكل الاحداث التي تدور من حوله بصفه عامه شامله  .

كما يجب علي المحامي ايضا ان يكون لديه مكتبه قانونيه علي الاقل تحتوي علي كل اكواد القوانين المنظمه للتقاضي في دولته .

كذلك يجب علي المحامي الاطلاع بصفه دائمه علي كافة ما يصدر من احكام و مباديء قانونيه و ان يعمل علي تنشيط ذاكرته القانونيه علي الدوام .

هذا بعض من كل ما يجب علي المحامي عمله ليصبح محاميا ناجحا .

اسعد هيكل

asaad_heakal@yahoo.com



  محمود رضوان    عدد المشاركات   >>  361              التاريخ   >>  24/3/2007



 

 

 


كيف تصبح محاميا؟
في مصر الأمر بسيط في الثانوية العامة لا تجهد نفسك كثيرا. بأقل مجهود يمكنك أن تتحصل على مجموع يخالف معدلات كليات القمة و تدخل كلية الحقوق و في بطن سعادتك بطيخة صيفي.
دخلت الكلية لا تتعجل الأمر يمكنك أن تقضي سنوات الدراسة الأربع بعيدا تماما عن القانون اللهم إلا في الشهر الأخير. لن يجهدك أساتذة القانون بسماع محاضرتهم لأن باب المدرج مفتوح. إذا قررت الحضور ما عليك إلا أن تنصت و تدون إن أردت و استطعت ما يقوله الأستاذ المحاضر. يمكن الانشغال عنه في بعض الأحيان دون أن تكون مصدر ازعاج و حسب درجة تقبل الأستاذ لهذا السلوك. لن يطلب منك أستاذك بحثا و مراجع و هو لا يحب أن تناقشه أو تسأله لأنه متعب و لا يحب وجع الدماغ و لديه ما يكفي من المسئوليات الإدارية و الأسرية و كثير منهم جدوله مزدحم بسبب مكتبه الشهير و موكليه أصحاب الملايين، إذن لن تقضي ساعات طويلة في المكتبة تراجع أحكام القضاء أو تقارن و تحلل كتب الفقه و التشريعات.
بعد أن تحصل على شهادة التخرج توجه إلى نقابة المحامين و بعد استيفاء مجموعة من الأوراق- إثبات شخصية، موقف من التجنيد، صحيفة حالة جنائية..الخ- سيتم استدعائك لحلف اليمين و تتسلم بطاقة العضوية بعد دفع الاشتراك و الرسوم السنوية. تبدأ عضويتك بالنقابة كمحام جزئي تحت التمرين لمدة سنتين تقوم خلالهما بكل أعمال المحاماة تحت اشراف محامي أكثر خبرة و غالبا ما تقوم بالأعمال السطحية و الملتوية التي ترقي لمستوى من هم أسبق منك خبرة أو تلك التي يعف عنها بعض أصحاب الضمائر التي تؤنبهم فيكتفون بإحالتها إلى من هم تحت إشرافهم! و بعد مرور السنتين تنتقل إلى درجة المحاكم الابتدائية و من بعدها الاستئناف و أخيرا النقض. إذن يبدو الأمر بسيطا و ساذجا و هو ما انعكس على صورة المحاماة و الأداء الضعيف و غير المحترف للمحامين. أعتقد أن هناك حاجة ملحة لإعادة النظر في إعداد المحامين. دعنا ننظر أولا خارج مربعنا ثم نعود لبعض الترشيحات في سبيل اعداد أمثل للمحامي المصري.

كيف تصير محاميا في فرنسا؟
أولا يجب أن تحصل على شهادة الإجازة من كلية الحقوق –
الالتحاق بالكلية لا يعتمد على المجموع و إنما على مقابلة شخصية و أداء مدرسي لائق- أو دبلوم معادل لها.
ثانيا: يجب أن تنجح في اجتياز امتحان الالتحاق بمركز الاعداد المهني الجهوي بعد سنة من الاعداد الدراسي المكثف.
ثالثا: تلتحق بمدرسة الاعداد المهني التابعة للنقابة التي تنوي التسجيل بها- المحامي يمارس مهنته في نطاق جغرافي محدود و ليس مطلق و هو نطاق يتحدد بذات حدود الاختصاص الجغرافي لمحكمة الاستئناف التابع لها المحامي –هناك قواعد تنظم التمثيل المتبادل بين المحامين من نطاقات جغرافية مختلفة- تستمر الدراسة بالمدرسة سنة دراسية تنتهي بامتحان مهني متقدم تحصل بموجبه على شهادة القبول المهني
رابعا: يعقب ذلك تدريب إجباري يمتد سنتين و ينتهي باعداد تقرير مفصل عن فترة التدريب و الأعمال التي قمت بأدائها و يمكن للنقابة مساءلة المشرف على التدريب

كيف تكون محاميا في كندا؟
يجب الرجوع إلى قوانين كل مقاطعة لمعرفة الشروط التفصيلية. لكن لنأخذ مثلا بمقاطعة كيبك. تجمع المقاطعة بين تراثين قانونييين الأول فرنسي لاتيني و الثاني أنجلو-أمريكي. لذلك غالب كليات الحقوق في المقاطعة لا تطلب شهادة جامعية كشرط التحاق بكلية الحقوق عدا جامعة مكجيل التي تشترط الحصول على شهادة جامعية للالتحاق بها مع وجود استثناءات للمتميزين من طلبة المدارس العليا.
بعد الحصول على شهادة الليسانس، تتقدم إلى
مدرسة نقابة المحامين لعمل امتحان تحديد مستوى. تصدر على أساسه لجنة التقييم نصيحة بعمل برنامج الدراسة المطول أي 8 شهور أو الاكتفاء بدراسة مكثفة 4 شهور.
الدراسة مكثفة للغاية و نسبة النجاح ليست مرتفعة خاصة مع تغيير البرنامج العام الماضي.
بعد اجتياز امتحان مدرسة النقابة هناك تدريب إجباري مدته 6 شهور. تنتهي باقرار مدرسة النقابة فترة اعدادك و تحيل الملف إلى النقابة لانهاء اجراءات التسجيل و حلف اليمين لتمارس بعدها مهنة المحاماة في المقاطعة.

نظرا لأهمية مهنة المحاماة و نظرا للمشاكل الملموسة التي تعطل الأداء الصحيح لواجبات المحامي، فإن الحاجة لاجراءات جديدة لا يعوزها كثير من الأسانيد و التبريرات.
لكن من أي نقطة نبدأ؟
هناك نقطة بداية مهمة لكنها مرتبطة بالنظام الجامعي المصري المشوه و لذلك هي تتعلق باصلاح هذا الأخير. إذ يجب أعادة النظر في معايير الالتحاق بكلية الحقوق سواء من ناحية الكم أو من ناحية الكيف. المسألة لا تتعلق فقط بالقدرة على تحصيل درجات تقييم مرتفعة و لا قدرة على الحفظ عن ظهر قلب، و لكنها على العكس تتعلق بالقدرة على التفكير و التحليل المنطقي و ملكات التعبير و اللغة.
النقطة الثانية تتعلق بالمحتوى الدراسي في كليات الحقوق و اتصاله بالمجتمع و مشكلاته و سوق العمل- سأفرد لهذه المسألة تدوينة لاحقة إن شاء العدل.
يجب أن نعترف أن الدراسة الجامعية لها هدفها و للحياة العملية و التطبيقات ديدنها و متطلباتها. الجامعة مكان لتنمية مهارات التحليل و التفكير و النقد. لا شك أنها مهارات يستعملها المحامي لكنه يستعمل غيرها مما لا توفره الجامعة. فالجامعة تعد جماعة من الطلاب سيكون منهم القاضي و وكيل النيابة و المحامي و رجل السياسة و التخطيط ,,الخ. لكل منهم حاجته و اختصاصه ومهاراته. لذا اعداد كل منهم بشكل منفرد يجب أن يلحق مرحلة الدراسة الجامعية.
إن فكرة مدرسة نقابة المحامين ترسم ملامح محامي المستقبل و تشكل وعيه و تزوده بالمهارات الأساسية التي لا غنى له عنها للوفاء بواجبه. أعتقد أن الأخذ بمدرسة لاعداد المحامين مهنيا سيكون لها مردود طيب الأثر إذا أحسن اختيار برامجها ليعقب ذلك فترة تدريب لمدة سنة على الأكثر.
لماذا يجب أن نهتم و نرتقي باعداد المحامين؟
المحامون صنو القضاء كما علمنا أستاذنا في المرافعات أحمد الصاوي إذ يقول " تجمعهم ذات الغاية و هي تحقيق العدالة و يربطهم نبل المقصد و هو تأكيد سيادة القانون، يعينون القضاة فيقدمون لهم مادة أحكامهم"
إذ كما يقول رجال القانون القضاء ينقسم إلى أولا: قضاء جالس و هو قاضي المنصة الذي يفصل في المنازعات و يقرر الحقوق و الجزاءات، ثانيا: قضاء واقف و هو المحامي الذي يعكف على قضية موكله يدرس القانون الذي يحكمها و ما يثور من مشاكل قانونية و أراء فقهية يناقشها و يسوق الحجج و البراهين فيقدم للقاضي رؤية قد تسهل مهمته و تنير طريقه إلى التطبيق الأمثل للقانون. كما كان يقول أستاذنا الصاوي أن نقاش المحامين أمام القضاء يفضي إلى إثراء المعرفة القانونية.
و يضيف الصاوي أن مهنة المحاماة تستمد مكانتها من سمو مقصدها و لا ينال منها عدم فهم البعض لطبيعتها و لا المسلك السيء لبعض المحامين. فالمحامي ليس كما يتصور البعض مجرد رجل يحسن الكلام و الجدل، سيان عنده الدفاع عن الحق أو الباطل، يستعين بمعرفته ليفلت المجرم من العقاب فالمهم عنده الحصول على أتعابه.
إن دور المحامي مهم و بدونه يفسد ميزان العدالة و لا يتحقق العدل الاجتماعي إذ لا يستوي الناس في فهم القانون و لا يتكافئ الناس في التعبير و الحجة و البرهان. فيتقدم المحامي و هو على علم و إحاطة بالقانون و تملك للبيان و البرهان ليدافع عن حق موكله. يتساءل البعض كيف يدافع المحامي عن مجرم هو على يقين بارتكابه الجرم. هذا التساؤل يتناسى أن الأصل في الإنسان البراءة حتى يثبت العكس. المحامي يقوم بواجبه في الدفاع عن الانسان حتى تثبت إدانته و هو بذلك يقوم بدور مهم في حماية حقوق الإنسان في مواجهة غضب العامة أو السلطة فيقوم حارسا و مذكرا بالقواعد و الأصول القانونية حتى يطبق القانون على النحو الصحيح. أخيرا يجب أن نشير إلى أن صورة المحامي التي يحتفظ بها الناس هي صورة منقوصة تختزل دوره أمام القاضي في قضايا العقوبات و الجرائم. الحقيقة أن مهام المحامي متعددة و متنوعة تبدأ من تمثيل موكله أمام القضاء و جهات الإدارة مرورا بالمشورة القانونية في أغراض الحياة المختلفة و تحرير العقود و إنشاء الشركات و التحكيم و المصالحة بين المتخاصمين..إلخ. ممارسة مهنة المحاماة تطورت مع الوقت فمن مكتب المحامي الفرد الذي يقوم بكافة أنواع القضايا و يحرص على علاقة شخصيه بموكله تماما كطبيب العائلة في الأفلام الأبيض و أسود، بدأ المحامون في التخصص شيئا فشيئا فتجد محامي الشركات و البيوع و محامي الجنايات و محامي حقوق الملكية الفكرية و محامي الضرائب و التشريعات المالية و محامي الأحوال الشخصية و الأسرة..إلخ. كذلك بدأت تتكون شركات لممارسة مهنة المحاماة و هو أمر شائع خاصة في دول النظم الاقتصادية و القانونية المستقرة حيث يكون لشركة المحاماة فروع في مدن و عواصم مختلفة في العالم قد يصل عدد المحامين المشتغلين في بعضها إلى ما يزيد عن 500 محامي فضلا عن المساعدين القانونيين و الإداريين .
http://alkanoni.blogspot.com/2006/05/blog-post_06.html

 


  ايمن عبد الغنى المحامى    عدد المشاركات   >>  100              التاريخ   >>  24/3/2007



الاطلاع المستمر الدؤوب ،الاهتمام بالمظهر العام واحترام النفس والمهنة والاجتهاد فى طاعة الله ومرضاته ،التأسى بالقدوة الحسنة ،الصبر ،حسن السمعة والسلوك ،حب المهنة ثم حب المهنة ثم حب المهنة والتطلع للافضل والاحسن والعمل على ذلك ،مساعدة المحتاج،الوقوف مع الحق مااستطعتى ،رضاالنفس ،العمل بما يرضى الله قبل كل شىء وبعد كل شىء ،وضع الله امامك فى كل خطوة

كلها الامور بالاجتهاد فى العمل ومرضاة الله تجعل من الانسان ناجحا فى كل مهنة والمحاماه بالذات

وأرجو لكى الزميلة الفاضلة  النجاح والفلاح والتوفيق  وكل عام وانتى بخير



  محمود رضوان    عدد المشاركات   >>  361              التاريخ   >>  24/3/2007



الأخت العزير والرقية عائشة   

 

تحية طيبة وبعد

 

 

أننا في مصر يتخرج المحامي الشاب المغلوب علي أمره لكي يبحث عن أي وظيفة تقبلة أو يدور علي  مكتب محترم للتعلم فيه أصول المحاماه وللاسف أغلبهم لا يجدون شيء ولا يعرف شيء علي الأطلاق .

 

 

والقليل جدا من المحامين الشباب أستطاع الحصول علي هذا المكتب المحترم   للتعلم فيه  

 

من هنا يتعلم المحامي أصول المحاماة وهم قلة قليلة جدا أما الباقي  مازال يبحث عن مكان

 

 

أما المرافعة فهي أهم شيء يجب علي المحامي تعلمه ويتعلمه  أمام القضاء الجنائي فهي المحاماة وهدف كل محامي هو الترافع امام القضاء الجنائي لأنها تشعر المحامي بعظمة المحاماة ولهذا السبب جعلني أتمسك بالمحاماة و أعمل بها علي أمل أن أصبح مترافع جيد أمام القضاء الجنائي

 

الأستاذ / الشيماء

 

طبعا المرافعة موهبة ولا خلاف علي ذلك ولكنها أيضا  علم و معرفة و سياسية و قوة و ذكاء ولا يستطيع صاحب الموهبة الترافع علي شيء لا يعلمه !!!!!!!!!!!!!!!!

 

الاستاذ / أسعد هيكل

 

أما عن المذكرات فهي الاساس الذي لا يستطيع المحامي النكول عنه بل واجب علي كل محامي كتابة مذكراته بنفسه وبأسلوبه الخاص به لكي يقنع القاضي باسبابة واسانيده القانوينة  للقضية المعروض عليه أما عن طريقة كتابة المذكرات فهذا يرجع للخبرة و المعرفة و كثرة كتابة المذكرات .

 

 

من هنا نادي الأستاذ صابر عمار بمعهد المحاماة و جعله أساسا و ملزما للمحامين و لكن المحامين رفضت معهد المحاماه ألزاميا . فأنني مع الأستاذ صابر عمار و ليس ضده  و أعتذاري للأستاذ الكبير صابر عمار .  

 

والله ولي التوفيق و النجاح

 

Mhmuodradwan_lawyer@hotmail.com

Mhmuodradwan_lawyer@yahoo.com

محمود رضوان


 


  لؤي    عدد المشاركات   >>  138              التاريخ   >>  24/3/2007



كونى أنت لا غيرك
لا تقلدى
حاولى ان تجدى اسلوبا خاصا بك وحدك
ادرسى قضياك كما لو كنت تعيشين داخلها
تقمصى شخصية موكلك وحاولى ان تجدى الاسلوب المناسب للدفاع عن نفسك
واهم من ذلك كله كونى قانونية من الدرجة الاولى قبل ان تكونى محامية اى تشربى القانون
واياك وتقليد اسلوب غيرك , يمكنك الاستعانه به لدراسة نواقصه وتطويره
وكل هذا لن يتحقق بدون محاولة فحاولى

الدكتور لؤى ديب


  saberammar    عدد المشاركات   >>  27              التاريخ   >>  25/3/2007



الاخت عائشة

محاولة متواضعة- للمشاركة فى الاجابة ارفق بعض ما يقمد الى الزملاء بمعهد المحاماة فى مصر لعله يفيد

صابرعمار المحامى

  نقابة المحامين

 

  معهد المحاماة

 

 

   كتب التراث

 

      (1)

 

 

 

 

 

 

محيط المحاماة علما وعملا

 

 

 

 

 

                        تأليف                        ترجمة

 

                    جان ايلتون                  محمود عاصم

 

               عميد كلية حقوق ليون           المحامى بالنقض

 

 

 

 

                     راجعه                  لخصه وأعده للنشر

 

              المستشار محمد صدقي            صابرعمار

 

                                             المحامى بالنقض

 

 

 

                 

 

 

  

 

 

                          

 

 

 

 

2005 /2006

 

 

 

الطبعةالأولى للكتب صدرت عن دار مجلة دنيا القانون 1937

 

 

 

 

 

كلمة لازمه :

 

         هذا الكتاب00

 

          ساقتنى اليه الصدفة وحدها ، فأنا صاحب هواية لم أعرف متى بدأت ولا أعرف كيف ومتى ستنتهى ؟ الا وهى فرزالكتب القديمة المعروضة للبيع اذا ماصادفتنى أثناء السير ، وشراء  مايلزمنى منها خاصة مع جودة وندرة المعروض ، بالاضافة الى رخص سعره ، وقد كان هذا الكتاب " محيط المحاماة علما وعملا " واذكراننى سدت ثمنا له ـ منذ أكثر من عشرين عاما مضت ـ مالايزيد عن خمسين قرشا ، وقد قرأته أكثر من مره ، وقمت بتصويره عدد من النسخ وقدمتها هدية الى بعض الأصدقاء 0

 

      وحدث أن طلب منى الزميل والصديق ناصر أمين المحامى ومدير المركز العربى لأستقلال القضاء والمحاماة تقديم محاضرة لبعض المتدربين من المحامين الجدد  ينظمها فى المركز منذ أكثر من خمس سنوات فى المرافعة ، وحاولت جاهدا البحث عن مراجع فى الموضوع لاعداد المحاضرة ، فلم أجد غير هذا الكتاب عونا وسندا ، وقبيل المحاضرة بأيام قدم لى أحد معاونى هدية لم اتوقعها " قرص مرن " عليه نسخة كاملة من الكتاب منسوخة على الحاسب الآلى فقمت بطبعها وتوزيعها على المتدربين فى المحاضرة مع وعد باعادة قراءة الكتاب وتلخيصه وتصحيح الأخطاء الطباعية فى القرص ، ولم أستطع الوفاء بالوعد رغم مرور أكثر من خمس سنوات على الوعد لضيق الوقت ،وهأنذا أحاول بعد وعد جديد قطعته للزملاء بمعهد المحاماة الوفاء ولكن فى ظروف مختلفة أهمها اختفاء النسخة الأصلية من كتابى الذى أقدمه لكم اليوم، وانشغال أكثر  0

 

        كان حرصى ان أقدم تلخيصا أمينا وصادقا يحمل روح المؤلف والمترجم لهذا الكتاب العظيم رغم اختلاف الكثير من المفاهيم القانونية فى بلد المؤلف عن بلد المترجم واختلاف الزمن ، فقد نشر الكتاب عام 1937 عن دار مجلة القانون بالقاهرة ـ  رحم الله اياما كان نشرالعلم القانونى رسالة لا تجارة   ـ وجرت مياة فى النهر منذ ذلك التاريخ ، ومع ذلك يبقى للكتاب رونقة ، وتبدو له أهميته ، وهو مايجعلنا نؤكد على أهميه مناشدة جيل الأساتذة من الرواد فى عالم المحاماة فى مصر ووطننا العربىأن تشخذ الهمم وتقدم لنا من تجاربها وعلمها ما يعين الأجيال الجديدة على صعاب الطريق بعد أن عز التعليم فى الجامعة ، وعز التدريب فى المكاتب ، مع أعتراف بالقصور النقابى فى هذا المجال لأسباب بعضها مقبول وهو زيادة الأعداد والباقى لايمكن تفسيره الا بالقصور الذى نأمل تداركه ، فلم يعد لدينا من ثروات أعز وأغنى من الثروة البشرية وعلينا الاستثمار فيها 0

 

       وبهذا الجهد المتواضع نأمل أن نكون ممن يضيئون شمعة ، والله من وراء القصد 0

 

 

                                        صابرعمار    

 

                                     المحامى بالنقض

 

                               عضو مجلس نقابة المحامين

 

                                  مقرر معهد المحاماة

 

                       الأمين العام المساعدلاتحاد المحامين العرب  

 

 

                                  

 

 

                                      الفصل الأول

 

                                    مهنة المحاماة

 

 

  مهنة المحامي

 

تعريفها - موضوعها

 

 

 

 

تعريفها:

 

(1 )  تعددت تعاريف مهنة المحاماة غير أن غالبية من عرفوها لم يدخلوا في حسابهم ما اعترى عمل المحامي ووظيفته من تطور ذلك أنهم قصروا مهمته على الدفاع في القضايا المطروحة أمام القضاء.

 

وقد غاب عنهم الفتاوى والاستشارات والنصائح القانونية التي تطلب بعيدا عن مجال التقاضي ، وهذا فرع من فروع المهنة يزداد أهمية يوما بعد يوم0    

 

     ويعرف قاموس المجمع اللغوي الفرنسي المحامي بقوله : " انه هو الذي يقوم بمهمة الدفاع في الدعاوى أمام العدالة"  ويضيف " أنه المحامي المترافع الذي يكرس وقته للمرافعة أصلا وهو الذي يقدم رأيه ونصيحته كتابة في المسائل المتنازع عليها وحدها. ويسجل قاموس لترى تعريفا ليس دونه قصور، إذ يقول المحامى هو" الذي توجب عليه مهنته المرافعة أمام القضاء."

 

            أما التعريف الذي اقترحه مجلس نقابة محامي باريس ( سنة 1863) فهو يقول أن مهمة المحامي هي معاونة موكليه سواء بالتوجيه أو ازجاء النصح أو بالدفاع شفويا أو بالكتابة.

 

ان اللائحة الداخلية لنقابة المحامين في ليون (هي وحدها التي عرفت المهنة بالآتي:

 

     " ان وظائف المحامي تتضمن:

 

1 - ازجاء النصائح والاستشارات في كل المسائل القانونية.

 

2 - معاونة الخصوم وتمثيلهم أمام جميع جهات الاختصاص عدا ما نص عليه في القانون  ."

 

فلا شك أن هذا التعريف هو أقوم التعاريف التي ظهرت ومع ذلك فانه لم يبلغ حد الكمال .

 

ونقترح التعريف الآتي:

 

"    ان المحامي هو المقيد قانونا في جدول نقابة المحامين وهو الذي يزجي النصح ويعطي الاستشارة القانونية أو القضائية ويقوم بالدفاع أمام القضاء شفويا أو بالكتابة فيما يمس شرف المتاقضين وحرياتهم وحياتهم ومصالحهم،سواء المعاونة أو التمثيل إذا اقتضى الحال " .

 

 

 

      إن في هذا التعريف ما يوضح العديد من النقاط التي كثيرا ما تقصر عنها التعاريف المألوفة المتداولة.

 

ومحصلة ذلك:

 

أولا - أن المحامي في نظر القانون الفرنسي هو الذي يقيد في جدول النقابة.

 

ثانيا - ان عمل المحامي غير قاصر على الاستشارة والمرافعة في الدعوى بل     يتعدى الى ازجاء النصح وارشاد الأفراد والمصالح العمومية في كافة الأمور التي لها طابع قانوني.

 

ثالثا - وأخيرا كما أوضحنا فان المحامي يمثل موكله ويعاونه في غير الحالات التي يكون عمل وكيل الدعاوى واجبا.

 

 

(2)           طابع مهنة المحاماة وأغراضها :

 

 

أصدر الأستاذ دي كريسنيير نقيب محامي بروكسل الأسبق كتيبا رائعا أسماه " محادثات في فن وصناعة المحاماة والقواعد المهنية "  وقد أبرز في وضوح ، الطابع الخاص الذي تتميز به مهنة المحاماة.

 

       ونحن إذ نتناول ذلك بالبحث والإيضاح في السطور التالية فان الجانب الأكبر منها لا شك أنه من وحي هذا الكتيب المفيد الموجز.

 

          نشأ المحامون ليأدوا خدمة عامة وهم إذ يساهمون في توزيع شئون العدالة انما يقومون برسالتهم التي كانت سببا في وجودهم .

 

لقد أراد القانون أن يقدم للمتقاضين مستشارين يتشحون بأوسمة الشرف ويحوزون ثقة الموكلين ،  كما استهدف الى استنارة القضاة فيما يطرح عليهم من القضايا التي يعهد اليهم الفصل فيها بما يقدمه لهم متخصصون من توضيحات صادقة أمينة .

 

ولم ينشئ القانون طائفة المحامين إلا ليقوموا على حراسته وتطبيق نصوصه في أقوم صورة لإرساء قواعد العدالة على أسس متينة .

 

ولن يغيب عن أذهاننا ونحن نتناول بالبحث قواعد المهنة أنها قائمة على أساس الضرورة وتجاوب مقتضيات الخدمة العامة التي تستلزم هنا وجودها .

 

ومن ثم فاننا نستخلص النتائج الآتية:

 

1 -  ان قواعد المهنة لم توضح لمصلحة المحامين خاصة  ولا شك أن هؤلاء ، سيجدون في النهاية صدى ذلك فيما يعود عليهم من خير يصيبونه عن طريق النظم الصالحة التي يكون لها أحسن الأثر في نفوس المواطنين عامة كما يكون لها على  الأخص نفس الأثر في نفوس القائمين على تنفيذها.

 

2 -  ان مصلحة الموكلين الخاصة لا ترسم خطوط الواجبات المهنية وحدها بل تتعدى الى رعاية مصالح الخصوم الشرعية ولذلك فان قواعد المهنة تذكر المحامي في حزم أن يظل مستقلا في الرأي عن موكله ومن واجبه أن لا يكون أحيانا صدى لمقترحاته، كما يلتزم بتبادل المستندات وأوجه الدفاع مع خصمه الى غير ذلك.

 

     وعلى وجه الإجمال فاننا إذا أردنا أن نتفهم روح المهنة فانه يجب أن نذكر أن المحامي حين يمارس عمله إنما يكون ذلك في سبيل تحقيق مصحة عليا تتصل بالحق والعدل  .

 

إن حقوق المحامي وواجباته إنما وضعت من أجل توزيع عادل للخدمات العامة القضائية - أما واجباته فهي التزامات قانونية وقيامه بالدفاع عن المحتاجين أمام العدالة هو بمثابة الواجب الذي يلزم المواطنين عند الاقتضاء باضطلاعهم بوظيفة المحلف أو الوصي أو عند تلبية نداء الخدمة العسكرية.

 

أما عن حقوقه فانها أقرب ما تكون الى الوظائف والامتيازات المتصلة بالحقوق العامة منها الى الحقوق الخاصة البحتة ، فاذا كان المحامون قد توافروا وحدهم على الدفاع عن مصالح المتقاضين أمام المحاكم المدنية ومحاكم الاستئناف ، فذلك لأن القانون قد رأى أنهم دون غيرهم  ، أقدر على حمل أمانة الدفاع يعرضون وقائعها على القضاء عرضا واضحا، خالصا مما يشوبها.

 

 

(3)           القواعد المهنة والتقاليد والعادات..

 

 

 

إن القواعد المهنية، لتتجاوب تماما ومن الناحية العملية مع الأفكار التي ألمحنا اليها فقد وضعت بشكل يرفعها الى مرتبة الكمال ضمانا للقيام بالخدمة العامة التي يعهد بها الى المحامي. وهذه القواعد يستمدها من القانون أو اللوائح المكملة له أو نقلا عن التقاليد والعادات ، ولتلك القواعد خاصة عندما تتصل بمهنة المحاماة ، ذلك أنه ليس في القانون واللوائح متسع لاثبات النصوص التي ان هي احاطت بها فانها ستكون في تفاصيلها جد صارمة ، بحيث تحول بينها وبين ما تفرضه حاجات المجتمع التي تتغير تبعا لتغيير الظروف والملابسات في كل عصر هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فان رقة الحاشية والتزام حدود الشرف لمن قواعد الأساس في بناء صرح هذه الصناعة .

 

وانه ليترتب على تطبيقها تطبيقا صارما، تجنب التصرفات الخطيرة السيئة كما تحصن المحامي ضد عوامل الإغراء وهي قواعد لا يمكن تقنينها.

 

كما أنه يترتب ولا شك على قصر التمسك بالتقاليد وحدها أن يتسرب الجمود للمهنة ويحصرها في أوضاع غاية في البلى تحول دون القيام بشطر من الخدمات التي لم تنشأ المهنة إلا لها.

 

لذلك فان واجب القانون أن يتدخل لوضع القواعد التي من شأنها تصحيح بعض العادات القديمة إذا تخلف المحامون عن الاضطلاع بهذه المهمة إذ أن العادة والقانون واللوائح لتكمل بعضها بعضا.

 

لقد اعترف الأمر الصادر في 20 نوفمبر سنة 1822ـ فرنسا ـ في المادة الخامسة والأربعين منه بأهمية تأثير العادات في الحياة المهنية وجعلها في قوة القانون وهو يقصد بذلك العرف والعادات العامة السائدة في أوساط المحامين عموما لا تلك العادات الخاصة بالنقابات الفرعية فانها لا تصل الى حد الالزام.

 

وقد ألغي هذا النص بالمادة 48 من المرسوم الصادر في 20 يونيه سنة 1920 غير أنه لم يؤثر في العادات والتقاليد أو يضعف من أهميتها خاصة وقد نص في المادة 46 منه على أن نقابات المحامين هي التي تتولى وضع لوائحها الداخلية وتعديلها  في أي وقت تشاء.

 

كما أن المادة 48 من المرسوم المذكور تلزم النقابات بتعهد عاداتها بالجرد والتصفية حتى لا تحتفظ بغير المفيد وغير المشروع منها والذي يتنافى مع قواعد القانون والقيام بتعديلها إذا اقتضى الأمر ذلك ومرد هذا كله الى الفضل الذي تضفيه القوة الالزامية على اللائحة الداخلية.

 

ان العادات التي تختلف تماما مع نص القانون أو اللوائح المكملة له لا تكون لها قوة الالزام  ، اما العادات التي تتفق ونصوص القانون واللوائح وقد أوحت بها واجبات الكرامة والمصلحة العامة للمهنة فتكون لها قوة الالزام عندما تقرها اللائحة الداخلية وتثبتها.

 

كما يجب أن نذهب بعيدا عن ذلك فان المادة 16 من مرسوم 20 يونية سنة 1920 تلزم مجلس نقابة المحامين بالاحتفاظ بصفات الاعتدال والنزاهة والشرف الذي تستند اليها طائفة المحامين.

 

وهذه المبادئ لاتجد صدى واضحا إلا في العادات التي وان كانت لم تصل الى حد الالزام بقوة القانون ، فانها ترتفع الى مرتبة القضاء الحكمي الذي يجب أن يظل نبراسا للمحامين في سلوكهم وكذلك للهيئات التأديبية فيما تصدره من قرارات.

 

 

(4)           نقابة المحامين :  

 

 

           ان نقابة المحامين هي تلك الطائفة التي استقر أفرادها في دائرة قضائية معينة ولا تخلو جميع البلاد المتحضرة من المحامين أو رجال قانون يقومون بمثل ما يقوم به المحامون ولا يتمتع جميعهم بنظام النقابات التي تلتئم مجموعة منتظمة من رجال يتمتعون بسلطات ادارية وتأديبية وفي قيام هذه المنظمة فائدة جليه وخاصة في الحالات التي لا ينص القانون على انشائها ففي ميدان الحياة العملية متسع لقيام مثل هذه المنظمة كما هو الحال في الولايات المتحدة الأمريكية فمع قيام الهيئات الرسمية فيها فان منظمات قوية تجمع عديدا من المحامين لا يدخلون في نطاق المهنة الإجباري وإن كان يغلب عليهم طابع النقابات المهنية .

 

ويستهدف نظام نقابات المحامين تحقيق أغراض ثلاثة:

 

1 -  ضمان اختيار أحسن العناصر.

 

2 -  تطبيق نظام أكثر دقة بين المحامين الذين يمارسون المهنة.

 

3 -  تأمين كرامتهم واستقلالهم.

 

       وتحقق النقابات الغرض الأول حينما يبحث مجلس النقابة الطلبات التي تقدم اليه لقبولها أو رفضها تحت اشراف السلطة القضائية.

 

وتحقق الغرض الثاني بتنظيم فترة التمرين وممارسة المهنة خلالها.

 

كما توفر الغرض الثالث على الدفاع عن مصالح المهنة والامتيازات التي يقرها القانون لهم عن طريق نقابات المحامين والنقباء.

 

ومما هو جدير بالملاحظة بالنسبة لهذه الأغراض الثلاثة أن نقابات المحامين تعمل لخدمة المصلحة العامة التي يساهمون في ادارة شئونها ذلك أن من مصلحة العدالة أن يكون المحامي شريفا ،  له كرامته وأهليته ومقدرته ، ومن مصلحتها أيضا أن يكون المحامون مستقلين  فالمحامون لا يكونون بمنجاة من النزوات والمشادات التي يتعرضون لها نتيجة بعض الأخطاء الا في قيام نقابة حرة  لها شخصيتها واعتزازها بكرامتها ولها من الشجاعة ما يسمح بابداء رأيها كاملا في صراحة وقوة .

 

وقد أخذ البعض على نقابة المحامين أنها مؤسسة ارستقراطية لا مكان لها في هيئة ذات نظام ديمقراطي.

 

ولكن هذا النقد غير عادل اذ لا مشاحة في أن نقابة المحامين شأنها في ذلك شأن جميع المؤسسات التي تفخر بماضيها العريق - ليس في فرنسا وحدها - بل في جميع بلاد العالم تقريبا حين تنحو نحو التقاليد القديمة وتسير وفق نظم ديمقراطية بحتة.

 

    ويدير شئون النقابة رئيس ومجلس ينتخبان لمدة سنة واحدة أو سنتين بالأغلبية المطلقة ولا تسمح بتدوين ألقاب الشرف في جدولها ،  كما تعامل جميع أعضائها على قدم المساواة ، دون تفريق بينهم في الحقوق ، فلباسهم واحد ويتسم بالبساطة والاحتشام .

 

     وفي نهاية المطاف، فان النقابة لتفتح ابوابها أمام الجميع على شريطة أن يجمع اعضاؤها بين جامعي العلم والكرامة.

 

 

 

 

                                         واجبات عامة

 

 

أساس واجبات المحامي:

 

 

          ان اساس هذه الواجبات  هو العمل على حسن سير الخدمة العامة وفي سبيل خدمة العدالة.

 

         والمحاماة هي الاداة الحرة التي تساهم في تحقيق هذه الخدمة مساهمة فعالة.

 

         ان المحامي ليتجاوب مع مقتضيات الخدمة العامة عندما يطلب اليه ان يكون امينا شريفا ، بعيدا عن العمل على تحقيق مصالحه الذاتية ، متشبثا بكرامته ووقاره، ولو في غمار حياته الخاصة ، وكذلك عندما يطلب اليه ان يحتفظ باستقلاله كاملا نحو موكليه ، ونحو السلطات العامة والقضاة.

 

ويجب أن نذهب الى ابعد من ذلك فالمحاماة في فرنسا كما كانت في اليونان  وفي روما هي مدرسة الحياة العملية العامة، فمن العدالة اذن بل ومن الضروري ان يطالب المحامي في مستهل حياته العملية ، الاحاطة بكل الصفات التي يتعين ان يتحلى بها رجل الدولة.   وفي هذا يقول الفقيه الروماني كانتيلان ان الخطيب المفوه الذي يدعى الاحاطة بكل شيء علما يجب أولا وقبل كل شيء ان يكون محبا للخير، فليست البلاغة حسبه ، بل ما احوجه الى الصفات النفسية الكامنة المستقرة في الاعماق ولست مع القائلين بأن الاداب والحكمة لم يؤتها الا الفلاسفة وحدهم  ، بل اني اعلن على رؤوس الاشهاد ان الخطيب المفوه هو الرجل الذي تفيد منه الدولة بحق ، وهو القادر على ادارة الشئون العامة والخاصة وتولي وظائف الحكم بما يزجيه من نصائح لتشييد دعائم الدول على اساس صالح من القوانين بسن اللوائح اللازمة لذلك.

 

           لقد أدت القوانين واللوائح والعادات رسالتها في تجديد واجبات المحامين ها هو ذا نابليون يقول في ديباجة المرسوم الفرنسي  4/12/1810   " لقد اصدرنا امرنا باعادة جدول المحامين كوسيلة ناجعة في الابقاء على الأمانة ورقة الحاشية والتفاني في العمل والرغبة في التوفيق وعشق الحق والعدالة،  والتضحية الدافقة في خدمة المظلومين والضعفاء وهذه الصفات المجتمعة هي الدعامة الأولى في مزاولة اعمال المهنة".

 

تشير اللوائح العامة، الخاصة بممارسة المحاماة، بالاضافة الى المرسوم الفرنسي الصادر في  20 يونيه سنة 1920 الى انه يجب الابقاء على مباديء العدالة والتفاني في العمل والتحلي بالامانة، وهي التي يستند اليها المحامون في الاضطلاع باعباء المهنة وتحدد اليمين التي يؤديها المحامي ، واجباته نحو الدولة والقوانين واللوائح وقد رسمت المادة 311 من قانون الاجراءات الجنائية الفرنسي خطوط المهنة والطابع الأخلاقي فيها  فأوجبت على المحامي الامتناع عن كل ما يتنافى والضمير ، وأن يعبر عن الأفكار في اعتدال ووقار.

 

 وتجمع التقاليد معها على ضرورة قيام هذه الصفات في سبيل الخدمة العامة بما يوجب مراعاتها بكل دقة واتباعها اذا تعارضت مع القوانين واللوائح  0  

 

         ان الاعتدال صفة من صفات الكرامة وليس فيه قيد على حرية المحامي بل المقصود هو عدم التطرف في التصرفات وتجاوز الحدود فالمحامي وهو يدافع عن موكله يجب أن ينأى عن الاجراءات الكيدية ضد خصمه ، وأن يتحاشى تعقبه في غير هوادة أو رحمة ، وألا يثقل كاهله بالمصروفات الباهظة.

 

ويجب أن يحترم رأي الغير وشخصه مهما يكن الوقت الذي تنشب فيه المعركة بينه وبين الخصم وتكون فيها على اشدها.

 

ويجب أن لا يفرط في المطالبة باتعابه عندما يباشر مصالحه الخاصة ، وإذا أكره على ذلك قضائيا فلا يلجأ اليه الا عند الضرورة القصوى، ولو بعد الحصول على تصريح خاص من النقابة التابع لها.

 

وفي كل هذه الأمور على المحامي ان يحترم العادات ويحافظ على تقاليد المهنة ، ما لم يكن في ذلك مخالفة للقانون واللوائح ولم تولد هذه العادات الا لتحكم واجبات المحامي وترسى القواعد التي يجب عليه اتباعها

 

 

 الكرامة والاعتدال :

 

 

            يتعين على المحامي ان يقيم الدليل في كل وقت على مدى حرصه في الاحتفاظ بكرامته والاعتزاز بها ، سواسية في ذلك وهو يمارس عمله في المحاماة أو في حياته الخاصة.

 

وفي الواقع ونفس الأمر فانه عندما يطلب اليه تقدير الأمور ووزنها، ونقد أعمال الآخرين  فانه يقوم باعمال لا يستطيع القيام بها على مستوى عال ،  ما لم يكن على طول الخط، قد احيط بهاله من الاحترام . ومن ثم فان عليه أن يتفادى من التصرفات ما كان منها مريبا  حتى لا تنال من هذه الكرامة ويستشعر معها الضيق والحرج ، فضلا عما يصاب به في سمعته من جروح وتهوين لشأنه ، وبالتالي فعليه أن يمتنع عن التوقيع على الكمبيالات التجارية التي قد يتعرض معها للمحاكمة والسير ضده في اجراءات قد تحمل الناس على الاعتقاد بانه يقوم بعمليات لا تتفق وكرامة المهنة.

 

          كما يتعين عليه الا يتعرض لدعاوى شخصية فيها مساس بكرامته والا يعالج قضاياه ومعاملاته خارج مكتبه وبعيدا عن ساحة العدالةوأن  يبتعد عن اماكن اللهو والمنتديات ،  وعليه ان يكون حكيما في اتصاله بالناس ومعاشرتهم وان يتفادى اية فضيحة في حياته الخاصة.

 

ويفهم من ذلك ان نقابة المحامين يجب عليها ان تتجنب المساس التعسفي والنزول الى الاعماق في حياة المحامي الخاصة  ، غير انه من المحتم عليها عندما يتكشف لها انحراف المحامي الذي قد ينتهي الى فضيحة عامة، ان تتدخل وتنظر في الأمر لتوقيع الجزاء .. وقد نص مرسوم بقانون على انه يجب على نقابة المحامين فرض الرقابة التي يستلزمها الشرف والكرامة فلا يسمح اطلاقا بان يرتكب من الاعمال ما يتعارض ويتنافى مع كرامة المحامي. وعلى سبيل المثال فانه يمكن تقديم المحامي المنحرف الى المحاكمة التأديبية اذا حاول بأي طريق من طرق الغش والالتواء ان يتنصل من دعوى احد الدائنين او اذا كان قد اتهم باتهامات من شأنها ان تشينه او تؤدي الى فضيحته، أو إذا ما شاهده احد في موقف من المواقف المخجلة والمؤسفة معا، سواء كان ذلك في سكنه الخاص او في الطريق العامة كأن يكون في مشاجرة  في أحد المقاهي او الحانات العامة.

 

         والاعتدال في الواقع هو صنو للكرامة ان لم يكن شرطا لا تتوافر بدونه . ولا يقصد من ذلك تقييد حرية المحامي وانما يتطلب الأمر منه ان يكون معتدلا في انتهاج الطريقة التي يستعمل فيها حقه ، دون ان يسيء استعمالها. ولذلك فانه يتحتم عليه عند الدفاع عن مصالح موكليه ان يتجنب قدر جهده ، أي اجراء كيدي ضد خصمه ، وكذلك تلكم الاجراءات العنيفة التي تتعارض والانسانية الرحيمة، والتي تؤدي الى اثقال الكاهل بالمصروفات الباهظة ويجب عليه احترام غيره من الناس واحترام ارائهم اذا ما اشتد النقاش ، وحمى وطيس الكلام بينهم. وعندما يكون الأمر متعلقا بمصالح المحامي الشخصية  فيجب عليه عدم المغالاة في تقدير اتعابه ، وألا يشدد النكير ضد من يطالبهم بها، حتى لو كان ذلك في الحالات التي تأذن له فيها النقابة التابع لها المخاصمة. وفي جميع الحالات ومختلف اوجه الرأي  فانه يجب على المحامي احترام عادات وتقاليد المهنة ما دامت لا تتعارض مع القانون واللوائح فانها لم تنته الى ما انتهت اليه ، الا يقصد تحديد واجباته تفصيلا وهي التي تفرضها اداب المهنة وقواعدها على المحامين وعلى الرغم من ان القانون الذي منح العادات داخل النقابة قوة القانون ، ولم تلبث ان الغيب فان هذه العادات والتقاليد مازالت تحمل في طياتها طابع الالزام ، إذ انها لا تطبق الا القواعد القانونية التي ترتكز عليها وتستند اليها.

 

 

الأمانة:

 

 

ان كلمة الأمانة تجمع في معناها ومبناها واجبات المحامي كلها انها لا تعني الامانة المالية وحدها  ولكن تتجاوزها الى النزاهة وحسن القصد . وفي ذلك يقول دي كريسنيير: ان المحامي الذي تقوم وظيفته على خدمة العدالة ، لا يستطيع ان يعمل على تضليلها.

 

 فمن الواجب الا يشير على موكله بعمل يشوبه الغش ولأن يؤكد له شيئا او ينفيه وهو غير عالم بصحته. وفي المرافعة يجب الا يشير الى آراء مشوهة، نقلا عن بعض المراجع بما يفهم منه عكس ما يرمي اليه ، ولا أن يحجز تحت يده مستندا لا يحق له حجزه.

 

ان واجب المحامي قاصر على تقديم بيانات تتسم بالصحة ، حتى لا تتأثر الثقة المتبادلة بين القضاة والمحامين ، وهي لا بد منها لممارسة المهنة من فوق ربوة عالية0

 

ويصدر قرارا بتوجيه اللوم لمحام قدم للقاضي بيانات غير صحيحة في رعونة وعدم احتياط .

 

        على المحامي ان يستعمل الحرية الممنوحة له في سبيل نصرة الحق وان لا يتحدث عن شيء، لا يكون واثقا من صحته، انه الواجب الذي يملي عليه ذلك ، وسمعته التي يضعها في كفتي ميزان.

 

ولهذا السبب ايضا فعلى المحامي ان يمتنع عن عمل أي شيء من شأنه تعويق امور العدالة  في القبض على متهم او السماح له باتصالات ممنوعة قانونا. ويرتكب المحامي خطأ جسيما إذا سمح لنفسه ان يبلغ خطابات او تعليمات من سجين الى اسرته او شركائه، ان هذا الالتزام الملقى على عاتق المحامي في ان يقوم الحق امام العدالة، ينبثق من واجبه الذي يحتم عليه احترام سر المهنة.

 

 

 

  

 

 

        علاقة المحامي بزملائه

 

وعلاقة المحامي بمجلس النقابة:

 

 

           ان المهنة التي يصعب ان تحتفظ بجلالهاالذي اضفاه عليها بناتها من كبار المحامين الذين سبقونا في هذا الميدان بالتزام قواعد الأمانة والشرف، والتشبث بالتقاليد التي تستند الى الصالح العام في سبيل خدمة العدالة، لا مناص من خضوع كل محام لسلطة النقابة، التي يمثلها ومنحها حق محاكمة كل من يخرج على هذه التقاليد، وكل من تحدثه نفسه بارتكاب أي عمل يسوء الى سمعة المهنة وكرامتها.

 

لذلك كان احترام هذه السلطة واجبا على كل محام  ، فعليه ان يجيب النقيب الى طلبه في الرد على ما يستوضحه فيه، وإذا دعى للمثول امام مجلس التأديب فيتعين عليه ان يدلى بالحقيقة، وكذلك الحال اذا استدعاه المقرر او النقيب  ليشرح موقفه في أمر معين ، فان كل مداورة ومراوغة تكون خطأ مهنيا جسيما  وشأنها شأن الامتناع عن الاجابة .

 

ان المحامين ليفخرون باحاطة الشيوخ منهم لا سيما نقباءهم السابقين بسياج من الاحترام الخاص فيعتبرونهم ذوي سلطة ادبية مستمدة من تجاربهم الطويلة والوظائف التي تقلبوا فيها.

 

يجب على المحامي عند المرافعة امام محكمة غير التي يباشر امامها اعمال وظيفته عادة ان يقدم نفسه الى نقيبها الفرعي لكي يعبر عما يكنه له من احترام  وليضمن حمايته اذا ما استدعى الحال ذلك      .

 

 

فكرة عامة عن الزمالة:

 

 

          الزمالة يمكن تعريفها بانها الروح التي تحكم علاقة المحامين بعضهم ببعض وهي مستمدة من شعورهم بالتضامن المهني وبالواجبات التي توحي بها  والثقة المتبادلة التي تفرضها.

 

 

 

             ان كلمة الزمالة موجز لمعنى جميع الواجبات التي يتعين على المحامين عموما رعايتها فيما بينهم فهي التي تصون الكرامة واستقلال النقابة، وتستمد قوتها من الاعتدال والكياسة وتهيء للزمالة القيام بأعباء المهنة في بهجة يندر ان تتمتع بها باقي المهن الأخرى وهي تيسر العلاقات وتطيح بالصعوبات التي لولاها  لتعذر امر التغلب عليها كما انها اكبر عون للعدالة  لأنها تسم القضايا بطابع المرونة التي تقذف بالاحقاد والخصومة.

 

         والزمالة لا تصنع من المحامي رجلا شريفا فحسب، بل انها تصنع منه صديقا للمجتمع حميد السيرة ،  سامي الخلق.

 

        ان الزمالة كما قلنا تأسست قواعدها على التضامن المهني، ذلك لأن العدالة عمل جماعي فالمحامون خاصة يشتركون في المناقشات التي تديرها المحكمة بين الخصوم ، وهذا شرط العدالة الحقة والضمان الصادق على حسن توزيعها.

 

لذلك فان الخدمة العامة تحتاج الى حسن استعداد المحامين مجتمعين لحسن سير الأمور وعلى كل منهم ان يعد نفسه لبنة في صرح البناء وفردا داخلا في نطاق المجموع.

 

لاشك ان مهنة تتراوح بين النجاح الباهر والفشل الذريع احيانا، وتكاد تغرق في بحر لجى من الحقد والحسد لا يكون عجيبا ان تزور عواطف النبل فيها عن كهف الزمالة وتلك نتيجة طبيعية لجرثومة الضعف التي تنخر في عظام الجنس البشري .

 

ومع كل ذلك فانه يمكن القول بأن الأمثلة الصالحة التي ضربها اسلافنا ، والشعور السامي المتبادل بين اغلب زملائنا، ليخفف من حدة هذا الضرر وذلك الخطر.

 

 

التطبيقات الأصيلة لفكرة الزمالة:

 

 

1 ) التضامن المهني:

 

 

                  يجب على المحامين ان يتعاونوا في الذود عن كل ما يمس سمعة زملائهم ومصالحهم وكرامة طائفتهم .

 

وهكذا الحال مهما يكن من أمر ألا يدعو الموكلين يسددون طعناتهم الى ظهور زملائهم وإذا وقع أي حادث في الجلسة بين المحامين فانه يتعين على أقدم زميل أن يتدخل لحسم النزاع وتهدئة الخواطر، ويجب على النقيب مجردا من سلطته التأديبية، أن يوفق بين المحامي بما له من سلطة روحية ابوية  ، صونا للمبدأ والسير به الى النهاية، أن على المحامي ان يكف عن الزراية بزملائه ومن واجب المحامي الذي يحل محل زميله في عمل ، ألا يقبل هذه الحلول من الموكل  ما لم يتأكد من حصول زميله على أتعابه كاملة وقد أقرت جميع النقابات هذه القاعدة .

 

            ومن اللوائح الداخلية ما تذهب الى مدى ابعد فهي تفرض على المحامي ان يقدم النصيحة لزميله فيعرض عليه خدماته حتى تعود اليه ثقة الموكل  أن مثل هذا السلوك مشكور مبرور، ولكن من المشكوك فيه أن يلتزم المحامي حدوده.

 

 

 

 

 

 

 

2 ) المجاملة والترحيب:

 

       

 

             ان عدادا من اللوائح الداخلية قد اقرت بابا خاصا لهذا الموضوع لتوصي فيه المحامين بتبادل المجاملة التي بدونها يكون جهادهم ضربا من المحال.

 

             وقد قضى في هذا الصدد ان المحامي يخل بواجبات الزمالة عندما يسجل في صحيفة من الصحف اعمالا من شأنها احراج زملائه ، لا سيما اذا كان النشر عن هذه الأعمال التي قام بها المحامي بسبب أعمال مهنته.

 

ومن ثم فانه يجب على المحامي أن يحتفظ بكرامة زملائه، ويمتنع عن السخرية بهم تصريحا أو تلميحا وعليه ان يلتزم جانب الاعتدال عند مناقشة زميله، وان يتفادى الزامه المرافعة إذا كان مريضا او حال دون ذلك حائل ، ان لم يكن على استعداد سابق للمرافعة وان كان من الواجب ان يكون متأهبا فعليه مع ذلك أن يكون مجاملا، ما لم تتعارض مع ذلك مصالح موكليه.

 

وعلى شيوخ المحاماة الذين يكن لهم شباب المحامين كل احترام واجلال ، ان يسدوا لهم النصائح ويمدوا لهم يد المساعدة في كل أن وعليهم الا يجاوزوا حدود خبرتهم الواسعة ،  نحو من هم احدث منهم وان يردوا عنهم في الجلسات أي شر.

 

وعلى المحامي دائما ان يضع نصب عينيه أنه وزميله صنوان إذ هما يتشحان برداء المحاماة ومن هنا حرم على المحامين  قرن القاب الشرف، بكل ما يتصل باعمال المهنة.

 

       كما اننا نرى جهابذة المحامين يعاملون الشباب من زملائهم على قدم المساواة، ومن غير اللائق ان يشعر المحامي زميله ولو من طرف خفى ان فارقا في الثروة او المركز يفصل بينهما فلا يجوز ان ينظر الى زميله شزرا، لأنه ينتمى الى نقابة أقل من نقابته شأنا.

 

ان في ادنى النقابات شأنا في فرنسا محامين موهوبين بلغوا شأنا بعيدا من الناحيتين الثقافية والخلقية ، فلكل الحق في التمتع بالمجاملة الكاملة.

 

        تفرض اللوائح الداخلية على كل محام ان يعبر عن هذا الشعور حال مرافعته بعيدا عن دائرته ، وعندئذ فعليه في هذه الحالة ان يقوم بزيارة زميله المحامي عن خصمه.

 

ومن واجب اللياقة الا يتصل المحامى بخصم موكله مع ملاحظة ما يثار من الصعوبات عند اباحة بعض المحاكم حضور المتقاضين باشخاصهم.

 

 

لا يستطيع المحامون أن يؤدوا واجبهم على الوجه الأمل ، ما لم يسموا بطابع النزاهة التامة والثقة المتبادلة.

 

لذلك تحرك العادات واللوائح الداخلية ان يرددوا في الجلسات ما دار من مناقشات الصلح بين طرفي الخصوم. فالعهد الذي قطعه المحامي على نفسه يجعله مسئولا عن التمسك به في عناية واحترام.

 

 والمحامي الذي وعد الا يذيع مراسلة فيودعها ملف الدعوى يكون معرضا للجزاء التأديبي.

 

وعلى المحامين ان يتبادلوا المذكرات والمستندات في الوقت المناسب قبل الجلسة.

 

ويجب ان تقوم الثقة بين المحامين في تبادل المستندات دون حاجة الى أي اجراء آخر او ايصال، ولا ضمان لذلك سوى الصراحة والثقة المتبادلة بين الزملاء.

 

ان شرف المهنة  كل لا يتجزأ وأدلتها الرائعة على علو كعبها، وارتفاع مستوى الأخلاق بين صفوف القائمين بشونها يؤديه قيام الثقة بينهم في تبادل المستندات وعدم زعزتها إلا في القليل النادر من الحوادث.

 

ومن البديهي انه من قبيل الحذر والحيطة ما يفعله المحامي وهو يرقم مستنداته، ويحتفظ بصورة منها لتفادي الخطأ والنسيان الذي يقع فيه محامي خصمه،وليس في ذلك ما يجرح الزميل في شيء.

 

ويجوز تبادل جزء من مستند اذا رأى المحامي انه ليس في النية الاحتجاج به كاملا بل جزئيا ، وبذلك فانه لا يجوز للزميل ان ينتفع بالجزء الباقي منه كما ان له أن يرفض استلام جزء من المستند، ويطالب بالاطلاع عليه كاملا.

 

فالمحامي الذي يعرض عليه زميل له مستندا للاطلاع عليه ، لا يجوز له ان يتخلى عن ذلك ويجب الا يجري فيه أي تعديل.

 

ومهما يكن من أمر فانه يجب الا يسلمه لموكله ، كما يجب عليه ايضا ان لا يعيده.

 

 

                             المحاماة فن وصناعة

 

 

الناحية الفنية لصناعة المحاماة

 

 

1 ) اعتبارات عامة

 

 

              متى وكيف يستطيع المحامي ان يتلقى اصول المهنة ؟

 

 

تناول الكثيرون بالبحث هذه الصناعة ومازال كتاب الفقيه الروماني "كانتيلان"  أحد المراجع التي يرجع اليها في هذا الموضوع لما ينطوي عليه من نصائح ثمينة.

 

كما نشر "البيرت ليوفيل" في سنة  1880 كتابا شيقا عن عمل النقيب الأسبق "فيلكس ليوفيل" عنوانه "المحامي – نصائح من محام قديم الى المحامين تحت التمرين" ويحوي هذا الكتاب الكثير من الاستشارات والاعداد المهني ، وجاء من بعده دي كرنسنيير نقيب محامي بروكسل فعالج هذا الموضوع  وفي سنة 1921 اعاد طبعه تحت عنوان "محادثات عن صناعاة المحاماة والقواعد المهنية"  وقد انطوى على الكثير من النصائح النافعة في ترتيب واضح وطريقة مركز مجملة  فعندما يتخرج المحامي الناشيء في كلية الحقوق ، وتتلقفه قاعات الجلسات فانه يكون خالي الذهن عن كل ما يتصل بصناعته، وهو وان كان قد تلقى علوما بعيدة المدى ، تؤهله لحل المشكلة القانونية التي تعرض له ، الا انه يجد من العناء في فهم ما تنطوي عليه مستندات الدعوى ومسايرة تقاليد الجلسات ، والالمام بما يقدمه الموكل من شرح لتفاصيل دعواه، واتخاذ سبيل واضحة مفيدة في المرافعة.

 

وقال في هذا المعني النقيب "البرت سال"  في حفلة افتتاح مؤتمر محامي محكمة استئناف باريس في 3 ديسمبر سنة 1921 "ان فن المحاماة جد دقيق ولا يستطيع المحامي ان يملك زمامه بمجرد اداء اليمين ولكن لابد من الدراسة العميقة والمثابرة على البحث وتوافر الاستعداد الشخصي المطبوع."

 

        وهذا لا يكفي أبدا مهما يكن المحامي موهوبا كما أنه لا يغني عن التفقه في القانون شيئا. إن اجازة الحقوق ان دلت على شيء فلا تدل الا على ان حاملها قد الم بالقوانين واطلع على خلاصة الآراء في العقود والالتزامات بوجه عام وتأهل في طريقة البحث القانوني وهذا هو جماع ما عسى أن يكون قد احاط به على وجه الاجمال غير ان المحامي الناشيء  لا يعرف مدى الفرق بين الانذاروصحيفة الدعوى وتراه يتعرف لماما على ما ينطوي عليه الحكم، ويكاد يتيه في ثنايا وقائعه ويقصر عن تفهم حقيقة منطوقه.

 

           فواجب المحامي الناشيء اذن ان يقف على قواعد المهنة وعاداتها اما عن طريق المراجع و/او الاجتماعات والمحاضرات التي تنظمها النقابات واما عن  طريق المحادثات وتبادل الاراء القانونية مع قدامى المحامين.

 

          علمتنا التجارب ان المناقشات القانونية وتقليب وجوه الرأي المختلفة بين كبار الزملاء والاساتذة من أهم العناصر في تكوين أفق المحامي في حياته العلمية والعملية لأنها تنتهي بتحصيل خلاصة الأفكار الناضجة من مصادرها الصحيحة وقد سئل رجل نبغ فجأة " أنى لك هذا العلم " فقال: لسان سئول وقلب عقول".  وليس هذا كله هو المعين الذي يستقى منه المحامي تجاربه العملية بل ان درايته ومدى تكوينه الشخصي يتطور ويقفز في سرعة بالغة تبعا للظروف والملابسات.

 

       وكثيرا ما يطول المطال وتظل بعض الهنات عالقة به بسبب قصوره في النهل من مناهل المهنة في انتظام وأناه يعصمانه من الوقوع في الزلل .

 

ان الغرض من افراد باب لهذا الموضوع هو ارشاد المحامين الناشئين إلى مجموعة من القواعد التي تمهد لهم الطريق في مستهل حياتهم العملية .

 

ولا شك ان من يعتمد على الاحاطة بهذا القواعد وحدها لن يفيد من ناحيتي الاستشارة والمرافعة، شأنه في ذلك شأن من يطالع كتابا في السباحة ، ولا يتزود بالنصائح العملية التي هي ثمرة لخبرة طويلة .

 

نعم انها تنير السبيل للمحامي الذي يعمل على تفهمها ومعرفة كنهها وهو عندما يمضي فترة التمرين تحت اشراف ممن تقدموه وضربوا في هذا المضمار بسهم وافر فانه سوف يتفادى ما يوجه اليه من اسباب النقد ويصلح ما وقع فيه من أخطاء مستعينا بتجارب زملائه القدامى.

 

   وبذلك فانه يصل بخطى سريعة الى احتراف مهنته بحالة صالحة مفيدة.

 

 

وسائل النجاح في ميدان المحاماة:

 

 

            يذهب الكثير من الناس الى أن النبوغ الفطري والمواهب الطبيعية هي السر الوحيد في النجاح الكامل للمحامي. مع انه حق على الاقلية القليلة في الأزمنة السالفة حين كان فن المحاماة مركزا كله في الخطابة وجسن الالقاء. ولقد كتب الفقيه الروماني"كانتليان" في هذا الشأن فقال: " ان مباديء الفن وتعاليمه جميعها تقف دون الوصول بالمحامي الى أعلى درجات التفوق ما لم تكن الطبيعة قد حبته وحابته ولن يفيد كتابي هذا محاميا غير موهوب ولن يزيد امره على مؤلف في زراعة الحقول للاستفادة منه في تطبيقها على اصلاح الأراضي البور".

 

اما اليوم فان فصاحة اللسان، ودقة البيان لم تعد كما بينا في الماضي من لزوميات النجاح وذلك على الرغم من أهميتها البالغة في المرافعة امام المحاكم الجنائية وكذلك الحال في المواد المدنية ، فان له تقديره على نحو لا ينال من سلامة الموضوع.

 

وبالجملة فان أهميته محدودة كاحدى العوامل الطبيعية فيه ومن ناحية اخرى، فان صناعة المحاماة تتطور نحو ميدان الاستشارة التي تتطرق الى شتى الاعمال ولا تقف دائما عند معالجة القضايا وحدها، ومن جهة ثانية فان المذكرات التحريرية تكاد تطغى بأهميتها على المرافعة في الدعوى، وهكذا الحال امام النيابات الادارية، ولدى الخبرات وعديد من المحاكم التجارية، والهيئات القضائية الفرنسية.

 

ويجوز دائما بصرف النظر عن المواهب الطبيعية ان يتعرف المحامي القواعد التي تعاونه على عرض الموضوع في وضوح وايجاز.

 

وتتركز الصفات اللازمة للنجاح فيما يلي:

 

 

1- الثقافة العامة

 

2 – تعشق المهنة

 

3 – تذوق العمل

 

4 – المثابرة

 

 

       وماعدا ذلك فهو ثانوي ولا يضير المحامي ان يكون خفيف الظل ورقيق الحاشية فيكسب من الاصدقاء من يكسب ويحتفظ بهم وأن يكون سليم البنية قوي الذاكرة.

 

 

الصفة الاولى : الثقافة العامة:

 

 

              يعيش المحامي في مجتمع متشابك يفيض بالشهوات ويعج بالصراع فلابد له من دراسة الجو الذي يعيش فيه وأن يقف على حقيقة هذه الشهوات واسبابها وآثارها.

 

           وإذا اراد المحامي ان يكون مستشارا ناجحا  فعليه معرفة السبيل الذي يرتفع به عن مستوى الدعوى التي يباشرها، وأن ينظر اليها كقاضيا قبل أن يترافع فيها محاميا ، ومن ثم فان عصب هذه الصناعة ان يكون المحامي في مجموعه موسوعة في الأدب والفلسفة والتاريخ لأنها من لوازم النضوح العقلي واتساع الافق في المعلومات العامةالتي لابد منها لممارسة هذه الصناعة، فهي عون له ليكون عذب الحديث سلس العبارة في الكتابة، رفيع المستوى الأدبي في اللغة فيأسر بها القاضي.

 

         وهذه العلوم –قبل كل شيء- كفيلة بفتح أبواب عقله وقلبه فتهديه الى سواء السبيل .

 

ان المحامي يكسب في عمله على مدى الأيام  وتزوده بهذه الأسلحة لا يؤدي به الى الاضطراب أمام أي تشريع حديث أو أمام أية حالة من نوع غير مألوف.

 

ان المحامي المجرد من المعلومات العامة لايستطيع اجتياز الصعوبات العادية في سرعة ودقه نظر الى الأموروذلك بسبب توالي الحوادث المماثلة ، غير انه يصبح عاجزا عن مواجهة أي نوع جديد من المشاكل. ولاشك فانه سيرتكب في هذا المضمار أخطاء جسيمة.

 

ومن اجل ذلك فان على المحامي أن يجمع الى معلوماته العامة دراية تامة بالقانون.

 

           قد يزل المحامي احيانا في الجلسة فيعلن عن جهله بالقوانين حين يقول انه يترك الأمر للعدالة، وهذا خطأ فاضح يدل على الجهل المطبق إذ الاحاطة بالقانون من الزم واجبات المحامي ، لأنه بعد الفراغ من دراسته الجامعية، يجب ان يلم بجميع المسائل القانونية للتمكن من تطبيق المباديء التي استوعبها على وقائع الدعوى لأن كثيرا من الصعوبات التي تبدو في محيطها منيعة الجانب يكون التغلب عليها امرا ميسورا وبذلك فانه يتفادي عوامل التردد ويتحصن ضد اسباب الفشل وكثيرا ما استطاع محام هذا شأنه أن ينتزع من ثنايا الوقائع حقيقة غير ظاهرة وهذا هو الحجر الأول في بناء مجد المحامي .

 

           ومن ناحية أخرى، فان الثقافة العامة هي احدى اللزوميات التي يستطيع معها المحامي ان يرتفع الى المستوى العالي الذي تميز به اسلافنا، وبدونها تتصدع جوانب المهنة على ما فيها من نبل وكرامة ، تكاد تهوى بها الى الحضيض.

 

فالمحامي وهو يتصل بموكله في صراع دائم في سبيل مصلحته قد يدب في قلبه الجشع القاتل ، فينجو المحامي بنفسه مستعينا بهذه الثقافة على تلطيف الجو الخانق  الذي تدفعه اليه اجراءات التقاضي فيحيط به الشك، وينظر اليه من مواطيء الاقدام.

 

ان تعشق العلم والفن والاعتصام بأسباب الخير لمنجاة للمحامي من أشد عوامل الاغراء التي تقف الى جانبه وتحميه من الانحراف وتضمن له حياة تفيض بالاخلاق الكريمة 0

 

ونثبت فيما يلي النصيحة التي زود بها النقيب "البرت سال" للمحامين تحت التمرين في خطابه لهم يوم 3/12/1921

 

"عليكم ان تستخدموا مواهبكم وميولكم في أوقات فراغكم فارسموا وانحتوا والفوا واقرضوا الشعر ، ولكني استحلفكم ان تنفضوا عن جبينكم خلال ساعة كل يوم غبار الملفات وتستنشقوا هواء لا يعكره غبار الجلسات.

 

       إن هذه الرياضة لتتسع بها أفكاركم وتسموا بها عقولكم وتنشرح لها صدوركم باقبالكم على مطالعة موسوعات داللوز.

 

وإذا رغبتم في ان يكتب لنا النصر امام القضاء فلا يغيب عنا انه حليف المحبة والجمال ولابد من ان تصلوا دون عناء الى المثل الأعلى للانسان الذي يجد الرجل الشريف في الاهتداء اليه إذا دأبتم على حب الخير، وتعشق الجمال والتزام جانب الحق. وان اعتصامكم باسباب الشرف والنزاهة ليخلق منكم محامين صالحين".

 

 

الصفة الثانية – عشق المهنة:

 

 

        جاء في الخطاب الذي اعدة داجيزو لأول مرة بمناسبة انعقاد جمعيات المحاكم والتي كانت تعقد جلساتها كل يوم اربعاء من كل اسبوع لمناقشة بعض المسائل القانوني  " ان من اجل الصفات واخطرها عشق المهنة  ، وليس أسعد للمرء من أن يرى الحياة التي يحياها هي اقصى ما يمتمناه ".

 

فان كان المحامي لا يحب عمله حبا جما فلن يعمد الى المثابرة التي يتوقف عليها نجاحه وهي الدعامة الكبرى للنجاح فتخبو تارة وتهون كرامة المهنة ومن هانت عليه هذه الكرامة كانت على الناس أهون ، وهي صدى لما تضفيه من وقار في حياته فيتزعزع ايمانه، ويتقوض أمله وبنيانه على تلكم الصخرة العاتية بسبب ما يصادفه من حظ عاثر ،  وأمل ضائع في حياته العملية.

 

ان صناعة المحاماة لجديرة بالحب وهي دون غيرها تتيح لمن يحمل امانتها أن يقوم بأجل الخدمات فكم من الناس من يدين للمحامين بثروته وشرفه وسمعته وحياته وليس له من سلاح في سبيل ذلك إلا قلمه ولسانه وهو يحمل بين جنبيه أجمل العواطف وأنبلها.

 

 وقد بينا فيما تقدم أنه في سبيل قيام المحامي بواجبه يتعين أن يكون موسوعة في الثقافة جامعة، ولا يله من دوام التحصيل ولا يغيب عن الذهن أن ما تتميز به صناعة المحاماة هو انتفاعها بكل ما هو جميل فلابد لنا اذن من أن نضع فن المحاماة فوق الفنون جميعا وأن تأخذ مكانها اللائق بها من الاحترام وأن تكون مثلا أعلى في الحياة العملية.

 

ان المحامي الذي لا يعتنق هذه المباديء ويعتز بها يفقد الكثير من شعور الارتياح والاقبال اللذين تضفيهما المهنة على صاحبها فهو إذا لم يتفان في خدمتها ويقبل عليها حتى الاعماق فانه يترك نفسه نهبا لأسوأ العادات الخطيرة التي تهدد المهنة في صميمها، وهو إذا أعوزه الاخلاص والصراحة الى درجة التآمر مع الموكلين على الاطاحة بالحقوق الثابتة للفوزبكسب دعوى خاسرة، عن طريق التحايل والغش والكذب والمكر والخداع فانه بذلك لا يعشق المهنة، ولا يكن لها أي احترام.

 

              ان مثل هذا المحامي، لن يضع مستقبله في كفتي ميزان بما يحيط به نفسه من سوء ظن زملائه وفقد ثقة القضاة به فحسب بل انه ليعصف بشعور السعادة والنبل الذي تضفيه المهنة على ذويها بل يطيح بحسن التقدير والاعتبار ويطيح بتحقيق الوية النصر احيانا الذي لابد وان يكون جزاء وفاقا لذوي الضمائر الحية ومن يرفعون علم المهنة عاليا ويعملون في تفان واخلاص.

 

                        ان عشق المهنة واحترامها هما العاملان الكبيران، اللذان يبثان في صدر المحامي  الثقة بنفسه ودقة النظر في الأمور والقطع فيها بحزم وعزم شديدين ويبعثان فيه الحرارة المتقدة والحمية المتأججة التي تكتب له النجاح.

 

ان المهنة لتمنح من يعشقونها رضاء النفس، وراحة الضمير، ولا يلبثون طويلا، حتى يشعروا أنهم فوق هامات البشر.

 

مامن شك في أن المحامي، لا يجوز له أن يعتقد انه سيصيب من مهنته ثراء واسعا، غير ان من تحبوه الطبيقة بمواهب خاصة، ويحنو على مهنته بعمله ومثابرته، فانه لابد واصل في كفاحه الى طريق الاستقلال المنشود في حياته.

 

 

لقد جاء في كتاب فيلكس ليوفيل  المحامي ص 16  وما بعدها:

 

ان اسباب الارتياح المهني ثلاثة: الاغتباط باجراء الصلح، والمرافعة، وكسب الدعوى. ونضيف اليها رابعا، وهو تتويج عمله بالنجاح في مهنته، ذلك انه لا توجد سعادة احق واسمى من ان يرى المحامي نفسه، يتمتع رويدا رويدابثقة الموكلين، ورجال الأعمال الذين يزخر بزيارتهم، ويفيض بملفات قضاياهم مكتبه، بفضل جهوده وعنايته الدائمة.

 

ولا غرو ، فان المهنة لا يخلو طريقها من اشواك ، فلا يجوز ان نسير فيه، ونحن حفاة الاقدام، فندمي. ولابد ان نصل الى طريق النجاح، ولكن في خطى متئدة محققة وكثير من المحامين ينفذ صبرهم عندما يطول بهم انتظار اسباب النجاح، او عندما يبدأون يرون حظهم منه اصبح بعيد المنال، فيفقدون اعصابهم وتجمد قرائحه، ولا علاج لذلك كله الا بالعمل المتواصل، مهما بعدت الشقة، وغلا الثمن.

 

وإذا تعذر على المحامي، ان يجد عملا، فامامه الطريق الى لجنة المساعدة القضائية حيث الفرصة سانحة. وان اعوزته القضايا، فلن تفوته لجنة انتداب المحامين عن المتهمين. وانها لرياضة فكرية لازمة، ان يدلى المحامي بدلوه بين الدلاء، فاذا كان من عشاق الكتابة، فعليه ان ينشر ابحاثه القانونية، ويسهم في المؤلفات العلمية، وهناك مثل حي على ذلك، فقد أمضى المحامي الكبير فرناند لابوري وقتا طويلا في تدبيج امثال هذه المقالات، لتحقيق اسباب النجاح، الذي كان دافقا وعظيما.

 

ومن ناحية اخرى، فان المحامي كثيرا ما يفقد صوابه، بنكران بعض موكليه لجميله، ولكن الذي يعمل في سبيل خدمة المهنة وحدها، سرعان ما يجد العزاء، وحسن الجزاء.

 

وأخيرا وليس آخرا، فان البعض من رقيقي الشعور من المحامين، لا تقوى اعصابهم على الثبات والاحتمال، فيثورون على الباطل اذا انتصر على الحق، وقد تصارع المحامي الأمين عوامل الغش والتحايل، وسوء نية الخصوم وتهاون الشهود، وفي بعض الأحيان تحيز القضاة، وفي الغالب الأعم عدم درايتهم، فيصرع غيله وغدرا، ويخسر دعواه ظلما، وهذا مما يحز في نفسه، ويزيد في إيلامه ولتخفيف وقع ذلك في نفسه، يجب مراعاة الآتي:

 

1 – كثيرا ما يعتقد المحامي، ان القضية في وضع أقوى مما تكون عليه في الواقع، فسرعان ما يحكم بنجاحها، دون تقدير لجميع عناصرها، وهو مدفوع الى كل ذلك بالمصلحة والحماس في اعداد الدعوى، فاذا ما صدر الحكم على خلاف ما كان ينتظر ، اعتقد انه مجانب للصواب.

 

2 – إذا ثبت المحامي على اعتقاده بأن قضيته عادلة فصدر الحكم على خلاف القانون فعليه الا ييأس فان في ميدان الطعن متسعا له الى غير ذلك من اتخاذ وسائل اخرى تخفف من وطاة هذه الأحكام ،  ومن واجب المحامي ان يرشد موكله اليها في كثير من الحرص مع تفادى ظهوره بمظهر المتحدى للقانون وأحكام القضاء.

 

3 – وفي نهاية المطاف فلن يشعر المحامي كثيرا بوطأة الفشل إذا استطاع أن يطمئن الى أنه لم يفعل شيئا يضر بمصالح موكله فيستريح ضميره بما يكون له بلسم العزاء وليس اشد من عذاب الضمير عقابا للمحامي المتراخي أما الأمين فلن يجد اليأس والملل سبيلا الى قلبه لأن حكم الضمير أول شاهد على ما قام به من عمل كريم.

 

وبالجملة فان عشق المهنة سند للمحامي في صراعه يشيع الجمال في نفسه ويزيد في سعادته عندما ينعقد له لواء النصر ويخفف من حدة الالم إذا ما اصابه الفشل .

 

 

 

 

 

 

الصفة الثالثة – حب العمل :

 

 

لا سبيل الى نجاح المحامي بغير المثابرة على العمل حتى اللحظة التي يخلد فيها الى الراحة، وقد جاء في كتاب "لاروشي فلافيان" ان المحامي وهو يقوم بعمله يبرأ من مرض قد يقع فريسة له وهو الكسل وإذا كانت البركة في البكور، فان من لزوميات عمل المحامي النهوض مبكرا لاستئناف عمله في الصباح ".

 

وكتب لوازيل" عن مهنة المحاماة فقال" انها تتطلب التفرغ التام للقيام بالعمل

 

ويقدر فلكس ليوفيل عمل المحامي اليومي بعشر ساعات على الأقل. أما كيف يستطيع المحامي أن ينظم وقته فأمر ذلك موكول لظروفه الخاصة ، كما يتوقف على العادات المرعية في كل بلد وعلى ساعات انعقاد الجلسات وعلى ما اذا كان المحامي يعمل مستقلا او كان يعاونه زملاء آخرون ، أو يعمل بالاشتراك مع احد قدامى المحامين. فاذا فرض ان المحامي يقوم بالعمل وحده أو مع شريك له في بلد تنعقد فيه الجلسات ، بين الثانية عشرة الى الثانية بعد الظهر فعلى المحامي في هذه الحالة أن ينهض مبكرا حتى يكون في مكتبه ، في ميعاد لا يتجاوز الثامنة صباحا فيراجع المراسلات التي تصله ويطلع على المفكرة التي يعدها يوما بعد يوم فتذكره بكل ما يتعلق بعمله اليومي ويملي أو يكتب بنفسه رده على الرسائل التي قد تصله وتكون في حاجة الى رد سريع وما عدا ذلك فمن الجائز تأجيله الى ما بعد الظهيرة على أن يقوم بذلك قبل البدء في استقبال موكيله.   وتحفظ الرسائل التي لم يتم الاجابة عليها في ملف خاص على أن يطلع على هذا الملف من وقت الى آخر، حتى لا ينسى شيئا مما احتواه.

 

وإذا كان يعاونه بعض الزملاء أو الكتبة فانه يعين لكل منهم عمله اليومي وإذا انتهى من ذلك  فعليه أن يختلي في مكتبه ساعتين أو ثلاث، قبل ان يغادره الى المحكمة ليكون على أهبة الاستعداد في عمله وحبذا لو أنه أغلق باب مكتبه وامتنع عن الاتصال التليفوني لأن هذه الفترة اثمن الفترات وأعظمها نفعا.

 

وبعد أن يتناول غذاء خفيفا عليه أن يخلد الى الراحة التامة لفترة وجيزة ثم يتجه الى المحكمة ويسعى قدر جهده ، يحضر قضاياه ، فيقوم بواجب المرافعة فيها كلما اقتضى الأمر ذلك وإلا فانه يقضي ساعة أو ساعتين للفراغ من أعماله الإدارية أو القضائية أو دراسة ملفات التحقيق وفي البحث عن المراجع القانونية في المكتبة وفي كافة الأعمال الأخرى التي عليه أن يؤديها في المدينة ، وعليه أن يكون في مكتبه بين الساعة الرابعة والخامسة بعد الظهر  فيقوم بتوقيع الأوراق اللازمة والتي يكون قد أعدها ، ثم يبدأ باستقبال موكليه، وبعد الانتهاء من زيارتهم يقوم بتحرير الرسائل الواجب عليه ان يحررها، ويرتب اعماله واوراقه ويعيد النظر في برنامجه اليومي الذي رسمه لنفسه ليستدرك ما فاته وينجزه، وعليه بعد تناول طعام العشاء أن يتفرغ للمطالعة أن لم يكن لديه ما يدعو للانصراف، لأن هذه الفترة من انسب الفترات التي يتمكن فيها من الاطلاع على التشريعات الحديثة وأحكام القضاء ، وعليه أن يراجع الصحف والمجلات القضائية ، ويطلع على أحدث مجموعات الأحكام ليفيد منها في أبحاثه التي يعالجها في قضاياه، والتي تكون سندا قويا له في المرافعة.

 

          أن بعض المحامين يدرسون قضاياهم في المساء والبعض الآخر يقضي الليل في هذه الدراسة منتهزين فرصة هدوء الليل وسكونه لا يعكر صفوهم معكر، ولا ينغص عليها منغص ، وهي عادة لا غبار عليها بشرط ان لا يكون في ذلك ما يثير الأعصاب ، ويوقع الاضطراب في هدأة الليل ، حتى يأوى الى الفراش لأن العمل ينتظره في الصباح ، وهو أجدى في الغالب من العمل ليلا.

 

 

الناحية الصحية في عمل المحامي يتطلب عمل المحامي المستمر المضنى اتباع النصائح الاتية :

 

 

1 – القيام بالرياضة البدنية المنتظمة المعتدلة والمستمرة ، كالانتقال من المكتب الى المحكمة وبالعكس على الاقدام والتنزه، واجراء التمرينات الرياضية في الهواء الطلق وخاصة في أيام العطلات ، وقضاء نحو ربع ساعة يوميا في تمرينات رياضية، وتناول الحمام في الصباح مصحوبا بالتدليك ، وكل ذلك على جانب عظيم من الاهمية والفائدة ، مضافا الى ذلك الانتفاع بالعطلة القضائية، وقضاؤها في الصيد والتجديف وتسلق الجبال وما شاكل ذلك.

 

2 – الحصول على غذاء صحي دون افراط او تفريط في مقادير اللحوم والتوابل ، والتخفيف او الامتناع عن تعاطي الخمور، وكل ما من شأنه تنبيه الأعصاب ، كالدخان والقهوة والشاي.

 

3 – على المحامي ان لا يفرط في السهر واللعب وحضور الحفلات الصاخبة .   مع عدم المغالة في أي نوع كان لأن فيه تعويقا لدراسة المحامي لقضاياه ، وهو واجبه الأول في حمل أعباء الأمانة، فليس فينا من يجهل ما يفيض به عملنا اليومي من ارهاق ، فاذا ما ازدادت عوامل الاجهاد الأخرى ، تعرض كل شيء للضياع ، فالاعتدال في القيام بالأعمال هو أحد الضرورات التي توجبها حالتنا.

 

 

الصفة الرابعة- المواظبة :

 

 

                    انتهى الوقت الذي كان يستطيع فيه المحامي الانقطاع عن العمل او الخلود للراحة كيفما شاء ، فالقانون وهو يفتح المجال امامه دائما يزيد في اعبائه وواجباته . ان المحامي وهو يقوم باعباء عمله امام جميع الدوائر القضائيةعن الخصوم ومستشارهم الدائم ،  فلزما عليه ان يكون حاضرا بنفسه او بمعاونيه ، ويكون بقدر الامكان على أهبة الاستعداد دائما. وعليه الا يهمل في الاجابة على اية رسالة تصل اليه وان يذهب الى المحكمة ويحضر جميع الجلسات المطلوب منه حضورها ولو لم تكن من الأهمية بمكان ويجب ان يكون القضاة والموكلون والزملاء ورجال الأعمال على علم تام بالمكان الذي يباشر المحامي فيه عمله لامكان مقابلته لأنه ان لم يواظب على حضور الجلسات ، فسرعان ما يعرف عنه انه محام من اصحاب الأمزجة فيهجره الموكلون. وعليه الا يتغيب عن الحضور في الجلسة التي ستنظر فيهاقضيته ، وان تعذر ذلك عليه شخصيا فينيب عنه زميلا أو يبعث برسالة الى رئيس الدائرة ، كما يجب ان لا يطلب المحامى التأجيل بسبب وبغير سبب ، حتى لا يسيء القضاة به الظن ،  ولا يجوز له طلب التأجيل لأسباب غير صحيحة ، لأن ذلك يعد من قبيل الخطأ المهني ،  وكذلك لا يجوز له التشبه بالمحامين الذين  يتعللون بكثرة مشاغلهم ، وهم في الواقع على غير استعداد لمباشرة اية قضية ، ولا يرجع سبب تخلفهم الى كثرة العمل ، بل الى الفوضى او الاهمال ، وتخاذل الارادة وخور العزيمة، التي لا تؤدي بهم الى القيام  بالعمل بشكل مرض ، ولوحظ انه كما كان المحامي مكبا على عمله فانه يظل موظبا عليه جديرا بحمل امانته.

 

وعلى المحامي ان يحترم قدر هذه المواعيد التي يحددها لموكليه في مكتبه ، فاذا اضطر الى الغياب أو التأخير اليسير فعليه أن ينهي ذلك لمعاونيه أو خدمة لاخطار الموكلين بذلك لأن وقتهم ثمين كوقت المحامى فمن العبث اكراههم على الانتظار في غير طائل.

 

وعلى المحامي ان يكون دائم الاتصال بالتشريعات الحديثة واحكام القضاء , والا فانه يرتكب خطأ جسيما بتضييع وقته بين الأضابير، ما لم يكن على المام تام بها فور وصولها الى مكتبه.

 

ومن المستحسن ايضا ان يتبادل المحامي مع زميله المذكرات والمستندات وان يفعل ذلك في الوقت المناسب، مع احاطة موكله علما بيوم المرافعة كلما امكن ذلك وبعد الفراغ منها، ينبئه بما حصل فيها وينهى اليه بنتيجة الحكم، مع تقديم النصح بما يتبع حياله. وعلى وجه الإجمال فان على المحامي ان يشعر المحيطين به انه ممن يعتمد عليهم فهذه اولى الصفات التي تحمل الموكلين على الثقة به والتردد على مكتبه.

 

 

2 – اعداد وتنظيم مكتب المحامي

 

 

التكوين المهني بمعناه الصحيح:    

 

 

         يفترض فيمن يتخرج في كلية الحقوق ان يكون على المام ببعض نواحي القانون العلمية ولا يغرب على ذهنه كل ما يتصل بالدعاوى من الناحية العملية، ففي أي مكان يقف المحامي الناشئ على اسرارها العلمية ويحيط بها احاطة تامة لمعرفة ذلك معرفة كاملة يجب عليه ان يعمل في المكاتب الاتية: لدى موثق العقود ، وكيل الدعاوى ، سمسار العقود ، ورجال المال والصناعة ، وصانعو السفن ، وشركة التأمين ، وأية مصلحة عامة . ومن الطبيعي ان هذا محال فليبدأ اذن بالعمل في مكتب وكيل الدعاوى لمدى سنتين للاحاطة بالاجراءات والاعمال الكتابية المختلفة ، وقد يستطيع الطالب التوفر على جزء منه قبل التخرج في كلية الحقوق.

 

وعلى هذا النحو يتيعين على المحامي الناشيء الاحاطة الكافية بالاجراءات العملية فيستقبل الموكلين ويقف على الطريقة المثلى في اقامة الدعوى ومناقشة الخبير والحضور في التحقيق وتنفيذ الأحكام.

 

وإذا استطاع حضور المحاضرات العملية التي ينظمها عديد من كليات الحقوق فليتابعها ولابد  له من الاصغاء الى حديث قدامى المحامين ، وعدم التخلف عن حضور اجتماعات النقابة ومحاضرات المحامين تحت التمرين ، كلما وجد سبيلا الى ذلك.

 

وعندما تنتهي هذه المرحلة بالاعداد الكلي او الجزئي فعليه ان يعمل على الالتحاق بمكتب احد المحامين الذين يباشرون عدادا من القضايا ممن لهم شهرة واسعة واعتبار ملحوظ اذ ليس اغلى ولا اثمن من النصائح التي ينطق بها اولئك المحامون المجربون .

 

وقد لخص لوازيل هذه النصائح بقوله:

 

ان الذي ارغب في توافرالمحامي عليه حين يقوم بحمل امانة الدعم هو درايته في أن يتولى توجيه قضية ما اقيمت او سوف تقام ، وان يحرر صحيفة الدعوى في ايجاز وان يدبج صيغة الاعلان والطلب كما يكتب خطابا ويحرر التماس اعادة النظر الى غير ذلك من الأوراق ويحسن عمل الانذار والأعتراضات والمكاتيب الأخرى .

 

            وإذا دعى للمرافعة فليفحص جميع الظروف والملابسات في الدعوى ويكون على بينه منها وأن يكون كلامه مفهوما في عبارات مجملة لا ابهام فيها، وان تكون مرافعته قائمة على اسباب سليمة ومستندة الى ادلة صحيحة مستمدة من الواقع ومؤدية بأحكام القضاء وآراء الفقهاء مع تجردها من الغموض والجمود ، ولا مانع من ان يضفي على المرافعة شيئا من السحر والجمال ،  

 

  والمحامي هو يقوم بتمثيل الخصوم، يجب ان يباشر بنفسه مع الاجراءات وتحرير عرائض الدعاوى والمذكرات على ان يزداد نشاطه يوما بعد يوم في هذا السبيل ، فواجب المحامي اذن أن يشرف بنفسه على طريقة تحريرها، بهذه الطريقة يتعلم المحامي الناشئ كيف يعيش في عالم العرائض والمذكرات وملفات القضايا ويتعرف على الموكلين والوسط القضائي وهو امر لا غنى عنه. ومع توالي الحوادث فانه يستطبع ان يميز بين الغث والثمين من طوائف والموظفين العموميين والمصفين والخبراء ، فيعرف من منهم يسمو بأمانه وتجاربه ونشاطه وذكائه ، فيقبل عليهم مطمئنا ويدبر ممن هم دونهم ، وينأى بموكليه عنهم ، وقد يطلب ردهم في حرص وحذر.

 

          ان المحامي الذي يتعرض لهذا الاغراء يخون الأمانة التي حملها. ويجب ان لا تكون الاتعاب غايته وان كان تقاضيها مشروعا ، كما ان يكون ناصحا امينا ومصلحا لكل أطراف الخصوم ما استطاع لذلك سبيلا- وهذا جميل منه، والا فانه يعرض بمهنته ويهون من شأنها.

 

وبسبب ذلك ايضا فان عليه ان يتثقف  ويغترف من مناهل الأدب ، وان يتعشق الجمال منذ الصغر، ويعتصم بالخصال الحميدة، فيظهر كلامه وكتاباته فى ثوب انيق ، فيتأثر بما يكون قد اكتسبه من حب للجمال والخير معا ، ويخرج من عداد الناقهين الذين تدب فيهم عوامل الفشل.

 

 

 

 

التنظيم العملي لمكتب المحامي:

 

 

             يضطرب كثير من المحامين الناشئن إذا ما دعى الداعي الى تنظيم مكاتبهم ويقدم لهم بعض النصائح الثمينة في هذا الصدد لنوفر عليهم وقتا طويلا ونحول بينهم وبين الشطط.

 

 

1 -  المكتبة:

 

             ان اول ما يجب على المحامي العناية به هو مكتبته اللازمة لمهنته. فيجب ترتيبها بوضع قسم منها في مكتبه سهلة التناول وجزء آخر وهو كثير الاستعمال في مكتبه متحركة وفي متناول اليد ، اما القوانين المتداولة فتكون امامه فوق مكتبه، وتكون مجموعة من مجموعات القوانين دواما في حفظته، التي يحملها عندما يكون في المحكمة.

 

وإذا سمحت له مقدرته المالية فعليه ان يقتني المجموعات القانونية الكبيرة ، فهي عظيمة الفائدة ، والقوانين المعلق على موادها، وبذلك يكون قد اوفى على الغاية، فاذا قصرت امكانياته عن ذلك ، فيكتفى بمجموعة عملية وبالجداول مع الاشتراك مستقبلا في الأجزاء السنوية وكذلك مجموعة تنتقى بطريقة مماثلة.

 

ولكي يلم الناشئ بالحركة التشريعية  فانه يجب ان يشترك في مجموعة القوانين الحديثة التي يفيد منها خبرة بعيدة يوما بعد يوم، لا سيما اذا اكمل ذلك بالاشتراك في الجداول الدائمة للنصوص التشريعية وجداول احكام القضاء الدورية. وإذا رغب في أن يخصص جزءا من وقته في الأعمال الضريبية، وهي كثيرة وتزداد اهمية على مدى الأيام فمن المستحسن ان يحصل المحامي على مجموعة احكام مجلس الدولة .

 

واخيرا، فان عليه ان يقتني كلما سنحت له الفرصة كتب شراح القانون في كل فرع من فروعه  .

 

 

2 -  الموظفون:

 

 

             بعد ان يفرغ المحامي من تنظيم مكتبه عليه ان يعني بالموظفين الذين يعاونونه والأثاث الذي يؤسس به مكتبه.

 

ومن البديهي ان المحامي الناشيء لن يحتاج الى عدد كبير من المستخدمين فيكفيه الاستعانة بآنسة لاستقبال موكليه وترتيب زياراته، وبعد بضع سنوات فانه يكون بحاجة الى آنسة اخرى للعمل على امور الطباعة في سرعة واتقان، فيوفر على نفسه وقتا طويلا ومالا كثيرا ينفقه عند الاستعانة بكاتب خاص لها، وعن طريق آلة الكتابة يستطيع ان يتمتع بجميع الامتيازات التي شرعت لها من مزايا السرعة والوضوح والنظافة وسهولة الحصول على اكثر من نسخة واحدة.

 

وعلى المحامي أن يثتوثق من امانة الانسة التي يستخدمها في احتفاظهابالأسرار ، لأنه مما لا يجوز ان يغيب عن ذهنه ان الموكل يضع ثقته فيه وفيه وحده، فهو المسئول عمن يستخدمه وهو الأمين على اسرار هذا الموكل، فعليه أن يسعى جهده في حفظ اسراره، وامتناع عمال مكتبه عن ثرثرتهم، فيما يتصل باعماله. ومن المفيد ان تكون الكاتبة على دراية بالاختزال وفيوفر وقته في املاء رسائله ومذكراته. ومن البدهي عدم حضور الكاتبة مناقشات المحامي مع موكله ما لم يتطلب الأمر ذلك. وان يملي عليها ما يراه لازما بحضور الموكل واشرافه.

 

وليس ثمه ما يمنع اذا كان الكاتبة تعمل وقتا محدودا في مكتبه أن تؤدي عملها في غير الوقت الذي يستقبل فيه موكليه فيجب ان يخصص لها مكان قصي.

 

 

3 -  المعاونون:

 

 

             اذا تطلب الموقف معاونة زميل له دونه في السن كسكرتير يعاونه فعليه ان يستعلم عنه ثم يزوده بتعليمات دقيقة ، ولا يترك له حرية التصرف بنفسه ، ثم يبدأ باسناد بعض الاعمال اليه كمباشرة اقلام الكتاب وحضور التحقيق والجلسات عند المناداة على القضايا ثم يسند اليه طرفا من الملفات لدراستها، بعد ان يزوده بتعليمات عن طريقة التنظيم والادارة، ويحيطه علما بشتى مراحل الاجراءات ، ثم يطلب اليه تحرير مذكرة بخلاصة وقائع الدعوى، وابراز اهم النقاط فيها ، ثم يسند اليه دراسة ملف قضية جنائية ، وبعد ان يثتوثق ان زميله الشاب قد استطاع ان يقدم تلخيصا امينا للوقائع ، فانه يواصل احاطته بالجزء الدقيق الباقي لينهض بأعباء المهنة، ويتناول هذا الجزء استقبال الموكلين والبحث عن اسانيد الدعوى ثم يوقفه على طريقة الاطلاع على القوانين وأحكام القضاء، وتدوين مذكرة تحليلية بالأسانيد القانونية في احدى نقاط القضية ،  او عن الموضوع المطلوب ابداء الرأي فيه ، وبعد ذلك يحيط المحامي الكبير زميله باسرار المهنة، ويسند اليه حضور التحقيقات واستلام المذكرات خلال مرافعة الخصوم اذا تعذر عليه الحضور بنفسه، ويعهد اليه في النهاية بالقضية كلها، يباشرها ككل لا يتجزأ حتى النهاية ثم يستدعى الموكل ، بعد ان يعيد النظر فيما يعن له من اوجه النقص، كما يستطيع ان يسند اليه دورا معينا في قضية متشعبة النواحي او يفوضه في المرافعة في القضايا الواضحة، بقبول من الموكل بعد ان يثتوثق من انه أخذ للأمر أهبته.

 

لا شك ان المحامي الناشيء الذي يعاون زميله الكبير لعدة سنوات يحس بالرابطة التي تربطه بزميله، مما يبعث على تبادل اجمل الذكريات وابقائها على الزمن ذلك انه بالنسبة لغالبية المحامين الذين قضوا فترة تمرينهم في مكاتب بعض هؤلاء الزملاء  ، فانه لا يحتلون مركز الصداقة معهم فحسب بل يجدون انفسهم ضمن افراد الأسرة، ذلك ان المحامي الكبير بعد ان يوالي العناية بأمر زميله فانه يلازمه خلال حياته العملية المستقبل ، ويكون سندا له فيما يصادفه من عقبات ، ويمده بنفوذه ونصائحه ويستبشر لنجاحه. ويظل المحامي المعاون وقتا طويلا بعد انفصاله عن زميله الكبير، يواليه بالزيارات ويقوم مقامه في كثير من الأمور معبرا بذلك عن العرفان بالجميل وكثيرا ما يظل معاونو المحامي الذي يصبح في ذمة التاريخ  حافظين يده عندهم ، مشيدين بذكراه على الزمن الباقي من الزمن.

 

 

4 -  الأثاث ومسك الدفاتر الحسابية والمحفوظات:

 

 

انه لمن الصعوبة بمكان ان يستغني المحامي عن الة كاتبة وعن مسرة غيرمباشرة لكيلا يكون اسيرا لها بل يزودها بجهاز حائل بين الاتصال المباشر إذا ما رغب في الاعتزال  والاعتكاف وانها لفائدة جلى إذا استطاع ان يستخدم جهازين احدهما لاتصاله الخاص والثاني في مكتب معاونه ، حتى يتلقى محادثاته في الوقت الذي يختاره عندما يكون مسترسلا في التفكير او الكتابة دون ان يقلقه احد0

 

 كما يجب ان يحتفظ بدفتر يرقمه برقم مسلسل ويسجله حسب الترتيب التاريخى في سجل خاص ينقسم الى اقسام عمودية يدون فيها اسم الموكل وعنوانه واسم الخصم، وعنوانه، وموضوع الدعوى ، وقيمة الاتعاب ، التي يكون قد تسلمها، وبيان الجهات التي تحفظ فيها المستندات ، بعد الانتهاء من الدعوى.

 

وعليه ان يتخذ نظام التبويب والحفظ في مكاتباته واضابيره باستعمال البطاقات حسب الحروف الأبجدية فيجعل صندوقا بداخله بطاقات ، لكل قضية بطاقة تتضمن اسم الموكل وعنوانه ورقم الملف تفيد في سرعة وسهولة الكشف عن كل ما يطلبه من بيانات خاصة بهذا الملف ، عندما يستقبل المحامي الموكل لأول مرة أي قبل ان يفرد له ملفا خاصا عليه ان يسأله عن اسمه وعنوانه وأن يسجل ويدون ذلك فيه ويودع به المستندات التي يقدمها اليه.

 

ولا يلزم القانون المحامي ان يمسك سجلا لحساباته غير ان ذلك لا يجوز من الناحية العملية فمن الواجب ان يمسك الآتي :

 

1 – سجلا يقيد فيه ما يصل الى بحثه في كل قضية .

 

2 – مجموعة من البطاقات المكملة لهذا السجل.

 

3 – فهرس (رول) يقيد فيه الأسماء والاتعاب التي يتسلمها بترتيب تواريخها.

 

4 – دفتر صندوق مساعد يقيد فيه مصروفاته الخاصة بالمكتب.

 

ولا شك أن هذا النظام  سيمكنه من تتبع الموكلين الذين دفعوا او لم يدفعوا اتعابا له، وسيكون اساسا صالحا للاقرار الذي يلتزم بتقديمه لمصلحة الضرائب كل ما يعاونه في الالمام برقم المصروفات العمومية ، فيعمل على تخفيضها اذا لزم الأمر.

 

وعليه الا يحتفظ اطلاقا بالمستندات بعد الفراغ منها فيعيد تسليمها الى الموكل ، ولكنه يحتفظ بنسخة من مذكراته ، ومن عريضة الدعوى، حتى يتمكن من متابعتها إذا رغب الموكل ذلك بعدئذ ليكون على بينه من عمله في القضية، ولكي يستطيع اصابة الهدف، في سرعة ملحوظة بابداء رأي صائب وبعد الانتهاء من الدعوى ، واعادة مستنداتها الى اصحابها يودع ملفاتها دار محفوظاته تبعا لترتيب الحروف الأبجدية أو الأرقام. ولقد كان اسلافنا يجهلون فائدة هذه الأمور  غير ان مقتضيات المهنة جعلتها من لزميات المحامي ، مما يزيد في هذا التنظيم اهمية يوما بعد يوم  كلما اتسع الدور الذي يقوم به.

 

 

5 -  المراسلات:

 

سبق ان بينا مدى اهمية الاجابة على جميع الرسائل ، فعليه ان يرتبها هي الأخرى  فيحفظ نسخة من الاجابة  في الملف الخاص الذي اعد للموكل صاحب الراسلة حتى يستطيع الرجوع اليها كلما اقتضى الأمر ذلك.

 

ويوفر هذا على المحامي نقاشا قد يكون خطيرا. وبالجملة فهو يحفظ وقت المحامي من الضياع اذا عمد الى البحث عن ورقة تكون قد وضعت في غير مستقر لها. ان رسائل المحامي سرية فعليه الا يعمد الى تسجيلها في بطاقات تكشفها  ، اذ بهذه الوسيلة يعرض المحامي نفسه لافشاء سر المهنة.

 

ان الصيغة التي يبدأ ويختتم بها خطابه من الأهمية بمكان ، فالمحامي الذي يراسل زميله يخاطبه بقوله الزميل المحترم، وبالنسبة للسنديك والخبير السيد السنديك والسيد الخبير، كما يخاطب القضاة تبعا لوظائفهم بقوله السيد الرئيس – السيد قاضي التحقيق، وهكذا.

 

وإذا خاطب المحامي النقيب العامل فليخاطبه بقوله السيد النقيب، كما يخاطب النقيب السابق بقوله السيد النقيب والزميل العزيز، وإذا خاطب محام شاب  محاميا اكبر منه  السيد والزميل العزيز أو سيدى الزميل المحترم، وبالنسبة لعبارة الختام فانه يكتفى بالعبارة الاتية المخلص وذلك اذا كانت الرسالة موجهة الى زميل اما اذا كانت موجهة من محام ناشئ الى محام اقدم منه  أو كان نقيبا فيحسن ازجاء عبارات الاحترام، وإذا كان المرسل اليه قاضيا فانها تكون بازجاء عبارات الاحترام ، وهي تختلف باختلاف اللغات  كأرجو ان يتفضل السيد القاضي بقبول اسمى عبارات الاحترام، وهذا الاحترام اساسه كرامة الوظيفة ومن اجلهايراسل المحامي القاضي ، فإذا كان الخطاب خاصا فليس من سبيل الا المجاملة التامة التي تكون بين أفراد مهذبين.

 

وإذا كاتب المحامي سيدة ايا كانت مكانتها في المجتمع ، فلابد من التعبير بعبارات الاحترام في نهاية الرسائل بالنسبة للموكلين الآخرين ، فيكتفى بذكر عبارة تفضل بقبول عظيم اخلاصي.

 

والمحامي يوقع رسائله بنفسه  فمن الخطأ ان يكاتب المحامي قاضي ويكون الخطاب موقعا من مستخدم  أو كاتب على الالة الكتابة،وإذا غاب المحامي  ولزم الأمر مراسلة قاض، فمن المستحسن ان يكتبه معاون المحامي بأسمه وبتوقيعه، مع بيان الأسباب التي دعت الى ذلك. ويجدر دائما ان يذيل المحامي رسائل الموكلين بتوقيعه ويجوز طبع اسم المحامي في صدر رسائله، مقرونه بصفته وألقابه الجامعية، ورقم تليفونه وعنوانه، ومواعيد عمله وزياراته. وعليه أن يبين على الظرف الخاص به أسمه وعنوانه، وأن يكون ذلك في باطنه، حتى لا يفهم ذلك على أنه دعاية ، واعلان رخيص.

 

 

                               المرافعة

 

ملاحظات عامة:

 

 

               من عمل المحامي ان يشير ويصلح ويترافع وما يتصل بذلك من أعمال اخرى تزيد أهميتها يوما بعد يوم. ومنها تمثيل الموكلين امام المحاكم  ،ومعاونة المتهم في التحقيق ومباشرة اعمال الخبراء والتحقيقات والمعاينات والاستجوابات والمواجهة في المواد الجنائية، وتحرير صحف الدعاوى والمذكرات القضائية وغيرها.

 

وتكون المرافعة دائما هي المرآة الصحيحة التي تنعكس عليها براعة المحامي في حياته المهنية ولذلك رأينا أن نفرد لها هذا الباب :

 

في كل نزاع معقد تتطلب المرافعة مجهودا طويلا لتحضيرها ودراستها واعدادها وذلك شأن جميع القضايا بما فيها القضايا العادية.

 

 وقبل اعداد خطة المرافعة وتحرير المذكرة اللازمة لها فاننا نشرح طريقتها، فنتكلم عن الدعاوى المدنية والتجارية والجنائية من مخالفات وجنح وجنايات، وكذلك عن القضايا الادارية.

 

ولابد لنا من اجراء ملاحظة عامة في هذا الصدد ، إذ أن ملف الدعوى لا يصنع نفسه ولا يستكمل عناصره إلا على اساس من الأبحاث..

 

إن القسط الذي يقوم به المحامي في اعداد الملف أصبح على جانب كبير من الأهمية فهو الوحيد الذي يعمل على تزويده وتوليده في القضايا الجنائية من جنح وجنايات يعاونه في ذلك المتهم والمتصلون به بالاضافة الى التحقيقات التي يجريها قاضي التحقيق  والنيابة.

 

أما في الدعاوى التجارية والادارية والتوثيق وهيئات التحكيم فالمحامي هو الذي يمثل موكله دائما وهذا يتطلب منه مزيدا من البحث والمثابرة وطول الاناة ملتزما جانب الحرص والحذر مستوحيا في ذلك قواعد المهنة. ويمكن القول في هذه المناسبة أن الموكل هو الذي ينسج خيوط الملف تحت اشراف محاميه ومن  حسن التدبير أن لا يسعى المحامي الى ترتيب المقابلات الشخصية التي قد تصيبه بأضرار. وما من شك أنه يستطيع الحصول على المعلومات الرسمية من مصادرها في أقلام الكتاب أو لدى الموظفين العموميين وأقلام الرهون وإدارات التسجيل وما شاكل ذلك.

 

وليس من المستساغ أن يزور الشهود في محال إقامتهم أو في مكاتبهم ومن البديهي أن يمتنع عن زيارة الخصم.

 

ولنزيد الأمور توضيحا فإننا نفرض أن الملف قد تسلمه المحامي كاملا عن طريق الموكل فان عمله في هذه الحالة ينقسم الى ثلاثة أقسام:

 

1 –  دراسة المستندات

 

2 –  مناقشة الموكل

 

3 –  إعداد المرافعة

 

 

أولا – دراسة المستندات (المسائل المدنية والتجارية)

 

 

 

           يجب على المحامي الناشئ أن يتعلم كيف يميز بين طبيعة المستندات فيتوافر على ذلك بضع أسابيع حتى يحيط بأطراف هذا الموضوع ويحس بقدرته على الاضطلاع بهذه المهمة ثم يسير قدما بعد ذلك في تحسس المستندات الهامة وأجزائها التي يصيب بها الهدف حتى إذا راجعها فانه يخرج منها بفكرة عامة عن القضية حتى يحين تنظيم التفاصيل بعد ذلك تباعا نتيجة لهذه الخطوة الأولى.

 

فمثلا ان اهم ما في الملف الاستئنافي من مستندات هو الحكم المطعون فيه ، ويلي ذلك مذكرات طرفي الخصوم، ويجب عند دراسة الحكم ان نترك جانبا الوقائع والصيغة التنفيذية ، وتوجيه العناية لأسباب الحكم والمنطوق ويكون بعدئذ مراجعة ما عدا ذلك. وبعد تعرف موضوع الدعوى على وجهه الصحيح يجب تنظيم المستندات التي يتعين ترتيبها وفق تواريخها ثم تجنب في حافظة مستقلة والمذكرات والمستندات التي لا تحمل تاريخا ، مع وضع خطوط تحت المهم والأهم وتحفظ الصور الزائدة منها في المكان المخصص للمحفوظات.

 

وليس ثمة ما يمنع  من الإشارة بقلم خفيف على الأجزاء الهامة من المستند أو المذكرة حتى يمكن محوه.

 

وقد تحمل المستندات أحيانا تاريخين تاريخ صدور الحكم وتاريخ إعلانه فيكون التأشير بهما على هامشه.

 

وبعد القيام بهذا الإجراء فان المحامي يتلو ما تضمنته في انتباه وحذر، عله يجد في الزوايا دليلا حاسما وحجة ملزمة ومن الجدير تدوين الملاحظات في ورقة مستقلة خلال الاطلاع متضمنا الآتي:

 

1 – الحجج التي يمكن استخلاصها من المستندات.

 

2-  الاعتراضات التي تثار بشأنها.

 

3 -  الإيضاحات أو المستندات التي يجب طلبها من الموكل لتدعيم الدعوى.

 

4 – الملاحظات وما يلزم للمرافعة من وحي الخاطر أولا بأول.

 

ولاستكمال هذه الدراسة فانه يطلب من محامي طرفي الخصوم تبادل الاطلاع على المستندات.

 

 

 

 

 

ثانيا – مناقشة الموكل:

 

 

 

ويجدر بالمحامي أن يحرر لموكله خطابا يعلنه فيه بالحضور بمجرد تسلم المحامي ملف الدعوى وكم في ذلك من رضا لنفس الموكل حين يستشعر الاهتمام به. فكثير من الموكلين الذين يتعرض شرفهم أو ثروتهم للخطر. يتلهفون ويقلقون ويبدو لهم ان المحامي يتناساهم او يهملهم ومن المتعين استدعاؤهم في الوقت المناسب بعد ان يكون قد اطلع على المستندات وأحفى في دراسة القضية. وبذلك فانه يستعين بالموكل على زيادة الإيضاح وفي ذلك ما فيه من توفير المستندات اللازمة ، كوثيقة الزواج مثلا ومستندات الملكية وشهادة طبية .. الخ. ومن الواجب الإنصات في صبر الى ما يدلى به الموكل وادارة المناقشة معه بما لا يدعه يضل الطريق في محاور ضارة بعيدة عن نطاق النزاع.

 

 وعليه في كثير من الحالات أن يعيد الموكل الى قواعده في أرض الدعوى في أدب ولباقة.

 

وإذا حضر الموكل قبل ان تصل مستندات الخصم – وكثيرا ما يحدث ذلك – فانه من الأجدر استدعاؤه مرة أخرى لمناقشته على ضوء هذه المستندات عند ورودها مع مزيد من الحرص في عدم تسليمها اليه. وعندما يدعوه للمرة الثانية  يلفت نظره الى مضمون هذه المستندات ويحثه على استحضار ما يدحضها.

 

وبعد كل ذلك فان على المحامي ان يدون كتابة ملاحظاته على المستندات بنوعيها، وكذلك ملاحظاته على مناقشة الموكل حتى يستطيع ان يتوافر على تحضير القضية في هدأة العمل.

 

 

ثالثا – إعداد المرافعة على الوجه الأكمل:

 

 

                  على المحامي ان يعتكف في مكتبه بضع ساعات ليعيد النظر فيما تنطوي عليه المستندات والمذكرات التي دون فيها ملاحظاته النافعة ، ويسعى قدر جهده الى القاء كثير من الضوء على الدعوى ليكشف عن موضوعها ، فتظهر عارية مجردة مما يشوبها امام ناظريه، فيشرحها في بضع سطور، تكون بمثابة حجر الأساس في المرافعة وهو ما سنتناوله بالبحث فيما يلي:

 

انه لا يكفي ادراك المحامي لموضوع الدعوى بتعرف مظهرها وخطوطها بل لابد له من تسليط الأضواء على جوهر النزاع، إذ أن كل نزاع تبدو فيه بوضوح نقطة الارتكاز ويقع بين شقيه اسانيد واساليب الدفاع مما يجب الاستناد اليها والاعتماد عليها واعتبارها مهماز لدعوى وعسى ان يكشف فيها عن نقطتين او ثلاث ولكن في الغالب لا يجد سوى نقطة ارتكاز واحدة وما عدا ذلك فانها نقاط ثانوية.

 

وعلى المحامي ان يتكهن بما عسى ان يقدمه الخصم من دفاع وأسانيد فيعد الرد لساعته، ويفند مستنداته وأقواله.

 

وعلى المحامي أن يتساءل دائما: ما عساي أن أفعل لو كنت مكان الخصم؟

 

إن المحامي ذو الخبرة والكفاية لا يفوته بحث هذه التفاصيل ولن تظهر براعته إلا إذا نجح في هذا السبيل ،  وقد يخطئ المحامي الناشئ كثيرا في استخلاص جوهر النزاع وإبراز نقطة الارتكاز ، ولا يعمل حساب خصمه الذي قد يلقي في وجهه بدليل مفحم لم يسبق له التفكير فيه أو توقع مفاجأته به .

 

وعلى وجه الإجمال فان على المحامي أن يتعرف الى مسائل ثلاث:

 

1 – موضوع الدعوى.

 

2 – النقطة الهامة في دفاعه.

 

3 – النقطة الضعيفة التي يدخل من ثغرتها خصمه.

 

فإذا ما انتهى الى هذا كل وأحيط علما بوقائع دعواه فانه يقوم بتطبيق العلم على العمل ولذلك فانه يتعين على المحامي أن يكون ملما بالفقه حتى يستطيع أن يبرز هذه الوقائع في اطار قانوني صحيح، كما يجب أن يكون ملما بالقوانين الهامة الأساسية، فالكثير من المحامين يجهلون الإفادة من مواد القانون اللازمة لدعم دفاعهم.

 

وإذا ما اكتنف القوانين شئ من الغموض فلابد من الاستعانة بأحكام القضاء وآراء الفقهاء ولكن كيف السبيل الى الانتفاع بذلك كله ؟

 

إن المحامي بعد أن يسرد أهم الوقائع في الدعوى يعرج على نصوص القانون وأقوال  الفقهاء أو أحكام القضاء التي تدعمها بالبحث في الفهارس القانونية ، لكي يعثر على المواد المطلوبة ثم يولي وجهه شطر أحكام القضاء في الحالات المماثلة ويطالع المؤلفات الشارحة ويستخلص من كل ذلك ما يفيده في القيام بواجب الدفاع وتدون هذه الفقرات للرجوع اليها في المرافعة .

 

ولابد من التزام جانب الحرص لتفادي زلتين:

 

 

1 -  الابتعاد عن الإشارة الى المطولات من المراجع التي قد تطيح بانتباه القاضي.

 

2 -  التحلل من الحيل المكشوفة التي قد تظاهر الدعوى بتسجيل جزء دون الآخر بحيث إذا قرأ في وحدة لا تتجزأ افتضح الأمر، وكثيرا ما يلجأ الخصم الى هذا إذا كان المرجع بين يديه وواتته الفرصة بتردد نفس المقاطع فلا يلبث أن ينكشف دفاعه وينهار.

 

وكثيرا ما يتضح من أحكام القضاء إنها في صالح الخصم فيتعين الرجوع الى نصها فقد ينكشف الأمر ويتضح أن مبدأ الحكم منبت الصلة بموضوع الدعوى بحيث لا يجوز للخصم أن يستند إليه أو يستشهد به على واقعة الدعوى وهي جد مخالفة .

 

بعد أن يتعرف المحامي موقفه على هذا النحو يضع نواه دفاعه بالكتابة ،

 

وسنتناول بالبحث نظام الدفاع وطريقته وعند الكلام في موضوع المرافعة نفسها فإننا سنتناول بالبحث النقاط الرئيسية الآتية:

 

1 -  نبذة مختصرة عن موضوع الدعوى.

 

2 -  موجـز تاريخي لوقائع الدعوى.

 

3 -  بيان المسائل المطلوب حلها.

 

4 -  مناقشة الوسائل والأسانيد.

 

5 -  الخاتمة وتتضمن نتائج المناقشة وإعادة ذكر أوجـه الطلب.

 

 

تحرير مذكرة الدفاع:

 

 

بعد ان تجد هذه التفاصيل مستقرا لها من الأعماق فان المحامي يستمد من معينها بالقدر الذي يتطلبه الدفاع فعليه إذن إعداد مذكرة للمرافعة وحكمة ذلك أنها ستكون اساسا لدفاعه وفيها :

 

1 -   ما يشحذ ذاكرة المحامي في المرافعة.

 

2 -   التيسير على القاضي وإرشاده في البحث عند المداولة.

 

3 -   تسهيل مهمة ممثل النيابة العامة.

 

وعليه في سبيل ذلك أن يحرر مذكرة شارحة يسهل فهمها، على أن تكون جد مركزة كي يتمكن المحامي وهو في حماس المرافعة أن يستمد من معينها ما يراه لازما.

 

ولابد للمحامي أن يعد هذه المذكرة لأنه كثيرا ما يمضي وقت يطول أو يقصر  حتى يوم المرافعة وهي لازمة له لزومها للقاضي.

 

والمحامون الذين يتبرمون بالعمل ويعتمدون على ذاكرتهم يهملون تحرير هذه المذكرة فيفوتهم ركب الاستعداد لهذه النقاط الهامة ويعرضون قضاياهم للخطر ويضعون العقبات أمام القاضي.

 

ومن ناحية أخرى فيجب أن لا تنطوي هذه المذكرة على أدق التفاصيل حتى لا تكون عمادا له في الدفاع فيقع أسيرا في شباك من الورق الأصم فتتضاءل بلاغته وتتخاذل حجته.

 

إن المحامي الذي يتلو دفاعه من مذكرة لا يعيش في جو المرافعة الطليق ولا يحلق في سمائها ومن الصعوبة أن يجد تفكيره سبيلا الى ذهن القاضي الذي قد يصاب بانهيار كما يشيع السأم في نفوس السامعين.

 

إن مذكرة المرافعة لا تعدو أن تكون سندا للمحامي ومرشدا له وسوطا يلهب بها ذاكرته ولكن يجب ألا يكون لها أسيرا.

 

ومن السهولة أن يقال فيها ماردده أحد الفلاسفة وسارت به الأمثال عن المال : إن المال خادم نافع وسيد سيء.

 

وعلى ذلك فانه يتعين ان تدبج مذكرة المرافعة بخط واضح تسهل قراءته ، وتقسم الى أقسام محلية بها مسافات ظاهرة تسترعي النظر ويؤشر بلون مخالف أسفل بعض مقاطعها الهامة.

 

ويجب أن تتجلى المذكرة في أثوابها القضايا الآتية:

 

1 – وضوح البيان فيما يتصل بجوهر النزاع.

 

2 – الإيجاز والتحرر من أناقة اللفظ باستعمال عبارات سلسة ظاهرة.

 

3 – إبراز الخطة التي رسمها للدفاع.

 

 

ويمكن كتابة المذكرة بأحد طريقين:

 

 

1 -  تحريرها على ورق يحمل ارقاما مسلسلة وأن تودع المستندات ملف القضية طبقا للمواضع المشار اليها فيها وتثبت على غلاف الملف ارقام المستندات تبعا لترتيبها.

 

2 – تحريرها على ورق زوجي كان كلا منها ملف خاص وأن تكون الكتابة في صفحتها الأولى  ، وفي الداخل توضع المستندات التي يرى المحامي انه بحاجة اليها في مرافعته المدون في الصفحة الأولى.

 

أما عيب الطريقة الأولى فهو صعوبة الحصول على المستندات بالسرعة اللازمة  فيضطرب في دفاعه أو يتوقف لحظة فيتضاء ل الاهتمام ويتخاذل عامل الانتباه.

 

أما الطريقة الثانية فهي أجدى وأنفع لأن المستندات ستكون في متناول يده وان كان بعضها مما يشار اليه اكثر من مرة في مواضع مختلفة. ولذلك فانه يتعين على المحامي أن تكون أرقام المستندات المشار اليها في المذكرة جد واضحة.

 

وهناك طريقة أجدى من السابقة لتفادي هذا العيب ، وهو تسجيل صورة المستند في المذكرة ذاتها .

 

 

مباديء عامة في المرافعة:

 

 

متى تكون المرافعة واجبة ؟  انها تكون كذلك عندما يقوم نزاع على وجود حق أو على مباشرة ذلك الحق. ولكن ليس في مجرد النزاع ما يستلزم المحامي أن يحمل أمانة الدعوى ما لم يكن منتدبا من قبل لجنة المساعدة ويتعين أيضا أن يكون النزاع الشاجر جديا ومتصلا بحق أو عن واقعة قائمة بذاتها.

 

وإذا تبين المحامي أن الدعوى ليست على أساس من الحق وأن مصيرها الى الرفض فعليه أن يقنع موكله بعدم مباشرتها محاولا انهاءها صلحا وإلا فله أن يتنحى عن مباشرتها.

 

وليس المحامون جميعا ممن  يسلكون هذا السبيل لأن قبول الدعوى في غير موجب من أسباب الإغراء الخطير الذي تتعرض له المهنة. فيتعين أن يكون المحامي من ذلك على حذرمنذ السنوات الأولى في حياته العملية وإلا كانت هذه إحدى هناته التي لن يستطيع معها صبرا، وبذلك تجنح السفينة ويفقد المحامي أعظم صفاته التي يجب أن يتحلى بها، وهي ازجاء النصح للموكل بالاقلاع عن رفع دعوى خاسرة0

 

 ونستطيع أن نتقدم بتعريف للمرافعة مستمد من تعريف (ديكر سنيير) حين قال: المرافعة هي شرح لوجهة نظر أساسه نزاع شاجر، ينتهي الى حل يتفق والحقيقة القانونية الماثلة.

 

ويمكن تعريفها كذلك بالآتي: المرافعة هي التعبير الذي يضفي على واقعة النزاع، ما ينير للقاضي طريق العدالة، ويمكنه من اصدار حكمه على اساس سليم.

 

ويسترسل ديكر سنيير فيقول: ان المرافعة تثير في نفس القاضي من العوامل ما يجعلها تأخذ بالألباب وتستقر في الأعماق فهي همزة الوصل بين الحقيقة الماثلة والعدالة المنشودة.

 

ولذلك فانه يجب ان تكون المرافعة صورة حية وصدى صحيحا للواقع لأن الحديث الشفوي يسمو على البيان المكتوب لقربه من الواقع الملموس فالكلمة الناطقة تبرز الواقع والحق في أبهى حلله وتلقي عليها نورا كاشفا ومما قاله الفقيه الروماني كانتيليانس: يجب أن تكون المرافعة ، صحيحة واضحة وممتعة.

 

 

1 ) الوضوح:

 

               

 

           لا شك ان الوضوح هو أول مميزات المرافعة ، فلابد من أن يفهم المستمع ما يلقى اليه من أقوال  ، فمهمة المحامي الأساسية هي أن يصور من الدعوى صورة سهلة واضحة يفهمها القاضي دون كثير عناء. ويجب أن لا يغيب عن ذهنه انه خادم العدالة، ومن واجبه تيسير السبيل امامها، فالغموض ينتهي بالقاضي الى اليأس والحيرة ، وكثيرا ما يصاب الموكل بأبلغ الضرر، فالمحامي مرشد القاضي ، فاذا لم يكن واضحا فانه يصبح جلادا ، مما يحمل القاضي أن يلقى بنفسه في احضان الشرود، للخلاص من هذا العذاب والجمود.

 

ان المحامي الغامض في مرافعته ، يحمل  الناس على الفرار ، ويدعو القاضي الى التبرم كلما اخذ مكانه من منصة المرافعة، وليس في تبرم القاضي، ما يبعث على كسب الدعوى.

 

ان المحامي يقوم بحمل نصف العبء ، حينما ينجح في إحاطة القاضي علما بجوانب الدعوى، وعليه أن يبتعد عن مواطن التعقيد، ويركن الى السلاسة، واختيار العبارات الرقيقة، التي تعبر عن رأيه في صراحة، دون مواربة أو غموض أو التعثر في خطأ لغوي فاحش. وعليه أن يتجنب الجمل الاعتراضية، وأن يضرب من الأمثلة ما وضح منها، لكل ما يعرض له من النظريات القانونية. وعليه أن يتعهد ما غمض من مستنداته بالتفسير الواضح، وإذا تبين عدم متابعة القاضي له في هذا فليعد ما قاله بعبارات أخرى قريبة المنال .

 

 

2 ) الاعداد:

 

 

ان الاعداد شرط لازم  فمن المتعين أن تحتل كل نقطة في بيان موضوع الدعوى أو مناقشتها المكان اللائق بها. والاعداد الذي يجب أن يحكم المرافعة ، هو ذلك الاعداد الذي يلمسه القاضي قبل المحامي، فكثيرا ما يكون المحامي بليغا واضحا، ولكنه سرعان ما يفقد زمام الموقف ، بجنوح القاضي وشرود فكره ولو لفترة قصيرة.

 

فلابد من توجيه نظر القاضي وتذكيره بين الفينة والفينة الى أنه انتهى من شرح جزء آخر منها.

 

ولكي تكون المرافعة منظمة محكمة ، فانه يجب أن تكون وحدة واحدة ، ترمي الى غرض واحد ، لجميع الحجج والأدلة بروح واحدة، لينتهي الى نتيجة واحدة فوحدة المرافعة ووضوحها هي النظام والترتيب.

 

 

3 )  الروح أو الحيوية:

 

              ان الحيوية التي تتسم بها المرافعة هي المتعة الروحية وقوة الباع والعارضة الخطابية . فعلى المحامي أن يتعرف كيف يثير في نفوس سامعيه، كامن شعورهم كما لو كان يتحرك امامه ممثلون ، يقومون بدورهم على المسرح القانوني، يختار كل منهم الدور الذي يناسبه ، وعلى المحامي أن يصف اولئك الممثلين وأن يوضح شخصياتهم وطباعهم وأغراضهم ويجب أن تدب الروح والحياة، في نبرات صوته وأن تكون له صولة بارعة، وأن تنطوي حركاته على قوة الشكيمة، ويتفادى أن يكون كلامه على وتيرة واحدة، فيشيع الملل في نفوس سامعيه. وليس ثمة ما يمنع أن يلفت نظر القاضي بكلمة مرحة،أو عبارة ساخرة غير مكشوفة، أو مقطع رنان ، على أن لا يتعدى ذلك الحدود الواجبة، والأصول المرعية وأن لا ينال من أحد منالا.

 

وقد ينجح المحامي احيانا في مرافعته ، إذا ما اتخذ طريقة التساؤل والاستفهام، فبدلا من أن يناقش الورقة التي اعلنت لخصم لم يحرك ساكنا أو يبدي تحفظا، سواء كان ذلك بخطاب أو انذار حتى تقام الدعوى، فتراه مثلا يقوم: انه تسلم  هذه الورقة واطلع عليها، فما الذي فعله ازاءها ؟  هل كان طبيعيا اعلان اعتراضه عليها؟، وهل يكون الاعتراض لساعته بخطاب أو انذار انه لم يفعل ! فماذا حدث اذن ؟ لا شيء! لقد ظل ساكنا لا يبدي حراكا والى متى؟ الى اليوم الذي أعلن فيه بالحضور امامكم ! يدل هذا المثل العادي، على أن الأسلوب الثاني، أبلغ في الدلالة من الأول بمايضفيه على الوقائع من روعة وجلال تسترعيان من القاضي المزيد من الانتباه.

 

 أن تقوم بتلاوة ما تضمنته المستندات حجر عثرة في هذا السبيل  ، ولا شيء أثقل على النفس من تلاوة تقرير خبير أو محضر معاينة . ومن ذا الذي يستطيع أن يتابع تلاوة خطاب طويل ؟ لا شك انه مما يبعث على الملل ونشير على المحامي المترافع بأن تتخلل هذه التلاوة عبارات شارحة للطريقة التي انتحاها الخبير وهذا مع تحديد المقاطع التي يتلوها من تقريره وتلخيصها أثر كل تلاوة في عبارات محدودة يمسها بالتعليق مسا خفيفا وهكذا الحال بالنسبة لأقوال الشهود، التي تنطوي عليها محاضر التحقيق.

 

 

4 ) الإيجاز:

 

             على المحامي الا يطيل وخاصة اذا كان جدول المحكمة يفيض بالقضايا. ان الاطالة في شرح الدليل لمما يضيق به صدر القاضي، فالدليل المركز يؤدي الى نتيجة فعالة، حيث يستطيع القاضي ان يلم بجوانب الدعوى، منذ الوهلة الأولى ولا يضيع وقته في غمار التفاصيل.

 

وفي ذلك يقوم ليوفيل :  الايجاز والوضوح توأمان.

 

وأولى النصائح في هذا الشأن أن يكون المحامي على حذر من الجنوح عن صميم الموضوع فقد انقضى العهد الذي كان فيه المحامي وهو يترافع في دعوى ابطال وصية ، أن يبدأ مرافعته بمحاضرة طويلة في مدى حق الفرد في الإيصاء، كما يبدأ في دعوى الانفصال بمحاضرة عن تقديس الزواج. إن عليه أن يترافع فينفذ الى صميم الموضوع دون أي شيء آخرمركزا جهوده في بيان موضوعه، والنتيجة التي يبغى الوصول اليها.

 

وعلى المحامي ألا يعمد الى العنف في الأسلوب ، والبعد عن العبارات

 

المستهجنة، وتجنب الفاظ السوقة، فالعنف يفزع القاضي ويقرعه، هذا كله مما ينال من كرامة المحامي بقدر ما يسيء الى مصير الدعوى.

 

 

المقدمة – أو سرد الوقائع:

 

 

         ان من أفضل الوسائل في المرافعة ان يكون ترتيب الدفاع فيها مستمدا من نفس المعين الذي اتخذ اساسا لدراسة ملف الدعوى، فتسرد الوقائع طبقا لتواريخها التي هي الدعامة الأولى للقاضي والمحامي معا، ولكن من المتعين أن نحذر جانب التزيد فيها ، باعمال غير الضروري منها، وإلا خنقت بعضها بعضا، وتساقطت من ذهن القاضي تساقط الورق في فصل الخريف، وأنه لكاف في دعوى البطلان مثلا، ان يذكر تاريخ القران وميلاد الأولاد وقرار عدم امكان التوفيق وعريضة دعوى الطلاق والحكم التمهيدي.

 

ولابد من تجنب المناقشة واقحامها خلال شرح الوقائع التي يجب ان تتسم بطابع البساطة والسرعة والوضوح مجردة مما يشوبها من صعوبة وتعقيد. ولا بد أن يكون بيان الدعوى على اساس من المنطق ، دون اغفال لبعض وقائع الدعوى، إذ من الواجب سرد الوقائع كلها في أمانة وصدق وأن تكون معده  للمناقشة.

 

وأن ما يدور في الجلسات  شأنه شأن مايجري في دور التمثيل، فالجزء الأكبر من النجاح يرجع الى فن الاخراج والتقديم. ولكن على المحامي اذن  ان لا يقدم البيان في الدعوى على أنه بيان عن قصة بل بيان عن حجج وأدلة.

 

ان من المحامين من يضرب في الدعوى على غير هدى فيعرض للوقائع  ويقحم فيها التواريخ ، والشهادات، والأوراق القضائية. فهم يعرضون ويناقشون في وقت واحد ويخلطون بين أقوال الفقهاء وأحكام القضاء ويضمون المحاضر وشهادة الشهود. وقد قيل عن مثل هذا المحامي: انه يقدم عرضا عاما خاليا من خطوط توضحه أو تشرحه.

 

وان من المحامين من يسقطون من حسابهم البيان الجامع عن وقائع الدعوى،  كأنهم يفترضون علم القاضي بها سلفا وتراهم يتهافتون على المناقشة امام قاض امتنع عليه فهم الدعوى لعدم المامه بوقائعها.

 

هذان عيبان  لابد من الإقلاع عنهما فسرد الوقائع ضروري لها، وهو حجر الزاوية فيها، فاذا كان من البساطة والوضوح ودقة التصوير فيسصبح صدى لما قاله:ليوفيل عندما تحدث عن المرافعة وبراعة الاستهلال في مقدمتها قال: تحمل المقدمة (سرد الوقائع) في طياتها بذور المرافعة التي تزدهر وتترعرع بعد ذلك، وينتهي المطاف بالقاضي الى تذوق موضوعها وامعان النظر فيها ثم يأتي دور المناقشة فيعبد ارضها ويكسب ترتبها الخصوبة والنماء.

 

يتعين على المحامي الموكل عن مدعي عليه أن يوجز بيان الوقائع أو يصححها أو يكملها وما بقي يأتي دوره في المناقشة.

 

ومراجعه المستندات في الوقت المناسب عند سرد الوقائع. ويجب عرض موجز لها في دقة وأمانة، وإذا رأى المحامي عدم تلاوة أي جزء منه، فيلفت نظر المحكمة الى ذلك. وسبق لنا ان قلنا ان مجرد تلاوة الموجز هو فن في ذاته، مما يتعين معه تجنب الاطالة وأسباب الملل.

 

وعند قراءة ملخص الحكم المطعون فيه يكتفى بالأسباب والمنطوق مع وضع اشارة عند كل من البداية والنهاية.

 

 وهكذا الأمر في محضر التحقيق فيكفي قراءة شهادة الشاهد، والاشارة الى اسمه ودرجة قرابته بصاحب الشأن إذا وجد.

 

أما تقارير الخبراء فهي مقسمة الى اربعة أقسام:

 

1 -  بيان مهمة الخبير دون تلاوتها.

 

2 -  ما يتصل بموضوع المناقشة في أقوال الخصوم.

 

3 -  تفاصيل أعمال الخبير وتلاوة جزء منه ووضع اشارة مميزة لسهولة الرجوع اليها إذا اقتضى الأمر ذلك.

 

4 -  تلاوة رأي الخبيروالنتيجة التي انتهى اليها.  

 

 

            وفي نهاية المطاف يعد المحامي المترافع  من الأسئلة التي يطلب الاجابة عليها في نظام واحكام ، يدرك معها القاضي الخطة التي رسمها المحامي لنفسه في المناقشة.

 

ولهذه الأسئلة اهمية بالغة فكثيرا ما تكون أساسا للفصل في النزاع.

 

 

المناقشة:

 

 

هذا الشق من المرافعة هو الجزء الذي يتقدم فيه المحامي بأدلة الاثبات والنفي. فإذا كان المحامي حاضرا عن المدعي عليه بعد ان يفرغ محامي المدعي من مرافعته حيث يكون تفنيد أقواله هو محور المناقشة وهذا إذا لم يكن قد تقدم بطلبات فرعية .

 

وان في معرفة وسائل دفاع الخصم سلفا أهمية بالغة إذ هي نتيجة للاطلاع على عريضة الدعوى والمذكرات والمراسلات والمستندات المتبادلة مع الخصم. فإذا أخذ المحامي للأمر أهبته لتفهم حجج الخصم وأعد عدته في تفنيدها للاطاحة بها فانه يكون قد فرغ من أهم جزء في رسالته.

 

وهل لنا أن نتسائل عن المرحلة من المناقشة التي تيعين فيها على المحامي أن يبدأ في تفنيد أدلة الدعوى؟ إن ذلك يختلف باختلاف ما يعرض من الحالات فقد يقوم المحامي بتفنيد ادعاءات الخصم ، عند بدء المرافعة أو في خلالها او في نهايتها أو عند المناقشة.

 

فهو يفند مزاعم الخصم في بدء المرافعة إذا دفع بعدم جواز نظر الدعوى ، فاذا فرض أن المدعي أقام الدعوى البوليصية لابطال تصرف أوقع أضرارا بالدائنين فيكون رد المدعي عليه على ذلك أن المدعي ليس دائنا له. فمن واجب هذا الأخير جحد هذا الإدعاء باثبات دينه وإقامة الدليل على أن العمل المطلوب ابطاله، كان ضارا به كدائن.

 

نذهب الى الحالة العكسية  حين يقيم المدعي دعوى استحقاق ردا على ادعاء الخصم تملكه للعين موضوع النزاع بطريق التقادم. ويجب على المدعي في هذه الحالة أن يقدم الدليل على أنه كان صاحب حق منذ البداية معززا ذلك بالمستندات  معرجا بعدها على تفنيد مزاعم التقادم بقوله مثلا إن وضع يد المدعي عليه غير مستوف للشرائط الواجب توافرها في التملك بالتقادم.

 

ونفرض ابعد من ذلك أن يكون لدى المدعي العديد من أوجه الدفاع التي يتمسك بها، وأن يكون لدى المدعي عليه على كل منها اعتراض. فعلى المدعي أن يقرع الدليل بالدليل مفندا اعتراضاته مبينا اوجه الرد عليها. إن الأدلة التي يتمسك بها الخصوم قد تتعدد فمن المستحسن نظمها خلال المناقشة في ترتيب منطقي تصاعدي ما استطاع المحامي الى ذلك سبيلا.

 

وفي بعض الحالات قد يوجد من الأدلة ما يكون قاطعا فيقدم على ما عداه، ويليه في الأهمية باقي الأدلة الأخرى تحيط به وتشد من ازره.

 

وتستخلص الأدلة من الوقائع والمستندات والقانون فعلى المحامي أن يمر بها سريعا فقد تكون المصلحة في مناقشة المستندات أو دراسة نصوص القانون قبل مناقشة الوقائع، وذلك في الحالة التي ينتهي فيها المحامي الى أن الواقعة على فرض ثبوتها غير منتجة في الدعوى لمنافاتها لحكم القانون.

 

ان الدعاوى التي تستند الى القانون وحده قليل عددها، ولكن أغلبها يستند الى الوقائع التي هي موضع نزاع بين طرفي الخصوم سواء من ناحية قيامها ومدى اهميتها ومبناها. ولعل هذه القضايا جميعها تستند الى الواقع في مختلف هذه النواحي الثلاث.

 

إن اسباب الخلاف في تصوير واقعة النزاع ترجع الى المسائل الآتي بيانها:

 

1 -  احيانا ما تداعب المصلحة نفوس المتقاضين فلا يقدرون الظروف حق قدرها حتى ولو كانوا حسني النية.

 

2 -  سيء النية منهم يعمل على طمس الوقائع.

 

3 -  إن شهود الزور والمغرضين منهم كثيرون ممايؤدي بالتحقيقات الى نتائج غير مأمونة الجانب.

 

إن من الخبراء من خربت ذممهم وانعدمت كفاءتهم.

 

ولكي يستطيع المحامي أن يظهر الوقائع على حقيقتها، يجب بادئ بدء ان يكون ملما بجميع عناصرها فاذا كان موضوع القضية حق الملكية أو حق ارتفاق مثلا، فعليه أن يعاين هذه الأعيان ومعه الخريطة الخاصة بها وصورة ثانية إذا لزم الأمر لتقديمها  للمحكمة وبالجملة فانه يجب التفكير في شتى التفاصيل واجراء تحقيق عنها لأنه من الجائز أن تنتزع حقيقة بالغة من خلال واقعة صغيرة تافهة فيجوز للمحامي أن يدلل على تزوير تاريخ في وصية من التاريخ الثابت على عريضة الدمغة التي كتبت عليها الوصية.

 

 

أ – كيف السبيل الى تفنيد اقوال الشهود؟

 

 

1 -  إقامة الدليل على وجود تعارض في أقوال الشهود.

 

2 -  التعارض في أقوال الشاهد الواحد أو بين شهادتين لشاهد واحد.

 

3 -  تجريح شهادة الشاهد بحقده على من يشهد ضده مثلا.

 

4 -  إبراز التعارض بين أقوال الشاهد وأقوال الخصم نفسه إذ قد يتعثر احيانا في غمار شغفه لمجاملة خصمه فيزل لسانه بأقوال متضاربة متعارضة.

 

5 -  إقامة الدليل على تعارض الشاهد مع الواقع المستمد من الخرائط والصور الفوتوغرافية وما شاكل ذلك.

 

 

ب – المستندات

 

 

إن اثارة المنازعات حول المستندات جد عديدة فهناك مثلا في الوصية المشتبه فيها والتي لا يظهر منها حقيقة الموصى لهم وموضوع الوصية والعقود العرفية التي تحوي بنودا يحيطها الكثير من اللبس وكذلك العقد الموثق(1) الذي يحوي اخطاء وهذا النوع من العقود متوافر على خلاف ما يعتقده الكثيرون.

 

ولإمكان تفسير هذه المستندات، فانه يجب مراعاة الآتي :

 

1 -  القيام بتفسير ذات المستند عن طريق تفسير أحد بنوده من خلال بند آخر فيه أو من جماع البنود الأخرى.

 

2 -  مناقشة العقد من خلال المراسلات السابقة أو اللاحقة أو المعاصرة فقد يوجد من بينها ما يفسره ويوضح مدلوله.

 

3 – البحث عن نية المتعاقدين وهو أمر من الأهمية بمكان إذ النية هي كل شيء فيه فعلى المحامي أن يبذل جهده في سبيل الوصول اليها، فاذا ما انتهى به المطاف فانه يرتب عليها النتائج بما اوتي من قوة الحجة وطول الباع.

 

 

 

النقاش القانوني:

 

 

          ان ترتيب هذا النقاش يجري وفقا لما سبق أن اوضحنا سواء قبل سرد الوقائع  لسهولة التطبيق ، أو بعد سردها أو مناقشتها أو مناقشة المستندات لاستخلاص الوقائع من بين ثناياها ، وتطبيقها على أساس من القانون ، وإبرازا للحقيقة القانونية المستخلصة من الواقع أو الأوراق.

 

          ان النقاش القانوني يجب أن يكون واضحا وحاسما ومتزنا ودقيقا  ، انه في العصر الحالي موجز عنه فيما مضى، وفي ذلك يقول ليوفيل:  "لقد كانت المناقشات في الأزمنة الغابرة تتمخض عن مجلدات ضخمة تنطوي على كثير من الأبحاث وترجع الى عديد من المراجع والأسانيد القانونية غير أن نفس المؤلف يمتدح لأنه يستخدم اسلوبا في المناقشة لا يتناوله احد اليوم. فيقول " إذا وجدت مادة في القانون فانه يتناولها بالبحث ويرجعها الى أصلها في القانون الروماني أو العرف أو القواعد العامة أو ما أخذت به المباديء المقررة لمجلس الدولة أو مااستقر عليه رأي الدوائر المجتمعة وتعليقات المحاكم العليا ومناقشات الهيئات التشريعية.

 

وعند مناقشة اية نقطة قانونية فانه يجب مراعاة ما يأتي:

 

1 – استخلاص النقطة القانونية الصحيحة التي تنطبق على واقعة النزاع.

 

2 – ذكر نص القانون الواجب التطبيق وتفسيره كلما أمكن ذلك.

 

3 – ذكر خلاصة لأحكام القضاء التي يستند اليها وتنطبق على وقاعة النزاع.

 

4 -  وإذا لم يجد مجالا في ذلك، فليرجع الى أقوال الفقهاء.

 

 

               جرى الأقدمون على شحن مرافعتهم بالأسانيد القانونية التي  يتطلبها الموقف واليوم نرى العكس هو المتبع.فجمهرة المحامين يذهبون الى أن الواقع هو كل شيء وهذا محض خطأ ، إذ كثيرا ما ينطوي هذا الإدعاء على تقاعس المحامي وتراخيه وركونه الى قوة باعه في الخطابة. انه لأ سهل على المرء أن ينظر شذرا الى الكتب الضخمة فلا يقرؤها مع أن في الاطلاع على القانون ومراجعه فائدة جلية للدعوى إذا كانت من الدعاوى التي تستند الى حق ويدخل في هذا الباب من أوجه النقاش ويجب على المحامي أن يتكهن بما عسى أن يثيره الخصم ويأخذ اهبته للرد عليه كما لو كان ملخص الحكم الذي يستند اليه مما تضار به الدعوى او كان في جملته ما يفيدها، وفيما إذا كان هناك حكم حديث يخالف هذا الرأي وكثيرا ما يحصل ذلك.

 

ومن الميسور مناقشة أحكام القضاء وتسجيل النتائج العملية التي تتعارض والأخذ بهذه الأحكام والاستناد الى اقوال الفقهاء الذين ينتقدون الآراء التي تضمنتها وذلك كله سواء تناول الواقع او الاسانيد او القانون فعلى المحامي ألا يفلت منه زمام الموقف وأن يهدف الى صميم الموضوع، ويتحاشى العبارات الغامضة المبتسرة غير الصحيحة وعليه أن يضع الأمور في نصابها.

 

 

خاتمة المرافعة:

 

 

       ينتهي النقاش بالخاتمة حين يكتفى المحامي بتلخيص سريع للنقاط الهامة في الدعوى وابرازها مع الأدلة الحاسمة، وإضافة كلمة موجزة يلفت بها نظر القاضي إلى المهمة الدقيقة الملقاة على عاتقه والى الحل المطلوب ، متجنبا طريق التكرار هو بسبيل ختام مرافعته بعد أن يكون بحر البيان قد فاض ، ولم يبق إلا بحجوز تضرب حوله لا تعدو رؤوس موضوعات هي بمثابة حجر الزاوية في الدعوى.

 

 

الرد والمذكرات بعد المرافعة :

 

 

جرى العمل في محاكم الاستئناف لازدحامها بالقضايا أن لا يسمح لمحامي المستأنف عليه بتبادل الرد بعد المرافعة ، إذ المفروض أنها خاتمة المطاف ولا محل للتعقيب بعدها بالكتابة ، وفي ذلك مجافة للصواب لأن أسانيد جديدة قد تظهر ويكون لها من الأثر في تغيير وجه الرأى فى الدعوى ، بما يدعو الى بحثه، فقد يكشف المحامي عن نقطة قانونية تصيب المحز.

 

أما المحاكم الابتدائية والاستئنافية التي لا يثقلها ضغط العمل فانها تسمح بتبادل الرد بمذكرات بعد انتهاء المرافعة. ولا بد من اتباع هذا الإجراء ولكن في اعتدال . ومن الخطأ البين أن يسجل المحامي في مذكرته ما سبق أن قاله في مرافعته ، بل يكتفي باستدراك ما فاته منها وتصحيح بعض الوقائع التي تناولها الخصم ، ووضع الخطوط فيها تحت النقاط التي يبدو ان القاضي تعلق بأهدابها من دفاع الخصم .

 

وكل مذكرة تنطوي على تكرار ما سبق بيانه تستنفذ صبر القاضي ولا تأتي بالنتائج المرجوه منها.

 

          إن المذكرات ضرورية كلما كانت المرافعة موجزة ومن الواجب كي تؤتي أكلها ، أن توضع تحت نظر المحكمة قبل المداولة ويتعين أن تكون من الإيجاز والتنسيق ، بابراز أهم النقاط في الدعوى. كما يجب أن يصل الى علم القاضي انها في طريقها اليه حتى لا تتم المداولة قبل وصولها الى متناول يده فتضيع الفرصة السانحة . وبذلك فانه من الواجب ان تحرر لتستقر في ملف الدعوى عقب المرافعة كلما استداع الى ذلك سبيلا وأن تتعدد صورها حتى يتسنى لكل قاض الاطلاع عليها ، قبل اتمام المداولة وقد يكون لها من التأثير على اقتناع احد القضاة ، إذا اخطأ التوفيق رئيس الدائرة ، مما يخلق من هذا العضو محاميا للموكل في المداولة، وهكذا الحال إذا تقدم الخصم بمذكرته فانه يجب اتباع عين الارشادات مع سرعة تحرير الرد عليها ، حتى تقدم الى ما قبل اتمام المداولة. ولذلك فانه يتعين التربص بها واعداد الرد عليها فور تقديمها، مع تفنيد ما تضمنته تفنيدا موجزا واضحا، ثم يتوج المحامي رده بابراز أهم الحجج الرئيسية التي يدور حولها النزاع.

 

 

مدى أهمية المرافعة أمام القضاء:

 

 

    أصبح للمرافعة اليوم أمام القضاء المدني أهمية ابعد اثرا منها فيما مضى، لأن القاضي لا يعلم شيئا عن وقائع الدعوى، الى ما قبل نظرها في الجلسة المحددة لها مما يعرض مصالح أي المتقاضين لخطر وقوع القاضي تحت تأثيرات المرافعة. ومن ثم فان على المحامي أن ينهي الى القضاة خلاصة وافية عن وقائع الدعوى بطريقة سريعة واضحة وهذا عبء ثقيل ينوء به المحامي ، لا سيما في القضايا الكبيرة أما أمام المحاكم التجارية وخاصة المزدحمة منها بالعمل فان للمذكرات أهمية تسمو على المرافعة ذاتها لأن الكثير من هذه المحاكم يكتفي باستيضاع المحامي لبعض النقاط في غرفة المشورة، أو امام القاضى المقرر الذي سرعان ما يحكم في الدعوى، ولا تؤجل الدعوى للمرافعة أمام المحاكم التجارية إلا إذا طلب اليها المحامي ذلك ، ومن أجل هذا فان نتيجة اعداد ملف الدعوى اعدادا دقيقا مزودا بمذكرة واضحة ، قبل عرضها على القاضي من الأهمية بمكان .

 

 

اللازمة الخطابية التي تتسم بها المرافعة:

 

             على المحامي ان يراعي دائما السهولة والدقة والاشباع ، كي تأتي مرافعته بالنتيجة المرجوة منها، مما يتعين معه رفع مستوى الأسلوب فلا يتحرج البعض من قدامى المحامين أن يتدربوا على الالقاء باشراف كبار الممثلين او اساتذة معهد التمثيل ، مع مراعاة أن المحكمة ليست دارا للتمثيل  ، فليس مما يناسبها طريقة الالقاء التمثيلي ويلاحظ ان البساطة هي الأساس الذي يجب ان تؤسس عليه مرافعة المحامي وهو يحدث امام قضاة كثيرا ما غرقوا الى آذانهم في بحر المرافعات الطامي.

 

 

  المرافعة امام المحكمة الجنائية

 

 

      فتختلف نوعا ما حين يستطيع المحامي استعارة العبارات المثيرة والالفاظ الملتهبة في الحدود المناسبة وعلى المحامي أن يتفادى استعمال اللجهة المحلية فقد تسئ اليه وربما لا يستسيغها القضاة فقد تكون ثقيلة على سمعهم .

 

 ويجب أن تتسم لهجة المحامي بالهدوء والرزانة واعتناق المبدأ القائل "العبرة بالمعاني لا بالألفاظ والمباني"  مع التزام جانب الاعتدال فبالحركة والقيام وحسن الهندام الذي لا ينم عن الاهمال ويكون صدى للشجاعة والاقدام .

 

كما أن عليه مراعاة شعور القضاة فلا يقف منهم موقف المعلم الأول للقانون وإذا رأى أن يلفت نظر البعض الى المباديء القانونية ، فليكن ذلك بطريق عابرة وفي خطوط واضحة.

 

                   حدث في سنة 1922 ان كان احد المحامين يشرح في احدى قاعات محكمة الاستئناف نصوص عقد محرر باللغة اللاتينية بترجمة عباراتها وهو يرددها فقاطعه رئيس الدائرة بقوله : انك تستطيع ان تعتمد على المحكمة فهي تعرف اللاتينية.

 

وعلى المحامي ان يتعفف الحديث عن نفسه ما استطاع لذلك سبيلا فقد يتعثر اذا تكلم كثيرا عن معلوماته الخاصة في الدعوى وخبرته الطويلة .

 

ويبدو الخطر واضحا اذا وقف المحامي موقف العداء من خصمه إذ المحامي الذي يفيض اخلاصا كثيرا ما ينسى نفسه ، ويعيش في دنيا قضيته ويحرص على مصلحة موكله حرصه على حياته فيخيل اليه ان خصمه عدو لدود له ، فيثور في وجهه كأنما ارتكب جرما في حق المحامي نفسه ومن الواجب تفادي الوقوع في هذا الشرك وإلا فقد استقلاله في الرأي ، واستعصى عليه ارشاد موكل الى الصواب وقد يصيبه الفشل ويعرض نفسه لخيبة الأمل ، ومن أجل ذلك فقد منعت التقاليد على المحامي أن يتقاضى أتعابه بنسبة فيما يحكم به.

 

إن العدالة في حاجة الى شرح الدعوى في هدوء واتزان دون ان تعكر الميول الخاصة بحرها الصافي فتصيب المحامي المترافع برذاذها ولذلك خلقت صناعة المحاماة .

 

ويستطيع المحامي البارع أن يعبر عن ذلك في اعتدال خال من الغلو وليس معني ذلك انه لن ينتصر على خصمه، فالوقائع تتحدث عن نفسها إذا عرضها في اسلوب خاص فني محكم وبذلك يستطيع المحامي أن يحرك عواطف القاضى ويثير اهتمامه وعلى العكس من ذلك فانه لن ينال من غلوائه شيئا.

 

          وإذا كان من غير الجائز أن ينال المحامي من خصمه ، فأولى به أن ألا ينال من زميله فكثيرا ما ينسى المحامون أنفسهم. فليتجنب المحامي هذه الطريقة الشائكة حتى ولو كان زميله هو البادي أولا أو هو الملوم ، فلعل المحامي يلوم زميله لأنه يراجع المستند بوجه عام أو أنه حرف في الاستشهاد من أحد المراجع أن انه ادعى واقعة مزعومة أو بدل تاريخها أو استند الى مبادئ قانونية باطلة.

 

           فمن واجب المحامي أن يتعلم كيف يفيد من هذه الهنات دون أن ينال من زميله فالمهنة شاقة وغير ميسرة فلا نزيدها تعقيدا بمشاجرات نثيرها بين الزملاء.

 

    إن المحامي يترافع ضد الخصم لا ضد محاميه فيقول مثلا أن السيد فلان (أي الموكل) طلب الى محاميه أن يترافع بقوله ... أو أن السيد فلان ترك محاميه يعتقد .....

 

وإذا أراد تصحيح الاستشهاد من المراجع القضائية عمد الزميل الى تحريفه  فليس من اللياقة أن يرمي الزميل زميله بسوء النية ، فيكفي أن يقول مثلا: إن المقطع الذي أخذه الزميل نقلا عن الحكم الذي يستند اليه، تعوزه فقرة لاشك انها اخطأت الزميل المحترم مع شدة انتباهه وحدة ذكائه، تمهيدا لتصحيح الخطأ في وضوح وجلاء وهو بذلك لن يخسر شيئا ولن ينال من احترام المحكمة ووقارها، ويكسب المحكمة بوقوفها الى جانبه، كما لا يفقد صلاته بزملائه، وكم هي عزيزة غالية. فاذا تخاصم محاميان فكيف السبيل الى اصلاح ذات البين بين الموكلين، وكيف يمكن ان يلجأ المحامي الى زميله عن طريق الرعاية والمجاملة التي هي الزم لكيان المهنة.

 

نختتم هذا الباب بتحذير المحامين الناشئين من الوقوع بين خطأين:

 

1 -  قراءة المرافعة.

 

2 -  ثم تلاوتها بعد حفظها.

 

ففي الحالة الأولى تعوزها الحيوية وتقض مضجع القاضي الذي يصيبه الضجر من الأوراق الجامدة ، وينظر اليها في شذر وفي تبرم وهو في انتظار الخاتمة.

 

اما في الحالة الثانية، فهي تبدو وكانها محفوظة وقد لا تأتي بالنتيجة المرجوة.

 

وفي كلا الحالين فان المحامي لا يكون طليقا متحررا من القيود التي يرسف فيها، وكأنك به حينما يوجه اليه رئيس الدائرة سؤالا أو يقدم له الخصم مستندا جديدا فقد يطير صوابه ويختل توازنه.

 

فمن الواجب أن تتسم المرافعة بالمرونة والحيوية وهو ما لا يجوز أن يغيب عن ذهن المحامي ابدا.

 

 

المرافعات الجنائية:

 

 

           كانت المرافعات الجنائية عند الاغريق وفي روما أهم عمل يقوم به المحامي ، إلا ان الأمر اليوم غيره بالأمس ولكن ما تزال هذه المهمة من أعظم المسائل وأجلها خطرا وابعدها اثرا في نجاح المحامي.

 

وان نجاح المحامي في القضايا الجنائية يرجع الى مواهبه في الاستفادة من الحوادث الطارئة في الجلسة وانه لمن العسير تحديد القواعد الواجب اتباعها في هذا الصدد والتي تختلف تماما عنها من الناحية المدنية . ولا شك ان براعة المحامي تتركز في طول باعه وقوة اقناعه .

 

وقد وضع الفقيه الروماني كنثيليانوس من القواعد ما يمكن ترسمها اليوم ، وقد شفعها بملاحظات على جانب من الأهمية، ولا يغب عن البال ان هذه القواعد هي كل شئ.

 

فالفن الحديث يتركز في اقناع المحكمة من أقرب الطرق وبأيسر الوسائل

 

هناك بعض اوجه الخلاف بين القضايا المدنية والجنائية:

 

1 – ضعف شأن النقاط القانونية بالنسبة لاجراءات المحاكمة فلا محل لاقحامها في المرافعة.

 

2 – اختلاف وسائل الاقناع فمدى التأثير امام هيئة المحلفين ابعد منه امام القاضي المدني.

 

3 – يستطيع المحامي في المواد الجنائية ان يكون اقرب الى اصابة الهدف في الاقناع منه امام المحكمة المدنية.

 

فالمحامي الواعي يعرف كيف يسترعي النظر دون الاستعانة بمذكرات المرافعة فكثيرا ما تتعرض القضية لتطورات مختلفة اثناء المحاكمة ولن تصدر المحكمة حكمها الا بعد سماع اقوال الخصوم فلا يجوز للمحامي ان يقع اسيرا لمذكراته التي لن تسعفه في هذا الجو الغريب العاصف.

 

ويبين مما تقدم أن الواجب يقضي على المحامي المترافع امام محكمة الجنايات مااستطاع لذلك سبيلا ان يكون قد حضر التحقيق. وبالجملة فان عليه ان يراجع ويستوعب كل ما كتب في هذا التحقيق مع الإحاطة بظروف الجريمة وملابساتها، وأن يلم بكافة التفاصيل، ثم يدون ملاحظاته الهامة التي يستند اليها في دفاعه ، ويستخلص منها النتيجة التي يهدف اليها.

 

إذا وقف المتهم من الجريمة موقف المنكر امام المحكمة فعلى المحامي أن يهدف قبل كل شيء آخر الى توضيح الظروف التي ان لم تشفع في براءته فانها على الأقل مما تثير شكوكها ويعاونه في ذلك خوف الهيئة من الوقوع في الخطأ الذي كثيرا ما يؤثر في اقتناع المحلفين.

 

وعندما يعترف المتهم بجريمته فعلى المحامي ان يتلمس له الاعذار التي ادت الى ارتكابه الجريمة ، وهو اذا نجح في اقناع الهيئة بحالة المتهم النفسية ، ووسائل الاغراء التي وقع اسيرا لها، فانه يكون قد كسب نصف الدعوى.

 

وفي سبيل قيام المحامي بواجبه على الوجه الأكمل عليه أن يتابع في انتباه تام كل ما يدور من مناقشات والبعد عن التدخل في غير حرص أثناء الاستجواب أو عند سماع شهادة الشهود، فان في ذلك ما فيه من الخطورة البعيدة المدى، إذ من غير الحكمة مثلا مناقشة شاهد أدى شهادته معلنا عداءه للمتهم في وضوح لأن نتيجة ذلك هو اثارة حفيظته، وحثه على تقديم أقصى ما يستطيعه لتدعيم أدلة الاتهام.

 

وفي هذه الحالة فان على المحامي ان يتناول الموقف كلما دعا الأمر الى تعليق خاطف يظهر فيه أوجه التناقض بين شهادته ومختلف الشهادات الأخرى، أما إذا كانت الشهادة في مصلحة المتهم فعلى المحامي ان يبين مدى اهميتها ويبرز هذه الأهمية في سؤال أو سؤالين يوجهما في لباقة ومهارة.

 

 وعلى المحامي أن يصغى منذ اللحظة الأولى التي يقوم فيها ممثل النيابة بواجب الدفاع الى كل كلمة يدلى بها في مرافعته دون أن يعير التفاتا الى أي شيء آخر، ليقف على  سر الخطة التي يسلكها الاتهام ويستجمع الادلة الداحضة التي يستند اليها في مرافعته بنفس القوة التي التزمها ممثل الاتهام وعلى المحامي قبل البدء في المرافعة ان يعد عدته ويستكمل وسائل دفاعه ما استطاع الى ذلك سبيلا. تتجلى براعة المحامي وقوة باعه امام محكمة الجنايات حين يسرد وقائع الاتهام ومحك هذه القوة يتركز في قوة إقناعه أولا وقبل كل شيء، في سبيل عرض هذه الوقائع وحتى يتمكن من إقناع المحكمة، فعليه أن يتبنى الدعوى ويمنحها كل قلبه وشعوره، ويحرك من عواطفها بقدر مايثيره من عوامل الرحمة وروح التسامح إذا استدعي الأمر ذلك. وهكذا يرتفع بمستوى الدعوى بما يفيد منه الموكل ومن عوامل النجاح التي تدفع بها الى الأمام في ذلك الطريق الذي يسلكه المحامي حين يعرض لحياة الموكل والأسباب البعيدة التي ادت الى ارتكاب الجريمة والوسائل التي أغرت به والبواعث التي دفعته اليها، والصورة التي يصورها للبيئة التي نشأ بين ربوعها وعاش في احضانها ومدى الالم الذي تعرضت له اسرته بعد ارتكاب الجريمة والبؤس الذي تردت فيه.

 

 كما يجب ألا يغيب عن ذهنه لحظة واحدة تطبيق المبدأ القائل : على المحامي ان يتشبث بالناحية النفسية عند المتهم وهو يستقصي ظروف الجريمة التي ارتكبها وهو عندما ينتهي من شرحها بما أوتي من قوة البيان الذي يفيض به قلبه ويعن عنه لسانه وتتحدث به عواطفه وتزخر حيويته، فانه يكون قد سلك احسن الطرق واعتصم باعظم وسائل الاقناع.

 

وإذا استعصى على المحامي النجاح وخاصة في الدعوى الشائكة فلا يفوته ان يسجل ما يعيب الاجراءات التي اتبعت في الدعوى، ويتعين عليه أن يعد عدته لذلك بادئ ذي بدء ويدون ملاحظاته عنها ويضع النقط فوق الحروف لتدل عليها ويعد المذكرات التي يتمسك فيها بطلب اثباتها.

 

 ولا يجوز ان يفوته ايضا التقدم الى هيئة المحلفين طالبا العفو اذا تطلب الأمر ذلك.

 

وكثير ما يطلب الى  المحامين الناشئين بطريق الندب ، الدفاع في قضايا عديمة الأهمية فتدب في نفوسهم روح اليأس حين يدافعون عن متهم بسرقة سبق الحكم عليه في عدة جرائم مماثلة أو عن قاتل تفيض صحيفة سوابقه بالعديد من الجرائم مما يتعذر معه ان يؤخذ بالرأفة  وليس معنى ذلك ان يقفوا مكتوفي الأيدي ويتقدموا بدفاع هزيل لا حياة فيه ، لأن المجرم مهما يمكن عريقا في الإجرام،فحق الدفاع عنه واجب مشروع.

 

        ويستطيع المحامي النابه الذي يتعشق مهنته في أقل الدعاوى شأنا أن يجد امامه الفرصة السانحة ليقوم بمهمته كاملة.

 

إن ما سبق أن المحنا اليه فيما تقدم يتعلق بالجرائم الكبرى التي تعرض على محاكم الجنايات وهكذا الأمر بالنسبة للمحاكم العسكرية التي يكون من ختصاصها الحكم في الجرائم التي تعرض عليها، فالموقف واحد لا يتغير الا بالنسبة لأفراد الهيئة فانهم عسكريون من الميسور اقناعهم والتأثير عليهم شأنهم في ذلك شأن هيئة المحلفين.

 

وامام محكمة الجنح – فعلى العكس- يجب الا يفوت المحامي ، ان الهيئة مكونة من قضاة والدفاع امامهم شأن الدفاع في المواد المدنية، ويستطيع المحامي ان يشق طريقه امامهم، ويحرك عواطفهم وخاصة عند تقدير العقوبة المطلوب تطبيقها.

 

 

المرافعة امام الهيئات الادارية:

 

 

ان المحامين المقيدين امام المحاكم الابتدائية والاستئنافية في فرنسا لا يترافعون امام مجلس الدولة، غير انه في بعض الدعاوى التي لا يستلزم حضور المحامي

 

 

 

امامها يجوز لهم أن يعدوا المذكرات والعرائض التي يوقع عليها الموكلون بأنفسهم.

 

وعلى العكس من ذلك  فان المحامين كثيرا مايترافعون أمام مجالس المديريات ولا يغير من الأمر شيئا في تقرير احالة هذه الدعاوى الى المحاكم العادية مادامت الاجراءات واحدة لا تتغير وهي جـد ميسرة وتسمح للمحامي بتقديم العرائض والمذكرات دون حاجة الى معاونة وكيل الدعاوى. والمرافعة امامها بالكتابة ويسمح القانون بابداء ملاحظات شفوية.

 

وهذه ملاحظة جديرة بالعناية اذ يفوت بعض المحامين ان الدفاع اساسه المذكرات التحريرية ويقوم المستشار الملخص بتلاوة تقرير عنه ومع ذلك فان المحامي يترافع طويلا في غير جدوى بما يخالف الأوضاع المقررة قانونا.

 

ان المرافعة اذا كان لازمة فبالقدر الذي يعتبر تتمةلأوجه النقص الذي لم تسجله المذكرات، ولذلك فانه يكتفى بملاحظات سريعة خالية من سرد الوقائع التي يفترض علم القضاة بها أما المناقشة فتوضح خطوط الدفاع التي ترسمها المذكرات، ولذلك فانه يكتفى بملاحظات سريعة خالية من سرد الوقائع التي يفترض علم القضاة بها. أما المناقشة فتوضح خطوط الدفاع التي ترسمها المذكرات ويثبتها قوة البيان. وهذا لا يكون دائما سهلا ميسورا فقد يقع المحامي في حيرة بين ما يجب  او ما لا يجب أن يكون.

 

 

وفي سبيل ذلك يجب الاستعانه ببعض القواعد

 

 

1  -  اذا تطلبت الدعوى احالتها الى التحقيق فيتعين التزام حدود الايجاز، بل انه يكون من المستحسن تركه جانبا وخاصة إذا كان الخصم لا ينازع في الوقائع او يوافق على تعيين خبير فيها. أما اذا اعترض على ذلك بانه لا جدوى منه مثلا من ناحية الوقائع او مخالفته للقانون فيكتفى بمناقشة هذه النقطة وحدها في أضيق حدودها.

 

2 – اذا كانت المرافعة عقب تقدير تقرير الخبير فيعمل المحامي على تلخيص نتيجة التقرير،في عبارات لا يفقد من قوتها شيئا، وخاصة إذا كانت في صالح الموكل مع تفنيد اعتراضات الخصم عليها أما اذا لم تكن في صالحه فيدحضها بطلب تقديم تقرير خبير استشاري مثلا وبالجملة، فانه لابد من الايجاز في هذا السبيل.

 

 

 

 

 

 

 

 

4) الاستشارة

 

 

مباديء عامة:

 

 

سبق ان اشرنا الى ان الاستشارات على انواع ثلاثة :

 

 

1 – الاستشارات التي يوجبها القانون تنويرا للعدالة في مسائل معينة كطلب اعادة النظر مثلا.

 

2 – استشارة تحريرية تدون في مذكرة او في تقرير يهتدي به في تقوية دعائم دفاعه.

 

3 – الآراء والنصائح المختلفة التي يقدمها المحامي لموكله شفويا في بعض المناسبات او يرسلها اليه في كتاب يستجلي فيه بعض النقاط القانونية المتصلة بأعماله  أو وهو بصدد ازجاء النصح له ليرفع دعوى او يستغني عنها.

 

 

          ويزداد الاهتمام بهذا النوع من الاستشارات على مر الأيام وها هي الوثائق التشريعية واللوائح وأحكام القضاء يفيض معينها، وقد اصبحت المسائل القانونية في حياة الشركات التجارية والادارات والمصارف، وغيرها من الأمور الهامة التي لا بد من الوقوف عليها باستعانة الأفراد والهيئات فيه بخبرة المحامي وعلمه.

 

وان من مصلحة المحامي ان يكون المستشار الدائم لموكله لحمايته من الوقوع في اخطاء لا يعرف مداها، وليحول بينه وبين الوقوع في أيد غير امينة  او اشخاص تعوزهم المعرفة.

 

اننا لن نذكر هنا شيئا عن النوع الأول من الاستشارات فهي جد نادرة، اما النوعان الآخران  فاننا نوجه بعض النصائح عنهما.

 

 

الاستشارات التحريرية:

 

 

             انه لا يجوز ان يغيب عن ذهن المحامي انه مسئول ولو من الناحية الأدبية عن استشارته ومسئوليته ترتفع وتزداد خطورة كلما كانت الاستشارة بالكتابة، إذ الجمهور أكثر ما يكون ثقة واطمئنانا الى التحريرية منها الى الشفوية. فالخطأ في الفهم وعدم الاحاطة بالوقائع أو التعثر في تطبيق النصوص القانونية على وقائع الاستشارة المكتوبة، التي يجب أن تتسم بطابع اليقين، والقول الفصل فانه يكون من قبيل الخطأ الفاضح الذي ينم عليه.

 

والرأي المكتوب، يستقر في الذهن كالنقش على الحجر، أما الآراء الشفهية فتتبخر مع الزمن كماء البحر، ومجال الصفح فيها أوفى وأعظم .

 

ومن ثم فان على المحامي أن يلتزم جانب الحرص وهو يحرر استشارته فيبدأ بوضع النقط فوق الحروف ويحيط بموضوع الاستشارة احاطة دقيقة، وينتهي الى استعراض الوقائع وردها الى اصولها من المستندات التي ينسج منها خيوطها، او يشيرالى مصدرها من علم الموكل اذ هي لا تستمد قوتها الا من معين الوقائع الصحيحة، التي تكون صدى وعلى المحامي وهو بصدد دراسة الناحية القانونية أن يستوفي المسألة بحثا حتى لا يفوته الاحاطة بجميع العناصر اللازمة لاستخلاص الرأي القانوني وهو في سبيل ذلك قد يغرق في فيض من القوانين واللوائح  ويتعثر في فيض من النصوص القابعة في خبايا الزوايا  ، وفي احكام القضاء المبعثرة هنا وهناك، ومن السهولة بمكان ان يخلع عليها ثوب النسيان ذيله ، وقد يزل اعظم الفقهاء شأنا في هذا الميدان ، الذي ليس كله وردا وريحانا.

 

              وهناك هنة أخرى إذ الاستشارة لا تكون محل مناقشة او تمحيص، وكثيرا ما يعتمد المحامي على أقوال الموكل، فيقدم له استشارة تبدو أنها في صالحه في غير كثير عناء فاذا ما تقدم بها للقضاء تكشف له عدم صلاحيتها. فلابد له من التحقق من صحة الوقائع، حتى تأتي الاستشارة بالغاية المرجوة منها. وليس من شك وجوب مراعاة مصلحة موكله اولا وقبل كل شيء. فاذا كان الموضوع متراوحا، فليس ما يمنع من أن ينفخ فيه من روحه، ويتلمس من الأسباب التي تشفع في ترجيح ادلتها، على ادلة خصمه – هذا إذا كانت الاستشارة مطلوبا عرضها امام القضاء، اما إذا كان طلبها في سبيل التداعي او لمعرفة أي العقدين صحيحا من الوجهة القانونية، فلابد من أن يسلك سبيل الحذر، فلا يفرط في التفاؤل بل يوقف موكله على حقيقة الاخطار المحدقة بموضوع دعواه ويرشده الى ايسر الطرق واحسنها.

 

       وعلى المحامي ان يتحاشى في استشارته تأييد رأي مرجوح او الأخذ برأي لا تقوم على أساس فذلك اخطر في الدفاع من تبني قضية خاسرة.

 

ويجب ألا يقدم استشارتين متناقضتين في موضوع واحد ، وأن يؤيد ماسبق ان اعرض عنه مما يجعل محاميا فجا متخاذلا، وقد يتعرض في هذا الشأن لخطر من نوع خاص، كذلك الذي يعرض له المحامي الذي يضع مؤلفا في القانون يتضمن بحثا بتعارض مع رأيه في الدعوى، فلن يفوت المحامي الخصم ان يقدم نسخة من كتابه للمحكمة فيتعين لذلك الا يقبل الدفاع في دعوى له فيها رأي فقهي مخالف. وعليه إذا لم تسعفه ظواهر الأمور أن يعمل على تغطيتها.

 

كان "بايي" من أبرع المحامين الذين ضربوا بسهم في هذا الميدان، حين لم تكن شخصيته في قضية ما معروفة من محامي خصمه الذي كان يقوم بتفنيد نظرياته التي ينادي بها في مؤلفاته، عن براءات الاختراع والعلامات التجارية، ولكن سرعان ما أنزل عليه وابلا من حممه ووصفه بأنه لم يفهم مما ذكره شيء، في الوقت الذي تراه يقدم فيه للمحكمة من الأدلة والأسانيد القاطعة من واقع كتبه ما يجعله يكسب بها دعواه ويلقي بالخصم بين أحضان الفشل.

 

 

الاستشارات الشفوية:

 

 

                 اصبحت هذه الاستشارات جزءا من حياة المحامي اليومية، إذ يقدم العديد منها كل يوم . ونوصي ببعض النصائح في هذا الصدد:

 

1 – لا تتعجل الأمور في سرعة الافتاء وان كان ذلك لا يصادف هوى في نفوس البعض ممن لا يعجبون بالمحامي الذي لا يكون كالبرق الخاطف في الادلاء برأيه وللتحلل من هذا الحرج، فان المحامي يستطيع في شيء من اللباقة ان يستمهل موكله دون أن يحس الأمر، فيطلب اليه احضار بعض المستندات كوثيقة الزواج مثلا، أو العقد اساس النزاع، وفي خلال ذلك يستطيع ان يقلب اوجه الرأي ويعطي الموضوع حقه من العناية 0  

 

2 -  انه لا يساورك ادنى شكل في أن الموكل إذا كان احاطك بشيء، فقد اخفى عنك اشياء  فعليك أن تراجعه حتى تكشف عما وراء الستار وإذا حاول أن يصغر من شأن احدى النقاط فاطلب اليه ان يقص عليك من خبرها ما يكون فيه مفتاح الأمور.

 

3 – لا تجعل رأيك قاطعا في مصلحة الدعوى لأنك لن تنجو عند الفشل  من اتهام الموكل لك باساءة النصح، وربما رماك بسوء النية بل عليك ان تلزم جانب التحفظ الذي قد يؤدي الى حمل الموكل على التفاهم مع خصمه، بما يتفق ومصلحته وان رأي ان يسير في طريقه فلن يسمع جديدا اذا خسر دعواه، وان قدر له ان ينتصر فقد تكون  مفاجأة سارة 0

 

4  - عليك كلما استطعت ان تسجل حديثك مع موكلك ، والرأي الذي ابديته له حتى تتفادى اعطاء آراء متناقضة في المسائل المختلف على الرأي فيها، مما قد يعرض الثقة فيك الى الضياع0     

 

5 – من الموكلين من يسترسل في سرد قصته بطريقة لا تتصل بصميم الموضوع، فعليك ان تستدرجهم اليه طبقا لخطة موضوعه على النحو الأتي:

 

هل القضية مدنية ام تجارية أم ادارية أم جنائية ؟

 

من الذي يهمه أمر الدعوى انت ام غيرك ؟

 

من هو هذا الشخص ؟

 

من هو الخصم وما صفاته ؟

 

هل لديك مستند ؟ هل تستطيع احضاره ؟

 

هل انت مدع ام مدعى عليه ؟

 

ما الذي تطلبه ؟

 

بماذا يطالبونك ؟

 

فاذا اصر الموكل على الخروج عن موضوع الدعوى فوجه نطره الى أن الذي يهمك قبل كل شيء هو معرفة الخطوط العريضة في الدعوى، أما بالنسبة للتفاصيل فاطلب منه تقريرا مسطورا، تتمكن من الاطلاع عليه في هدوء وتؤده.

 

 

 

5 ) التصالح والتحكيم:

 

 

التصالح:

 

         ان اول واجبات المحامي قبل ان يضطلع بأمانة الدعوى أن يعمل على انهائها صلحا لأن تقاليد المهنة وقواعدها تقضي بألا يدفع بالموكل الى ساحة القضاء كلما وجد الى الصلح سبيلا. ويحسن الموكل صنعا لو انه اتجه الى مكتب المحامي الثقة الأمين قبل ان يحزم امره بالالتجاء الى وكلاء الدعاوى الذي لا هم لهم إلا أن يضعوا ايديهم على أكبر عدد من قضايا الموكلين.

 

ولكي يتمكن المحامي، من اقناع موكله بالتصالح مع خصمه، فان عليه ان يضع اخطار القضية واعباءها، ومصاريفها امام عينيه ويقدم له النصح خالصا من تجاربه ويوضح له الى أي حد يفضل الصلح اقامة الدعوى والتعرض لصراع طويل من ساحات المحاكم، وربما حالفه سوء الطالع فيخسر دعواه، على الرغم من احتمال كسب الدعوى.

 

وعلى المحامي منذ الوهلة الأولى  حيث موكله على انهاء الدعوى صلحا، فاذا وافق يتصل بالخصم او بمحاميه، حين يصبح الأمر اسهل وأيسر.

 

      وبعد أن يقف المحامي على مدى التجاوز الذي ينتهي به الصلح ، فانه يسعى الى التوفيق بينهما، وقبل البدء في ذلك، فلابد من بحث تفاصيل الاتفاق وتسجيلها كتابة في شكل عقد عرفي يوقع عليه الطرفان او عن طريق خطابات متبادلة يوقع عليها كل منهما، والطريق الأول يلجأ اليه احيانا في المواد المدنية اما الحل الثاني فيكتفي به في المواد التجارية.

 

ولابد أن يحاط المحامي علما بمسائل التسجيل والشهر حتى لا ينص في العقد على ما يثقل كاهل الموكل من ضرائب مبالغ فيها. كما أن عليه أن يشير بما يتبعه الموكل لسداد ما يطلب اليه من رسوم في غير غش أو تدليس. فاذا لم يكن على علم كاف بها فعليه أن يستنير برأي من كان على علم. وانك لتجد في المدن الكبرى من خبراء المحاسبين وخبراء الضرائب ما يستطيعون ان يؤدوا خدمات مماثلة للمحامين مقابل اشتراك معين ، فيقصدونهم كلما دعت الضرورة الى ذلك.

 

 

التحكيم:

 

              ان التحكيم يعفي الموكل من بدء الاجراءات القانونية وفداحة المصاريف القضائية شأنه في ذلك شأن التصالح سواء بسواء.

 

ولا يكون التحكيم الا حينما يستعصي التوفيق ، وعلى الرغم من أن هذا الاجراء لم يجد مجاله من الذيوع والانتشار فقد اصبح متبعا عندما يقنع محامو الخصوم موكليهم بقبول مبدأ التحكيم فان على المحامي ان يركز عنايته في تحرير عريضة التحكيم، مستعينا في ذلك بالمراجع الخاصة، والرجوع الى مواد القانون المدني والمرافعات المدنية بما ييسر له السبيل، ويجب ان لا ينسى ان اجراءات التحكيم ليست من السهولة كما يعتقد البعض، ولابد من ان تأخذ للأمر اهبته حتى تتفادى الوقوع في منازعات جديدة ونشير باتباع الاتي:

 

 

1 – ينص في عريضة التحكيم على أن قرار المحكمين يكون نهائيا ولا يجوز استئنافه مع الاعفاء من كل اجراء شكلي.

 

2 – بعد صدور القرار يعمد المحامون الى الحصول على توقيع الخصوم بما يفيد قبوله والموافقة عليه.

 

3 – العمل على أن يستوعب القرار جميع عناصر النزاع فلا يترك ثغرة إلا ملأها.

 

 

6 ) الأعمال المهنية القانونية وملحقاتها:

 

 

تحرير عريضة الدعوى والمذكرات:

 

 

        يتضاعف عمل المحامي يوما بعد يوم متعديا ذلك نطاق المواد المدنية من اعداد عريضة الدعوى وتحرير المذكرات ، وهو كلما استطاع انجاز ذلك كانت مهمته ميسرة ، فتلتقي وجهة نظر واحدة، وإذا حضرت الدعوى عن طريق وكيل الدعاوى ، فمن الواجب ان يتفق معه على انتهاج خطة موحدة  ، ليتفادى الوقوع في الزلل.

 

ان في قانون المرافعات المدنية ما يكفي لارشاد المحامي الى الطريقة التي يدبج بها عريضة الدعوى.

 

 

 وتقتصر على لفت النظر الى المسائل الاتية:

 

 

1 -  يجب ان تجمع عريضة الدعوى الى الايجاز والاعجاز ، وان يكون في ميدان المذكرات متسع لشرح التفاصيل من الناحيتين الموضوعية والقانونية.

 

2 -  لا يجوز حصر النزاع في حدود ضيقة بل يجب أن يترك الباب مفتوحا لما عسى ان يقع مستقبلا.

 

3 – يجب أن يكون متيقنا لموضوع قيد الدعوى وأن يتفادى في العريضة الاشارة الى ما قد يترتب عليه من ضرائب بأنواعها.

 

4 -  يجب ذكر من يمثل الموكل كلما تعذر وجود وكيل دعاوى، غير انه في الحالة التي يسمح فيها للمحامي بتمثيل الموكل فلا مانع من ذكر اسمه في صدر العريضة باعتباره وكيلا عنه ، ممايسهل لوكيل الخصم الاتصال بمحامي المدعي للتفاهم معه، وابرام الصلح كما يسهل للمحامي مهمته في تسليم الاوراق اللازمة لقلم الكتاب إذا استدعى الأمر ذلك.

 

ومن ناحية تحرير المذكرات ، فتتبع الطريقة الخاصة في اعداد المرافعة  يجب الا تكون مذكرة مرافعة مكتوبة وخاصة في المواد المدنية بل انه من المتعين ان تحوي كافة وسائل الدفاع وتنتهي بالطلبات التي يطلب من المحكمة الحكم فيها، مع تجنب الافاضة في سرد الأدلة ويكفي تسجيلها في ايجاز واضح.

 

وإذا تعددت موضوعات المذكرة بما يستتبع تشعب اوجه الدفاع فانه يجب فصلها بعضها عن بعض بطرق واضحة مفهومة.

 

 

حضور المحامي امام الخبراء:

 

 

          يمكن القول بأن الدعاوى اكثر ما يكتب لها النجاح او الفشل يكون في ميادين الخبرة لا في ساحة المحاكم، لأن ثقة القضاة معقودة برجال الفن مما يستلزم من المحامي أن يمنح هذا النوع من النشاط كل اهتمامه.

 

فمن واجبه اولا – ان يعد المستندات التي يقدمها للخبير اعددا يتسم بطابع الجد. ومهمته جد يسيرة ، فان كان قد اعد اعدته للمرافعة  بالدعوى ، فما عليه إلا ان يسلم اليه الملف كاملا ، ومعه صورة من منطوق الحكم التمهيدي الذي أوجب القيام بالمأمورية.

 

 

 ولا يغيب عن ذهنه ان يسجل في المذكرة التي يقدمها اليه:

 

1 –  الخطوط الكاملة لدقائق المأمورية طبقا لنصوص الحكم.

 

2 -  خلاصة وافية لموضوع النزاع التي سيقوم بمباشرتها.

 

3 -  تعداد وإيضاح تفاصيل المهمة.

 

4 -  لفت نظره الى المستندات الهامة التي ينطوي عليها الملف وشرحها كلما اقتضى الأمر ذلك.

 

وعلى المحامي او من يندب عنه ان يحضر امام الخبير، لأن في ذلك اشباعا لكبريائه فضلا عن المعاونة في توضيح الأمور ووضعها في نصابها بما لا يدع مجالا للوقوع في الزلل.

 

والضرر الذي يتعرض له المحامي في هذا الصدد هو الوقت الطويل الذي يمضيه في الحضور أمام الخبير ولذلك فانه ينيط به وكيل الدعاوى الذي كثيرا ما يكلف أحد عماله وقد يكون مجردا من التجارب، مما يستلزم من قدامى المحامين ان يختاروا معاونيهم ومستخدمي مكاتبهم من ذوي المؤهلات الذين  يمكن الركون اليهم والاعتماد عليهم في مثل هذه الأمور.

 

 

حضور المحامي اجراءات التحقيق:

 

 

        اصبح للمحامي الحق في حضور جميع اجراءا ت التحقيق على اختلاف انواعها وهو حق لم يثبت له قبل ذلك ولا شك ان في حضوره فائدة جلية، لأن المهارة فيما يلقيه من اسئلة على بعض الشهود، قد يؤثر في تحديد أوجه الشهادة ويزيد من فرصة كسب الدعوى. ويترتب على وجود المحامي في المعاينات التي تقضي بها المحكمة افساح الطريق امامه لتنوير العدالة في قضيته الى مدى ابعد مما يستطيعه في جلسة المرافعة، فان ذلك مما يعنيه كثيرا، وهو بمثابة صمام الأمان لموكله في المعاينات فلا يدعه يتعثر او تنزلق قدمه، مع امكان مناقشة الشهود  0

 

اما حقوق وواجبات المحامي امام قاضي التحقيق، فقد نص عليها في القانون الفرنسي الصادر في 8/12/1897 ونورد فيما يلي بعض التوجيهات:

 

1 – يجب ان يقف المحامي على تفاصيل النزاع الى ما قبل التحقيق باربع وعشرين ساعة على الأقل ليعرف المصير الذي قد ينساق اليه ولابد من مناقشة الموكل بعد دراسة ما في الأوراق.

 

2 – ليس من الجائز ان يلفت المحامي نظر الموكل الى انكار الوقائع الصحيحة، وتقرير ما يتجافى مع الحقيقة. ففي ذلك ما فيه من خيانة صارخة لقواعد المهنة التي تقوم على اساس معاونة العدالة.

 

وليس من شك في أن كل مايطلب من المحامي هو العمل على تبرئة الموكل ولكن في غير تشويه للوقائع ، وتلفيق لأقوال الشهود واعانة الموكل المنكر للجريمة، بوسائل غير مشروعة فان ذلك مما يفقده ثقة القضاة.

 

3 – لا يجوز تدخل المحامي في التحقيق الا بحذر وعلى قدر، ولا يغيب عن ذهنه انه لا يستطيع الكلام الا بعد استئذان المحقق وحتى موكله اذا رأى انه سيتعثر، فلا يطلب اليه السكوت الا باذن ولا يجوز ان يجيب نيابه عنه وانما له ان يطلب الى القاضي ان يحدد الأسئلة ويوضحها.

 

4 – ولا يلبث دور المحامي ان يكون هاما عند تقرير حضور الخصوم او الشهود لمناقشتهم ومواجهتهم وانها لفائدة جلى ان يقابل القاضي قبل التحقيق ويسلمه بيانا بأسئلة يرغب في توجيهها للخصوم أو الشهود، كما ان من حقه ان يوجه اسئلة جديدة اثناء سير التحقيق، بعد ان يستأذن قاضي التحقيق في ذلك.

 

وانه لا طائل من تعقب شاهد الاثبات الذي يعلن عداءه للموكل بأسئلة يأخذ بعضها بخناق بعض بل من المستحسن ان يترك له العنان فيخبط خبط عشواء ويلقى بأقوال متضاربة يناقض بها نفسه وتتعارض مع اقوال غيره من الشهود  وطرفي الخصوم.

 

وعلى المحامي ان يطلب تحقيق ما يرى وجود تحقيقه لمصلحة موكله واذا تطلب الأمر تسجيل ذلك في عريضة حتى يكون سلاحا في يده بجلسة المرافعة.

 

 

تم بعون الله وحمده

 

 

 ---------------------------------------

 

 

 

 

 نقابــــــة المحاميــــــن

 

 معهــــــد المحامــــــاة

 

 

 

 

 

 

محاضـــرة عــن

 

المقدمـــة فــى أصــول المرافعـــة

 

والمدخـل فـى كتابـة المذكـرات

 

 

 

 

 

للأستـــاذ / زكريـــا إدريــــس

 

                     المحـامــى بالنقـــــض

 

                                                               

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

(1)

 

المقدمــة فــى إصـول المرافعــة

 

-------------

 

 

أولاً : فى إقتناع المحامى بعدالة قضيته

 

      ****************

 

-                               المرافعة هى الدفاع الشفوى الذى يقدمه المحامى أمام القضاء لبيان وجه الحق فى موقف موكله فلا يكفى أن يكون المحامى فصيحاً عالى الصوت حتى يصلح للمرافعة ، وإنما أصبحت فناً له قواعده وأصوله يقوم على الدراسة والممارسة إكتشاف أسراره وهى السبيل المباح للإعلان عن كفاءة وقدرات المحامى الذى يحافظ على تقاليدها .

 

-                               ويعتبر إقتناع المحامى بعدالة قضيته هو اللبنة الأولى فى بناء مرافعته لأنه يفجر فيه طاقة التحدى فينطلق فى الإعداد لها بإيمان وصدق ويتسرب إقتناعه عند المرافعة إلى وجدان قاضيه فيكسب تعاطفه ويضمن إنتباهه إليه حتى الإنتهاء منها .

-                               وهناك فرق بين المحامى الذى تنطلق مرافعتهمن صميم قلبه وأخر يردد عبارات رتيبة باردة لا تجد طريقها إلى قلب ووجدان القاضى . (1)

 

ثانياً : الإعــداد للمرافعــة

 

  **************

 

فإذا ماخلص المحامى إلى عدالة قضيته بدأ فى الإعداد لمرافعته فيها ويقتضى هذا الإعداد التفرغ للبحث والدراسة وعدم الإنشغال خلالهما لتوفير القدرة على التركيز وانسياب الأفكار ولاتختلف طريقة إعداد المرافعة فى القضية بإختلاف موضوعها أو بإختلاف المحكمة التى سوف يدلى بها أمامها إنما تخضع جميعاً لقواعد عامة توجز فى :

 

1)    أن هدف المحامى من مرافعته هو إقناع القاضى بعدالة موقف موكله وتطابقه مع القانون وتغليب وجهة نظره على وجهة نظر الطرف الأخر فمن ثم تعين عليه أن ينقب فى أوراق ومستندات الدعوى بحثاً عن أوجه القوة والنجاح فى موقف موكله فيعمل على إبرازها ودعمها بالإسناد القانونى وكذلك البحث عن مواطن القصور والضعف فى موقف خصمه فيعمل على كشفها وتركيز هجومه عليها ثم تدويين الشوارد والأفكار التى ترد على خاطره بمناسبة القراءة وتحديد المؤلفات والمراجع التى يتعين الرجوع إليها .

 

 

1)    التطبيقات العملية فى المحاماة لمؤلف صــ22 وما بعدها .

 

2)    المدخل فى كتابة المذكرات للمؤلف .

 

(2)

 

2)    مراجعة القيد والوصف للتأكد من عدم إنقضاء الدعوى بمضى المدة ومن إختصاص المحكمة محليا وولائيا وأن يراعى عند تجديد الحبس الإحتياطى أن تحتسب المدة التى قضاها المتهم مقيد الحرية منذ القبض ضمن مدة الحبس الإحتياطى وليس من تاريخ صدور قرار الحبس وكذلك المدد التالية وفقاً لأحكام القانون وإلا حق للمحامى الدفع بسقوط الحبس الإحتياطى ويكون له طلب الإفراج عند إنقضاء مبررات الحبس .

 

 

3)    تنقية موقف موكله مما يكون قد علق به من شوائب حتى يظهر الحق فيه جليا للعيان والبحث عن دليل فى جملة عارضة أو توقيت زمنى متناقض فغالباً ما تتضمن الأوراق أدلة
البراءة والإدانة معاً وكذلك الحجج التى تؤيد الحق وتنفيه والإنتهاء إلى تحديد مقاطع النزاع
فى الدعوى .

 

 

4)    ويبدأ الإعداد لخطة المرافعة فى النمو مع التقدم فى مرحلة القراءة وتدوين الخواطر وتتبلور معالمها بعد الإنتهاء منها ويصبح لدى المحامى مجموعة خواطر التى وردت بذهنه بمناسبة قراءة ملف الدعوى بالإضافة إلى الأفكار التى حصلها عند رصد المبادئ والأحكام ومن ثم يخلد إلى  مرحلة التمحيص والحوار الداخلى وينتهى بمرحلة الإبداع وتحديد خطة المرافعة .

 

 

ثالثاً : المرافعة فى الدعوى

 

   ************

 

أ‌)       ليست المرافعة غزارة علم أو زخرف كلام ، إنما حياة الدفاع فى طريقة عرضه وحسن إختيار الأدلة ودقة ترتيبها وفى تصوير الدعوى والردعلى أوجه دفاع الخصوم وخير المترافعين هو الذى يستطيع أن يستقرئ ميول القاضى ويتابع تفكيره ويسبقه إلى مايقع فى نفسه من الخواطر والإلهامات مما يؤدى إلى المزاوجة بين طرق الإقناع والإقتناع التى من شأنها أن يتبعها قبول حسن من القاضى لرسول صاحب الحق  (3)  .

 

    

 

-       وتقوم المرافعة على الإسناد القانونى والتدليل المنطقى وقرع الحجة وقوة البيان وثبات الجنان والاستعانة – بقدر- بالتأثير العاطفى لإستدرار عطف القاضى أو إثارة غضبه حسبما يتراءى للمدافع تمشياً مع وجهة نظره  (4) .

 

 

-       ويتعين أن يكون المرافع يقظاً حاد الذهن واسع الصدر والحيلة عند إستجواب المتهمين لحماية موكله وعند مناقشة الشهود لمحاصرة الملفقين وشهود الزور حتى تظهر الحقيقة فينكشف البطلان
ويتحصل على البراءة .

 

 


3)     المحاماة كما عرفها الأستاذ / أحمد رشدى المحامى " الكتاب الذهبى للمحاكم الأهلية " ج2 صـ144

 

4)     المرافعة للأستاذ / حسن الحداوى المحامى المرجع السابق صـ153

 

(3)

 

ب‌)  الإرتجال فى المرافعة هو قمة البلاغة القضائية ولا توجد مرافعة بغير إرتجال – وقد إستطاع نقيب المحامين الفرنسى الشهير – لاشو – أن ينقذ رأس موكله فى قضية يائسة بعد دفاع مرتجل ملتهب عندما مس النائب العام كرامته وهو يعقب على مرافعته .

 

 

-       ويعتمد الإرتجال بالدرجة الأولى على حضور البديهة التى هى بطبيعتها هبة من عند الله لذلك يلجأ الكثيرون ومنهم بعض الكبار إلى كتابة مرافعاتهم قبل الجلسات بلغة المرافعة وهى لغة تختلف فى طبيعتها وأسلوبها عن لغة المذكرات التى تكتب لتُقرأ فيضع المترافع لنفسه فى هذه المرافعة التى تبدو طبيعية تصوراً للدفاع لا يحيد عنه ثم يقوم بالتخديم عليه أثناء المرافعة بما يناسب الحال من رصيده المختزن من المقدمات أو النهايات المرتجلة  (5) .

 

 

-       وليــس المقصـود بالإرتجــال فـى المرافعــة أن يذهــب المحامــى إلـى المحكمــة خالــى الوفــاض دون تحضيــر لدفاعــه  فيمــا عـدا بعــض كلمــات مسجوعــة يتلقــاها مـن المتهــم أو يلتقطهــا مـن مناقشــة الشهــود ثـم يــرددها بطريقــة مسرحيــة لإستقطــاب الجمهــور بالجلســة فينــال إحتقــار المنصـة ويتسبـب فـى إحـراج المحاميـن الحاضريـن (6) .

 

 

-       وأنمــا المقصــود بالإرتجـال أن يكــون المحامــى قـد بحــث قضيتـه مـن جميــع الأوجـه ووضـع خطتــه لإبـداء دفوعــه ودفاعــه فـى شكـل وموضــوع الدعــوى ثـم خلـد إلـى السكــون ليتخيـل وقـع هــذا الدفــاع علـى المحكمــة والخصــوم فـإذا رضــى عنـه تـرك لنفســه حريـة صياغــة الأفكــار وإختيـار العبــارات والكلمــات المناسبــة عنـد المرافعــة الأمــر الــذى يمنحــه سهولــة الحركـة فـى مرافعتـه ويمكنـه من تعديـل خططـه لمواجهـة المتغيـرات والمفاجـآت التـى قـد تحـدث أثنـاء نظـر الدعــوى .

 

      

 

ت‌)  وقد جرت العادة على تقسيم المرافعة إلى مقدمة أو تمهيد ثم عرض للموضوع يليه المناقشة وهى لب المرافعة أو جوهرها .

 

 

-       وخرج البعض على هذه العادة فلم يأبه بالمقدمة ولم يقسم المرافعة إلى قسميها التقليدين – العرض والمناقشة – إنما كان يسوق الوقائع ويناقشها معاً حتى إذا إنتهى السرد سقطت أدلة الخصم من نفسها والاستناء لا يقاس عليه .

 

 

5)    لغة المرافعات للأستاذ / زكى لمريبى المحامى المرجع السابق صـ169

 

6)    " فى كواليس المحاماة " للمؤلف صـ65 وما بعدها

 

(4)

 

رابعاً : الأسلــوب واللغـــة

 

      ************

 

يتعين أن يطابق اللفظ المعنى وأن يواكب المعنى الهدف فى وضوح لا فى لبس فيه ، بحيث لا تحتمل العبارة التأويل أوالتفسير أو تؤدى إلى إنطباع غير مقصود وليس ضرورياً أن تكون كل المرافعة بألفاظ مقعرة وباللغة الفصحى ولكنه يتعين الجمع بين الإثنين بحيث يستطيع المحامى أن يدفع الملل والرتابة بعيداً عن قاضيه ، وقد كان الهلباوى يتكلم الفصحى فيفوق فقهاء اللغة ولكن الرجل محام بطبيعته وسليقته فهو يعرف أن العربية الصحيحة ما تزال إلى اليوم لغة صعبة ، وأنها ما تزال تجهد المخاطب والمخاطب معاً فإذا طال الإجهاد إنتهى إلى الملل والسأمة لهذا تراه وقد فرغ من التحليق فى سماء البيان وانتهى من قرع الأسماع فى نقطة معينة بخطاب فخم داوى الألفاظ رنان العبارة تراه بعد هذا وقد هبط من جوه الأعلى إلى سهل موطأ من كلام عامى يروى فيه من السخرية الفتاكة ما ينفذ بها إلى مقاتل الخصم  (7) .

 

 

خامساً : أداب المرافعـة وسلوكهـا

 

      **************

 

على المحامى أن يكون عفا بطبيعته وأن يمتنع عن ذكر الأمور الشخصية التى تسئ إلى موكله أو اتهامه بما يمس شرفه وكرامته إلا فى حالة ضرورة الدفاع عن مصالح موكله [ مادة 69 محاماة ] ، وبشرط أن لا يتعدى أو يتجاوز نطاق هذا الدفاع .

 

* فـإذا اكتمــل للمحـامـى كـل مـا تقـدم فعليـه أن يـوفـى مجلـس القضـاء حقـه
مـن الإحتـرام .

 

 

 سادساً : قالـوا عـن المرافعـة

 

      ************

 

قالوا عن أشهر المحامين أنه إذا ترافع كان ثابت الجأش كالجهاز الكبير إذ يدور مسرع كل السرعة ، جملة قصيرة متتابعة فلا تكاد تنفصل ، يمهد كل منها للأخر ، وكأنما يطرق الحديد الساخن ليصهره فيلاحق طرقه مخافة أن يضيع أثره ، أو يستقل الملتقى بمنطق غير منطقه مسيطراً بحججه فى تجاوب مع السامعين – القضاة – وانفعال مستمر ، يتجلى فيه اقتناعه بما يقوله واندماجه فى دوره مع اصغاء السامعين وعليه أنظارهم وفيهم كثير من إيمانه ويمضى غير محتفل بالزمن مع قصده العظيم فى انفاقه فى الحواشى أو الصور همه فكر السامع وميله السماع وقربه من الإقتناع (8) .

 

 


7)     لغة الأحكام والمرافعات لزكى عربى المحامى .

 

8)     اعلام المحاماة ج2 منشورات مجلة المحاماة صـ  73 .

 

 (5)

 

-       ونصحوا المترافعين بأن يحتفظوا بإستقلالهم فى الرأى وفى تقديم الدفاع دون أن يتقيدوا برأى يأتيهم من السامعين أمامهم – القضاة – أو من ورائهم – المحامون _ وألا يهتموا بالبحث عن عبارات أكثر المصلحة فيها تملق الجماهير أو ذوى السلطان أو السامعين وبأن يكونوا مستعدين عند قبول الوكالة لأن يلاقوا وهم يؤدون واجبهم من العقبات والأخطار ما يلاقيه الجنود فى الميدان من طوارئ ومفاجآت (9) .

 

 

-       وقالوا أن المرافعة تمثل العدسة التى تكشف للقاضى التعريج والمنحنيات الدقيقة التى يعتمد عليها الخصوم فى تكييف المنازعة وتوجيهها نحو مصلحتهم ، والقاضى مهما كان ذكياً فطنا أو مهما توافر وقته لبحث الخصومة المعروضة عليه فى حاجة لذلك المنظار الذى يساعده على ملاحظة تلك الوقائع ، وقد تكون من أهم النقط التى توجه تقديره لمصلحة أحد المتخاصمين فيقضى له ، ولولا اكتشافها لقضى للخصم الأخر (10) .

 

 

سابعاً : فـــى التطبيـــق

 

      ************

 

ونستعرض فى إيجاز أروع مرافعة فى أشهر محاكمة تأديبية انعقد لواؤها لأكبر عبقريتين قانونيتين أنجبتهما مصر همــا : عبد العزيز فهمى رئيس محكمة النقض منعقدة بهيئة مجلس تأديب ،
ومرقس فهمى المحامى بمناسبة الحكم بالغرامة على عدد من أعظم المحامين فى عصرهم وتقديمهم للمحاكمة التأديبية بتهمة إهانة محكمة الجنايات لإنسحابهم من المرافعة أمامها – كنموذج –
لنكتشف معاً عظمة المحامى فى الإعداد لمرافعته وقدراته الهائلة عند أدائها .

 

 

ويمهد فارسنا لمرافعته فى هدوء ليزيل التوتر المعلق ويشيع الألفة فى جو المحاكمة ويصور الواقعة على أنها مجرد لبس يعرضه الأشقاء على الأباء لإستجلاء رأيهم فيه فيقول :

 

                 " أن الموضوع المطروح ليس خصومة يترافع فيها أمام أعلى هيئة لتفصل فى

 

                   النــزاع بل هو مجلس عائلــة بحكم سرية المحاكمة التى فرضها القانون

 

                   للتفاهم حول الحادث الذى عكر صفو التضامن وليقول الأباء الأجلاء حكمهم "

 

 

ثم يمضى على هذا النحو فى مرافعته للقضاء على أية شبهة للاستقطاب أو التحزب فيدلل على أن القضاء والمحاماة أعضاء أسرة واحدة هى الأسرة القضائية فيقول :

 

               " وقد غلب وضع الإسم لعمل القضاء لأن كلمته هى الفاصلة لكنها لا توجد

 

               ولا يفهم وجودها ولا تؤدى مأموريتها الا بعنصريها – القضاء والمحاماة " .

 

 

9)     ابراهيم الهلباوى – المرجع السابق صــ 95

 

10) المرافعة لحسن الحداوى

 

(6)

 

وتراه يتعجب فيتساءل أن الخلاف قد قام بين الفريقين عن أصل واحد هو صون الكرامة فكيف يتفق الطرفان على المبدأ ثم يختلفان عند التنفيذ أو بمعنى أخر ما هو مفهوم الكرامة عند الطرفين ؟

 

 

وتظهر عبقرية مرقس واقتداره حين يصل بالتحليل الدقيق الى أن طبيعة عمل المحامى وخبراته المكتسبة من ممارسة المهنة لا يمكن أن تحمله على الاعتداء على القاضى ، بينما طبيعة عمل القاضى الذى يؤدى وظيفته بين احترام الجمهور ووسط الابتسامات المملقة والخضوع المغرى من كل جانب تجعله يعتبر أن أى طلب أو مناقشة بينه وبين المحامى فى عملهما المشترك خروجاً على كرامة القضاء .

 

    

 

-                               ثم يدلل على صحة تعليله بالمقارنة بين طبيعة عمل الإثنين :

              " فهذا يرجو ويرجو وقد يقبل طلبه يوماً ويرفض أياما فتتكون عنده غريزة الصبر

 

                بينما الأخر يحكم ويأمر ويحسـم فتتكـون عنده غريزة الأمر واقتضاء الطاعة "

 

 

              وهذا يترافع علناً ويكتب مذكرات يؤكد ثقته بعدالة قاضيه فكأنه يعبد قاضيه ســراً

 

              وعلناً فإذا اتهمته بالإخلال بذلك الجلال فإنما تكون قد اتهمته بالكفر باله هو صانعه

 

              ، بينمــا طببيعة عمل القاضى السكوت علاوة على أنه لايتكلم عن آداب المأمورية

 

               المشتركة بينهما بل لعله لا يراها كذلك .

 

               ويعمل المحامى جاهداً على استمالة القاضى تمهيداً لإقناعه بحق موكله والقاضى لا

 

               يبتغى شيئاً من المحامى ومن ثم لا تهمه حالته النفسية وقد يرى أن تكرار الخضوع

 

               حقــاً لــه "

 

 

-       ثم ينتهى من المرافعة فى هذا الجزء بنتيجة هى أن الطبيعة تحدثنا أن المحامى بحكم موقعه ولمصلحته الذاتية ومن غرائزه المكتسبة لا يتعدى .

 

 

-       ألا أنه لا ينسى وهو فى هذا المقام أن يذكر بالإحترام والتقديس الواجبين لمهنة المحاماة ويتناول بالرد على العبارة التى وجهتها محكمة الجنايات بحكم الغرامة الى المحامين المنسحبين وكانت :

 

                " أن واجب المحامى أن يطيع المحكمة وأن يعلم الناس طاعتها "

 

 

-       وتهتز لزئيره جنبات محكمة النقض حين يختم هذه الجزئية بقوله :

 

      " لا ياسيـدى ليس القاضى ذلــك الذى يأمر ويقتضى الطاعة – وليس واجبنا أن نطيع أحد

 

       ولا أن نخضع لأحد ولا أن نعلم النــاس الطاعة فلسنا أساتذة الطاعة والخضوع وإنما نحن

 

       رسل الحق والهداية الى العدل ، أن القاضـى لا يأمر ولا يحب طاعة ولا خضوعاً ولا يقتضى

 

     ذلك من أحد لكنه يعلن كلمة الحق وفى هذا جلاله أما الطاعة والخضوع فلها جنود ولها منفذون ،

 

(7)

 

     أن المحامى أمام القاضى لا يطيع ولا يخضع بل يبذل وقته ويرشد ويبين طريق العدالة ويهئ    

 

     للقاضى أن يؤكد بأحكامه فى أذهان الناس وفى قلوبهم مكانته من الإجلال والإحترام وما ابعد

 

      شرف للإرشاد وتمكين الجلال من منزلة الطاعة والخضوع وتعليم هذه المنزلة للناس ،

 

      فإذا قلنا بالمساواة والإخلاص بين الإثنين فإنما نرجو تلك المساواة الداخليـة فـى التقديـر

 

      والإحتـــرام لا المساواة الخارجية المستمدة من خوف الجماهير وتحيات الجنود فذلك مما

 

      لا مطمع ولا حاجة لنا به .

 

 

ثم تراه يستدير فى تؤده ناحية ممثل النيابة الذى كتب فى مذكرته أن المحامى يترافع واقفاً ليصل بذلك تلميحاً الى أن المحامى فى مرتبة أدنى من مرتبة القاضى فيقول له بدوره :

 

 

 " أنما يقف المحامى أمام القاضى وأمام جمهور الناس ليشهدهم ويشهد الله قبلهم على أنه رسول

 

  العـدل، وأنه من طرق العبادة ما تقوم به واقفاً وما تقوم به جالساً وكلا الموقفين يستويان فلا

 

  تقل للمصلى جالساً أنه يأمر المصلى واقفاً وهو لا يتجزءان ، ويتكلم المحامى واقفاً جمعاً لقوته

 

  ليثور على الباطل فإن فى الجلوس فتورا وأن الفتور جموداً " ، والوقوف عند الكلام ليس موقف 

 

  طاعة بل هو موقف تتفق فيه النيابة مع المحامى إذا تكلما ، بل يقف المحامى فى مكان منخفض

 

  مرتديا السواد حزناً ليكون قريباً مع من قهرتهم شهوة الإنسان ليسمع أناتهم فيرسل الى قلــب

 

  القاضى صرخات المظلومين "

 

 

وهكذا أوضح مرقس فهمى فى هذه العبارات القوية المتزنة طبيعة العلاقة بين القضاء والمحاماة والإحترام الواجب بينهما ، وتظل مرافعته صالحة لكل العصور ليتعلم منها شبابنا كيف الإعداد للمرافعة وكيف يؤدوها بالجلسات .   

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

(8)

 

المدخل فى كتابة المذكرات

 

**********

 

-       الدفاع هو سلاح المحامى لحماية حرية وحقوق موكله القانونية سواء كان موضوعه جنائياً أم مدنياً يقدمه مكتوباً وهذه هى المذكرة أو يلقيه شفاهة وتلك هى المرافعة وتختلف المذكرة عن المرافعة فى فى أن الأولى تكتب لتقرأ بينما الثانية تلقى لتسمع ، وترتكز الأولى على التريث وامعان النظر وتقوم الثانية على الإرتجال والتأثير المباشر .

 

 

-       وتستمد المذكرات أهميتها من ضيق بعض السادة القضاة بالمرافعات الشفوية بسسب تكدس القضايا وتراخى بعض أمناء السر فى إثباتها كاملة بمحاضر الجلسات الأمر الذى يؤدى فى الحاليين الى فقد قيمتها وضياع جدواها لذلك يحرص المحامون المدققون على تقديم المذكرات الشارحة لرؤوس المواضيع التى سمحت لهم الظروف بتناولها أثناء المرافعة .

 

 

-       ويتعين على المحامى عند كتابة المذكرات أن يكون حصيفاً فيراعى ظروف القاضى ويحرص على التركيز وعدم الإطالة لتجنب إجهاده وملله واكتساب وجدانه على أن لا يؤدى هذا التركيز الى القصور فى توصيل الدفاع الى ملتقيه .

 

 

-       والمذكرة فى مجملها عمل درامى قوامه القانون والواقع مكتوب بلغة قانونية يبدأ بعرض الموضوع ويتصاعد تفاعله فى الدفاع وينتهى نهايته الطبيعية بالخاتمة أو بالبناء عليه وهى تقترب فى هذا من التقسيمات التقليدية للمرافعة الشفوية وان اختلفت عنها من بعض الوجوه ، ولا يختلف تقسيم المذكرة الى موضوع ودفاع وبناء عليه باختلاف موضوع الدعوى ولا باختلاف المحكمة المقدمة إليها انما يكون التقسيم فى جميع الأحوال من العناصر الرئيسية المنوه عنها سلفاً (1) ويشرع فى الإعداد للمذكرة وكتابتها على النحو التالى :

 

 

أولاً : فى التحضير لكتابة المذكرة 

 

       ****************

 

أ‌)       وتعتبر مرحلة الإعداد من أهم مراحل كتابة المذكرة وتبدأ بقراءة أوراق ومستندات الدعوى قراءة متأنية للأحاطة بما ورد فيها وتلخيصها تلخيصاً دقيقاً وتدوين الشوارد والأفكار التى ترد بالخاطر بمناسبة القراءة الأولى قبل أن تتلاشى وتضيع من الذاكرة .

 

 

 

 


1) التطبيقات العملية فى المحاماة للمؤلف صـ31 وما بعدها .

 

(9)

 

v     رصد نقاط القوة والضعف فى القضية وبلورة مقاطع النزاع وأثبات أوجه البحث اللازم وتحديد الكتب والمراجع الضرورية لإجراءه .

 

 

v     إستشارة قدامى الزملاء ممن يوثق في عملهم للأستنارة بخبرتهم والإستفادة من إرشاداتهم فى أوجه البحث .

 

 

ب‌)  وتتوافر مجموعات الأحكام والمبادئ ومراجع الفقهاء وكتب الشراح بمكتبات المحاكم العليا والنقابة العامة والنقابة الفرعية بالقاهرة وبمكتبات محاكم الإستئناف والنقابات الفرعية بالأقاليم وعلى المحامى مراجعة التعديلات التشريعية الحديثة والأحكام والمراجع الجديدة ليوفر على نفسه مغبة الإستناد الى نص ملغى أو مبدأ عدل عنه .

 

 

ت‌)   ويبدأ البحث بمراجعة نصوص القانون المتعلقة بالموضوع ، ثم بأحكام المحاكم العليا – النقض والدستورية العليا والإدارية وأراء الفقهاء والشراح فى الموضوع بداية بالكتب الجامعية ثم المحدثين من الشراح وأخيراً بجهابذة الفقهاء كالسنهورى وكامل مرسى وأحمد أمين وجندى عبد الملك ويتدرج البحث على هذا النحو حسب قدرات المحامى الفنية وأهمية الدعوى .

 

 

v     ويبدأ البحث فى المجموعات والمراجع بالإطلاع على الفهرس الأبجدى والفهرس الموضوعى أو التحليلى للكتاب فلا يكتفى بمجرد الإطلاع على العناوين المباشرة للموضوع المراد بحثه إنما يتعين الإطلاع على الجزئيات والتفاصيل لتحسس المادة التى يمكن أن تفيد فى هذا الشأن

 

 

v     فإذا كانت القضية على سبيل المثال بطلب الإخلاء لعدم سداد الإيجار فإنه يتعين البحث فى كل ما يتصل بهذا الطلب كإلتزمات المستأجر فى القانون المدنى وأسباب الإخلاء فى قانون الإيجارات رقم [136لسنة 1981] وعرض الأجرة بالإنذار الرسمى على يد محضر المنصوص عليه فى المادة رقم [487 ] مرافعات وايداع الأجرة بالعوايد المنصوص عليه فى المادة رقم [27] من القانون رقم [49/1977]

 

 

ث‌)   تنسخ المادة أو المبدأ أو النص الذى تم إستخلاصه وفقاً لأوجه البحث السابقة ويكتب أمامه أسم الكتاب أو المرجع ومؤلفه ورقم الصحيفة للإشارة إليه عند الإستشهاد به أو الإستناد إليه فى المذكرة للرجوع إليه عند الحاجة .

 

 

(10)

 

v     وتكتب الخواطر والتعليقات التى تومض فى الذهن أثناء نقل المبدأ أو النص لأن القراءة ذاتها كانت مبعث هذه الخواطر ، فمن ثم يتعين كتابتها والتعليق عليها فور ورودها خشية تلاشيها أو تبخرعا بعد القراءة (2) .

 

 

v     وتبدأ خطة الدفاع فى النمو مع التقدم فى مرحلة القراءة وتدوين الخواطر وتتبلور معالمها بعد الإنتهاء منها ويصبح لدى كاتب المذكرة عندئذ مجموعة الأفكار التى وردت بخاطره بمناسبة القراءة الأولى للموضوع بالإضافة الى الخواطر التى طرأت فى ذهنه بمناسبة رصد المبادئ والأحكام ومن ثم يخلد الى مرحلة التفكير والحوار الداخلى لرسم خطة الدفاع ووضعها فى موضع التنفيذ .

 

 

ثانياً : كتابــة المذكــرة

 

   ***********

 

أ‌)       تكتب المذكرة على أوراق مكتب المحامى وتبدأ بالمقدمة – الترويسة – التى تتضمن اسم الموكل المقدمة منه وخصومه وصفاتهم ورقم الدعوى وتاريخ الجلسة المقدمة فيها ، وينبه الى وجوب إبداء الدفوع حسب ترتيبها المنصوص عليه فى المواد من 108 / 116 مرافعات قبل التطرق الى موضوع الدعوى وإلا سقط الحق فيما لم يبد فى دوره .

 

 

ب‌)  وموضوع المذكرة هو الأرضية أو الأساس الذى سوف تقوم عليه الدعوى ومن ثم تعين أن يكون منطقياً فى ترتيب الوقائع ، ممهداً للدفاع فلا يشذ عنه يتفاعل معه ولا ينفر منه وأن يطابق اللفظ المعنى وأن يواكب المعنى الهدف فى وضوح لا لبس فيه وأن يشغل حيزاً معقولاً من المذكرة فلا يكون طويلاً مؤدياً الى ملل القاضى ويكشف عن هزال الدفاع أو قصيراً يجهل بموضوع الدعوى وقد يستغنى بعض المحامين مؤقتاً عن عرض كل الوقائع فى الموضوع تجنباً للتكرار اكتفاء بالتعرض لها فى الدفاع بمناسبة انزال حكم القانون عليها .

 

 

v     ولكل من طرفى الخصومة أن يعرض الموضوع بالطريقة التى تؤيد وجهة نظره حسب موقعه فى الدعوى فله أن يقدم أو يؤخر فى عرض اجزائه ويطيل أو يوجز فى شرحه بشرط أن لا يجرى على الواقع أو يجافى الحقيقة  ومن ثم تختلف طريقة عرض المدعى للموضوع عن طريقة عرض المدعى عليه أو المتهم .

 

 

 

 


2) كيف تعد بحثاً أو رسالة للدكتور على عوض صـ34

 

(11)

 

ت‌)  وخير ما يفعله المحامى فى دفاعه – بعد عرض الموضوع بالطريقة التى تناسبه – هو الإتجاه مباشرة نحو هدفه والدفوع هى خير وسيلة للدفاع لكونها أقصر الطرق لإبطال الإجراءات المخالفة للقانون ومن ثم القضاء على دعوى الخصم .

 

 

وترجع أهميتها الى أن مراقبة صحة الإجراءات لا تتطلب أكثر من المران على المراجعة الدقيقة لمحضر الضبط أو إجراءات استصدار اذن التفتيش وتنفيذه فى مواعيد رفع الطعون أو بيانات صحف الدعاوى ، ثم مطابقتها للشروط الواردة فى القانون ، وهذا فضلاً عن أن تطبيق القانون يخضع لمراقبة محكمة النقض ولا يخضع لتقدير القاضى وحده بينما يخضع الدفاع فى الموضوع الذى يعتصر قدرات المحامى الى التقدير الذى قد يختلف من قاضى لأخر .

 

 

وتكتسب القدرة على التقاط أوجه البطلان فى الأوراق والمحاضر بالإحاطة بمواد القانون التى تحكم النزاع من الناحيتين الإجرائية والموضوعية ثم بالإعتياد على التنقيب فى محاضر التحقيق وصحف الدعاوى والطعون للبحث عن مدى صحتها وأوجه البطلان فيها .

 

 

فاذا لم يكن هناك أوجه بطلان فى الإجراءات اندفع المحامى الى هدفه المباشر فى الدعوى سواء كانت مدنية أم جنائية – وذلك بإثبات الحق الذى يدعيه موكله واهدار الحجج التى يدعيها الخصم أو تفويض أدلة الإتهام واظهار اسباب البراءة استنادا الى حكم القانون واحكام المحاكم العليا

 

ولا يورد المحامى من الحجج إلا القدر اللازم للدفاع المطروح ليمنح نفسه حرية الحركة – عندما يفاجئ الخصوم بدفع أو دفاع جديد ، وأن يتوخى الحذر فى الكتابة فلا يتبرع مدفوعا بما يعتمل فى عقله الباطن – بإثبات صحة إجراء يترتب على تخلفه البطلان لم ينتبه اليه الخصم فيثير انتباهه ويتمسك ببطلانه بعد ان كان غافلاً عنه .

 

 

وعليه أن يركز فى مذكرته على مقاطع النزاع فى الدعوى وأن يبرز حججه الواقعية وأسانيده القانونية بحيث يوصل تفاعلها الى نتائج منطقية تخضع لحكم القانون ويستسيغها الوجدان ومن ثم تؤدى الى طلبات ختامية منطقية وأن يراعى فى اسلوب ولغة الكتابة أداب وتقاليد المهنة .

 

 

ج)  وطلبات المدعى فى الأحوال العادية هى التصميم على ماجاء بالصحيفة وفى حالة ابداء المدعى عليه لدفع ما تكون رفض الدفع والتصميم على ما جاء بالصحيفة ، بينما تكون طلبات المدعى عليه رفض الدعوى وفى حالة قيامه بإبداء دفع تكون أصليا بقبول الدفع واحتياطياً برفض الدعوى وقد تتضمن البناء عليه الى جانب الطلب الأصلى طلباً احتياطياً هو الإحالة على التحقيق لإثبات أو نفى وقائع معينة أو ندب خبير لإثبات حالة أو تقدير أجره أو تتضمن طلباً ثالثاً على سبيل الإحتياط الكلى كفتح باب المرافعة لتقديم مستند حاسم فى النزاع ويتعين فى جميع الأحوال مراجعة المذكرة بعد نسخها لتفادى السهو والخطأ وطبع صور منها بالعدد اللازم للمحكمة وعدد الخصوم وملف المكتب . 

 

 -------------------------------------------------------

 

 

مجلة المحاماة - العدد الثامن
السنة الحادية عشرة - مايو سنة 1931

 

الخطوات الأولى في المحاماة
المحاضرة

 

التي ألقاها حضرة صاحب السعادة محمد نجيب الغرابلي باشا نقيب المحامين في حفلة افتتاح المحاضرات السنوية للمحامين تحت التمرين بالقاعة الكبرى بمحكمة الاستئناف الأهلية
في يوم الخميس الموافق 9 إبريل سنة 1931 الساعة الرابعة ونصف مساءً
حضرات السادة،
باسم الله افتتح محاضراتنا في هذا العام لإخواننا المحامين تحت التمرين وأبدأ بشكركم على تفضلكم بتلبية دعوة النقابة إلى احتفالنا المتواضع كما أني أعرب لحضراتكم عن سروري وسرور زملائي بتشريفكم لهذا الاجتماع لأنه ليس أحب إلى نفوسنا من أن يجتمع خدام العدالة على هذا النحو البسيط الخالي من الكلفة والتعقيدات الرسمية ليهبوا شيئًا من ثمرة تجاربهم إلى إخوانهم الناشئين في المحاماة.
فالمحامي الذي يجتاز دور التمرين بحاجة إلى أن يستنير، ليس فقط بتجارب إخوانه الذين سبقوه في المحاماة، بل هو محتاج أيضًا إلى أن يسترشد بتجاريب إخوانه القضاة ورجال النيابة الذين وإن كانوا لا يمارسون مهنته إلا أنه تربطهم به رابطة الغرض المشترك وهو خدمة العدالة، هذا فضلاً عن أن من القضاة من كانوا محامين ومن المحامين من كانوا قضاة وهؤلاء وهؤلاء يستطيعون بفضل ما اكتسبوه من الخبرة والمران أن يسدوا إلى إخواننا المبتدئين خيرًا كثيرًا.
لذلك فإنه مما يزيد سروري وسرور حضرات زملائي أن نسمع في اجتماعاتنا الصغيرة هذه من وقت لآخر كلمة من رجال القضاء أو من رجال النيابة يدلون فيها بما يعن لهم من الأفكار لتوحيد جهود القضاء والنيابة والمحاماة.
كما أننا وقد اعتزمنا أن نقرن محاضراتنا بتمرينات عملية يقوم بها حضرات المحامين المبتدئين أنفسهم يتدربون فيها على تحرير الأحكام والقيام بوظيفة النيابة العمومية إلى جانب تمرنهم على الدفاع ليلمس المحامي بالفعل حاجة القضاء وحاجة النيابة وحاجة المحاماة إلى التعاون الوثيق في خدمة العدالة، نرجو أن لا يضن حضرات رجال القضاء والنيابة بأن يشاركوا حضرات المحامين في إبداء ما يعن لهم من الملاحظات على أعمال هذه المحاكم الإعدادية.
وهذه الطريقة قد سبقتنا إليها نقابة المحامين لدى المحاكم المختلطة فنحن إنما نحذو في ذلك حذو هؤلاء الزملاء المحترمين الذين سبقونا إلى هذا الإصلاح، ولعل نقابة المحامين لدى المحاكم الشرعية ترى من جانبها أيضًا الأخذ بهذه الطريقة فتكون النقابات الثلاث قد وحدت خطتها في إفادة حضرات المحامين تحت التمرين.

 

وظيفة المحاماة

 

حضرات الزملاء المحترمين،
إن المحاماة هي دفع الأذى، والإنسان مفطور بطبيعته على دفع الأذى عن نفسه، ولكنه قد يعجز عن ذلك لأسباب شتى، حينئذٍ تقضي المروءة على كل إنسان قادر أن يهب للدفاع عن ذلك العاجز فإذا قام شخص أو أشخاص بذلك الدفاع سقط هذا الفرض عن الباقين لأنه فرض كفاية.
ولما كان تزايد السكان واتساع العمران وكثرة المنشآت واختلاف صور المعاملات يقضي بتخصص بعض الرجال لدراسة الحقوق وطرق المطالبة بها والدفاع عنها كان طبيعًيا أن يلتجئ هؤلاء الضعفاء إلى من انقطعوا إلى دراسة الحقوق لأن نبل المرء ومروءته وشرف مقصده، كل ذلك لا يكفي لجعله مدافعًا حسن الدفاع بل لا بد من أن يكون ملمًا بالحقوق التي يريد أن ينتصر لها عالمًا بأساليب المطالبة بها أو الذود عنها.
فالباعث إذن على احتراف مهنة المحاماة هي نزعة شريفة إلى الدفاع عن المظلومين، وهذه النزعة الشريفة لا تؤتي ثمارها إلا بدراسة الحقوق وتطبيقها تطبيقًا صالحًا وكلا الأمرين لا غنى له عن الأخر، فدراسة الحقوق لا تؤهل الإنسان للمحاماة إذا كان مجردًا عن هذه النزعة الشريفة كما أن هذه النزعة الشريفة وحدها لا تجعل من الإنسان محاميًا إذا هو لم يدرس الحقوق علمًا وعملاً.
فالمحامي هو قبل كل شيء نصير المظلوم ثم هو بعد ذلك الرجل القانوني الذي يستطيع أن ينتصر لذلك المظلوم انتصارًا مفيدًا.
وعلى هذا الأساس يجب أن يفهم الناس وظيفة المحاماة فمن وجد في نفسه ميلاً فطريًا لنصرة المظلوم ومحاربة الباطل فليسلك سبيل المحاماة إذا أراد ومن لا يحس في نفسه بهذا الميل الغريزي فإني أنصحه أن يبتعد عن المحاماة وأن يشق له في الحياة طريقًا أخر.
وإني أوجه القول إلى أولئك الذين يحفزهم حب الكسب إلى الاشتغال بالمحاماة فأقول لهم إنه من الخطر على العدالة أن يكون غرض الإنسان من الاشتغال بالمحاماة مجرد الكسب، لأنه إذا أصبح هم المحامي الإثراء من هذه المهنة كان معنى ذلك أن المحاماة عنده وسيلة وأنتم تعلمون أيها السادة أن الوسيلة عرضة للتعديل والتحوير حتى تؤدي الغرض المقصود بالذات.
فالمحاماة إذن هي في أيدي طلاب المال عرضة للتعديل والتحوير بما يوافق هواهم ويحقق لهم مطامعهم المادية وقد تنتهي بهم الحال إلى أنك تنظر إلى المحاماة بين أيدي هؤلاء الطامعين فلا تكاد تعرفها لما طرأ عليها من التشويه بل إنها قد تنقلب في أيديهم إلى شيء آخر تنكره المحاماة نفسها هو تشجيع الظالمين وأكل أموال المظلومين.
ومتى كان جمع المال غاية فما أشقى المحاماة بهذه الغاية بل ما أشقى العدالة بمحاماة تكون وسيلة لجمع المال لأن كل وظيفة من وظائف العدالة تفسد وتنقلب إلى خطر محقق إذا كان صاحبها طالب عيش قبل كل شيء إذ أن الوظيفة تكون في هذه الحالة مسخرة لخدمة الشخص وليس الشخص هو المسخر لخدمة الوظيفة، فيا لها من جريمة شنيعة جريمة أولئك الذين يستخدمون وظائف العدل لإشباع بطونهم قبل أن يشبعوا العدالة نفسها.

 

فترة التمرين

 

ينظر بعض حضرات المحامين المبتدئين إلى فترة التمرين نظرة غير مستحبة مصحوبة بشيء غير قليل من الضجر وعدم الاصطبار، لأن حامل شهادة الحقوق المملوء حماسًا للمهنة يريد أن يبرز وحده لميدان العمل المستقل ويدلي من فوره بدلوه بين الدلاء ويضرب بسهم في هذا الميدان الشريف بلا مهل ويرى أن ارتباطه بمكتب محامٍ يتمرن فيه يفقده لذة الاستقلال بالعمل الذي تصبو إليه نفسه.
كما أن المحامين الذين ألجأتهم الظروف إلى الاشتغال بالمحاماة يستعجلون الوقت الذي تكون لهم فيه مكاتب مستقلة يجدون فيها موارد للكسب.
والواقع أن مدة التمرين متى أحسن استعمالها هي خير وبركة على المحامي المبتدئ فهي لا تحرمه من استقلاله بالعمل إلي حد ما لأنه يمكنه أن يترافع باسمه أمام المحاكم الجزئية وفي الوقت نفسه توفر له معينًا ومرشدًا في خطواته الأولى يأمن بجانبه العثار الخطر ويفتح عينيه على كثير من الحقائق العملية التي يحتاج إلى الإلمام بها قبل أن يتوسط ميدان العمل في المحاماة كما تجعله يتصل بأرباب القضايا اتصالاً نافعًا.
فمواظبته على العمل في المكتب الذي يتمرن فيه وعلى حضور جلسات المحاكم هي دراسة تطبيقية جليلة الفائدة.
والمحامي الذي يؤدي التمرين أداءً شكليًا يعرض نفسه لأذى كبير ويعمل على تأجيل إصلاح الخطأ الذي يتعرض له كل مبتدئ ثم تكون أخطاؤه بعد ذلك محسوبة عليه ولا يلبث أن يؤثر ذلك في عمله أدبيًا وماديًا وعندئذٍ يشعر بالندم ولكن بعد فوات الوقت على تفريطه في مدة التمرين.
وليس بعيب أن يخطئ المحامي المبتدئ لأن التعثر في الخطوات الأولى لا يدل على شيء من العجز بل هو طبيعي في كل بداية ولكن متى انقضت الفترة المعقولة لذلك فعندئذٍ يكون تعثره دليلاً في الغالب على نقص في استعداده ومن شأن ذلك أن يضعف الثقة به والثقة هي رأس مال المحامي.
فلنقبل إذًا على التمرن على أعمال المحاماة في المدة المقررة للتمرين بانشراح ولنفرح كلما عثرنا لأن هذا يدل على أننا نتقدم وأننا كنا بحاجة إلى هذا التمرين لنتحاشى مثل هذا العثار في المستقبل.

 

إتمام مدة التمرين - ابتداء المحامي في العمل

 

ولاشك أن من بين حضرات المحامين من أوشك أن يتم مدة التمرين وهؤلاء وقد أصبحوا على قيد خطوات من باب الخروج تتزاحم عليهم خواطر النفس: هل يقيمون في مصر أو في الإسكندرية أو في عاصمة أخرى من عواصم الأقاليم ؟
وكأني بمباهج العواصم تجذبهم إليها ليمتعوا أنفسهم بعد عناء الدرس وفترة التمرين بحياة ناعمة مرحة تجلو صدأ هذه السنين الطوال التي قضوها عاكفين على الدرس والتحصيل، وهم معذورون في هذا التفكير ألم يسهروا الليالي الطوال مدة الدراسة ويعانوا من مضض الامتحانات وغير الامتحانات ما يجعلهم بحاجة إلى نسمات هذه العواصم الكبيرة، أليسو بحاجة إلى أن يتنسموا نسيم السعادة قبل ضياع الفرصة وذبول العمر؟ لا شك أنهم معذورون.
ولكن هل صحيح أن هذا هو طريق السعادة التي يرجونها لأنفسهم، إني أشك في ذلك كثيرًا بل إذا كانت لاختباراتي الضئيلة قيمة فإنني أرى أن الغاية التي يسعون إليها لا يحققها أن يبدأوا عملهم في مصر ولا في الإسكندرية ولا في تلك العواصم الكبيرة التي ترنو إليها أبصارهم الآن فهناك المزاحمة شديدة والجو يكاد يختنق بأنفاس المحامين المقيمين في تلك العواصم وبسبب ذلك يحتاج المحامي المبتدئ إلى زمن أطول لإبراز مواهبه وسط هذا الضجيج.
وسيجد صعوبة في أن يشق له طريقًا وسط هؤلاء جميعًا بالسرعة التي يحلم بها وأخشى أن يؤثر ذلك في نفسيته فينقلب ساخطًا على المحاماة لأنه لم يجد قطوفها دانية بقدر ما كان يتصور وإذا سخط الإنسان على العمل فيالبؤسه وطول شقائه.
فكيفية الابتداء لها أثر كبير في سير العمل نفسه ولقد عرفت زملاء لي في الدراسة كان لهم من الاستعداد للمحاماة ما يغبطون عليه فلما ابتدأوا بداية غير موفقة لم ينجحوا في المحاماة واضطروا إلى أن يلوذوا بوظائف الحكومة بينما نجح غيرهم ممن أحسنوا الابتداء نجاحًا فوق المنتظر.
وكان السبب في عدم توفيق أولئك هو أنهم بدأوا العمل في العواصم الكبيرة فلم تتهيأ لهم الفرصة لإبراز مواهبهم فانطفأت في نفوسهم شعلة التحمس للمحاماة ثم لم يلبثوا أن انقلبوا ساخطين عليها وسعوا للتخلص منها.

 

اختيار محل الإقامة

 

وأحسن بداية في رأيي يبدأ المحامي بها عمله بعد إتمام مدة التمرين هي أن يتخذ محل إقامته في محل محكمة جزئية فلن يجد هناك سوى عدد قليل من المحامين المقيمين فعلاً ولا يخفى أن أرباب القضايا يفرحون بالمحامى المقيم ويفضلونه على غيره ممن لا يرون وجوههم إلا يوم الجلسة ولا يجدون الوقت الكافي لبسط معلوماتهم إليهم بسطًا شافيًا.
والمحامي المقيم في مقر المحكمة هو كالطبيب المقيم في المستشفى فمكتب المحامي يعالج الحقوق كما أن المستشفى يعالج الأمراض ومتى كان المحامي مقيمًا سهل اتصال أرباب القضايا به واستفتاؤهم له في شؤونهم القضائية، وبهذا الاتصال الجدي المباشر في العمل يلمسون ما يكون في المحامي من المزايا وحينئذٍ تؤتي هذه المزايا ثمارها الطيبة المباركة بدون توانٍ ثم تأخذ في النمو والزيادة شيئًا فشيئًا كلما طالت مدة إقامته، وبذلك يشعر المحامي بلذة الثقة ولذة العمل ولذة الكسب.
وليست هذه كل مزايا هذا الابتداء بل إن له مزايا مهمة أخرى:
أولا:ً رخص تكاليف الحياة عنها في العواصم الكبيرة وسهولة إيجاد الموازنة بين إيرادات المحامي المبتدئ ومصروفاته.
ثانيًا: المركز الأدبي الممتاز الذي يشعر به المحامي في الجهة التي يقيم فيها.
ثالثًا: ما يستفيده أهل البلد الذي يقيم فيه المحامي من اشتراكه في رفع مستوى الوسط الذي يعيش فيه باعتباره رجلاً مهذبا مثقفًا.
رابعًا: إشعار الناس بحقيقة المحاماة والفرق بينها وبين تلك الصناعة الزائفة التي تنكرها المحاماة.
ولا يتسرب إلى الذهن أنني أشير على المحامين المبتدئين بأن يجعلوا محل إقامتهم في الجزئيات باستمرار، كلا بل هذه هي الخطوة الأولى فإذا ما شعر المحامي من نفسه القدرة على أن يخطو خطوة أوسع فيكون قد مهد لها بهذه الخطوة الأولى حتى لا تزل قدمه في الخطوة الثانية، بل إنه قد يكون لمصلحته ولمصلحة المهنة أن يخطو عندئذٍ هذه الخطوة الثانية وينقل مكتبه إلى مقر محكمة كلية ليخلو مكانه إلى مبتدئ آخر وليضم كفاءته إلى الكفاءات الأخرى بعد أن يكون قادرًا على المزاحمة الشريفة التي هي في مصلحة العدالة تلك المزاحمة التي تقتصر على العمل الصالح المنتج حتى إذا رسخت قدمه في المحاماة نهائيًا أمكنه متى أراد أن يقيم في البلد الذي يحبه فقد ينتهي به المطاف إلى القاهرة ولكنه يضع قدمه فيها حينئذٍ وهو مستعد للكفاح ومنازلة الأقران من كبار المحامين في ميدان الخدمة السامية للعدالة المقدسة من دون أن تضايقه مطالب الحياة.
وهكذا يمكن لمن يبتدئ عمله أمام محكمة جزئية أن ينتهي بالإقامة في القاهرة إن شاء وأن يتمتع بمباهج العاصمة وأوساطها الراقية كما يريد وهو قادر على ذلك مالك لناصية العمل، هذا إذا لم تزهده لذة العمل ولذة الكسب في تغيير الإقامة.
ولا شك أن ذلك أفضل من أن يبتدئ في العاصمة مثلاً ثم تلجئه الحال بعد ذلك إلى أن يقيم في مقر إحدى الجزئيات ساخطًا متبرمًا.

 

اختيار الكتبة

 

ويأتي بعد اختيار محل الإقامة اختيار الكتبة.
سيجد المحامون الذين ينزلون إلى مقر الجزئيات فوجًا من الكتبة يتزاحمون عليهم للاشتغال معهم لأن هؤلاء الكتبة يفضلون المحامي المقيم على سواه إذ أنهم أدركوا بالاختبار أن مكتب المحامي المقيم يكون أكثر احترامًا وأكثر دخلاً وبالتالي أقدر على دفع المرتبات الطيبة للمستخدمين فليفتح المحامي عينيه جيدًا عند اختيار كتبته، وليقع اختياره على المعروفين بالأمانة والكفاءة منهم لأن أرباب القضايا يجب أن يشعروا بأن مستنداتهم وأسرارهم ليست عرضة للتلاعب والإفشاء بفعل كاتب مشكوك في أمانته، ولن تفيد أمانة المحامي إذا كان الكاتب موضع ريبة في نفس أرباب القضايا.

 

السلوك الشخصي وأثره في النجاح

 

ومتى أحسن المحامي الانتفاع بمدة التمرين ووفق إلى اختيار محل الإقامة الملائم واستخدم في مكتبه عمالاً أمناء لم يبقَ عليه إلا أن يسير على بركة الله في عمله بخطى متئدة مطمئنة وهو مملوء ثقةً بالمستقبل.
ولما كان رأس مال المحامي كما قدمنا هو الثقة فإن لسلوكه الشخصي تأثير كبير على عمله ومن الفضول أن نبين لحضراتكم أن المحامي هو أولى الناس بالتحلي بمكارم الأخلاق فإذا كان التحلي بمكارم الأخلاق واجب على كل إنسان فهو على المحامي أوجب وله ألزم.
رأيت بعض المحامين افتتحوا عملهم بضجة هائلة واشتغلوا وكسبوا ثم لم يلبثوا أن عرفوا فتركوا واندثروا،
ورأيت محامين افتتحوا عملهم برزانة وسكون ثم لم يلبثوا أن عرفوا ففازوا وأكرموا وكان العامل المهم في الحالين هو السلوك الشخصي.
وهكذا الكفاءات تطغى عليها الأخلاق السيئة فتقتلها أو تشرق عليها الأخلاق المرضية فتكسبها لألأ وسناءً.
فعلينا إذًا أن نتواصى بمكارم الأخلاق لنكون محامين صالحين جديرين بشرف مهنتنا فلا نشوه كفاءاتنا ولا نزعزع الثقة بنا فيضيع مستقبلنا،
ولا تقتل كرامة المحامي مثل الإعلان عن نفسه فإنه استجداء للثقة وعنوان على العجز، والثقة تُمنح لا تُطلب والعمل الطيب يفوح شذاه ويتضوع عبيره، والمحاماة نجدة دفاع لا سلعة تُعرض في الأسواق لتباع.

 

قبول المحامي للقضايا

 

ومن أكبر الكبائر في المحاماة أن يقبل المحامي القضية عن يد وسيط يشترك معه في قليل أو كثير من أتعابه وعلى من ابتُلي بهذا الداء أن يتصور أنه يعيش على السمسرة لا على الثقة وأنه يعمل في كنف السماسرة لا في ظل المحاماة.
فإذا سعى صاحب القضية إلى المحامي فليفسح له صدره لسماع أقواله بغير ملل ولا ضجر وقد يرافق صاحب القضية أحيانًا قريبه أو صديقه ليقوم مقامه في إبداء معلوماته للمحامي فيجب على المحامي أن يترك صاحب القضية نفسه يتكلم ليرسل الكلام على سجيته بدون تصنع ومن غير لف ولا دوران فإن ذلك أدنى أن لا يغش المحامي في تقدير مركز طالب التوكيل وليُعنَ عناية تامة بالوقوف منه على الوقائع الصحيحة للدعوى وليكن في ذلك مدققًا كل التدقيق لأن الوقوف على الوقائع الصحيحة يمكنه من إعطاء الرأي الصحيح.
فإن تبين أن صاحب القضية ليس على حق فيما يدعيه فعليه أن يصارحه بذلك مبينًا له وجه الضرر من استرساله في الخصومة وما يجره عليه ذلك من خسارة الدعوى وخسارة المال ومرارة الحكم ومشونة الباطل.
فإذا فاز بإقناع المبطل بالارتداد عن باطله فقد غنم:
أولاً: راحة ضميره لأنه أنهى خصومة بين طرفين،
وغنم ثانيًا: ثقة صاحب القضية الذي اقتنع ببطلان خصومته فارتد وهو يحمد الله على توفير الكرامة والمال،
وغنم ثالثًا: حسن الأحدوثة حين يعرف الناس له ذلك وأنه طالب الحق لا طالب مادة، ورب قضية رفض المحامي قبولها كانت سببًا في عدة قضايا يسند إليه فيما بعد مباشرتها،
فليتدبر ذلك حضرات المحامين المبتدئين وليعلموا أنهم لن يخسروا أتعاب القضية التي يرفضون قبولها بحق وأنهم بالعكس سيكسبون بهذا الرفض النزيه أضعافه.
وقد تكون قيمة الدعوى مغرية وقد تكون أتعابها إذا قبلها المحامي ضخمة وقد يكون المحامي حين يرفضها في ضيق من المال لظرف من الظروف، فليحذر المحامي أن يكون لهذه الأمور تأثير على رأيه لأنه إذا قبل قضية خاسرة تحت تأثير هذه الاعتبارات فهو إذًا مخادع.
إن كثيرًا من المنازعات يمكن تسويتها صلحًا بين المتخاصمين غير أن العناد أو الطمع قد يحمل أحد الطرفين على الالتجاء إلى المحاكم فإذا ما أيقن هذا المعاند أو هذا الطامع بأنه لن يبوء من القضية إلا بالفشل وأنه سيخسر الدعوى ويخسر إلى جانبها الأتعاب التي يدفعها للمحامي ومصاريف الدعوى وأتعاب محامي الخصم التي تقدرها المحكمة وأنه فوق ذلك سيخسر الصلح المعروض عليه أو الذي يمكنه الحصول عليه وديًا فقد يعيده ذلك إلى صوابه ويسعى إلى التفاهم مع خصمه بطريقة ودية ويكون الفضل في ذلك للمحامي الشريف الذي أخلص النصيحة وحسم الشر ووفر على المتقاضين الإنفاق على الخصومة والاسترسال في المنازعات.
فعلى المحامين أن يكونوا في هذه الحالة مصابيح للتنبيه إلى الخطر لا مزالق لسقوط الموكلين في الهاوية، أما إذا اطمأن المحامي إلى أن صاحب القضية على حق فليأخذ بيده في ضوء الحقيقة إلى ساحة العدل وليقف بجانبه منتصرًا لحقه مناضلاً عنه بكل مقدرته، بذلك يكون العمل شريفًا لذيذًا مباركًا.

 

أتعاب المحامي

 

وليكن مقابل أتعاب المحامي هو آخر ما يفكر فيه بعد تفهم وقائع الدعوى من موكله واستقرار رأيه على قبول التوكيل عندئذٍ يكون في مركز يسمح له أن يحدد مقابل أتعابه مراعيًا مقدار المجهودات التي يبذلها وقيمة الدعوى وحال الموكل.
وليجتنب المحامي المبالغة في تقدير أجره ولتكن هناك موازنة عادلة بينما يعطي وبينما يأخذ فكل ما يأخذه المحامي من الأتعاب زائدًا عن قيمة المجهودات التي يبذلها لا يكون إلا عن وهم أو تبرعًا من الموكل ومحرم على المحامي أن يستفيد من طريق الوهم كما أن كرامته تأبى عليه أن يأكل من تبرعات الناس وتقضي عليه أن يكون في مركز المتكرم المتفضل.
فإذا ساغ للموكل أن يطمع في مجهودات المحامي فلا يسوغ للمحامي أن يطمع في مال الموكل وليعتبر المحامي مقدم الأتعاب وديعة في ذمته للموكل لا يستحله إلا بالعمل فلا يكون مثله مثل الذين يفقدون شهية العمل بعد أن يذوقوا لذة القبض والمحامون جميعًا هم وكلاء عن صاحب كل حق معسر لا يجد ما ينفقه في أتعاب المحاماة فليجد الفقراء في مكاتب المحامين مكانًا يسع المطالبة لهم بحقهم من غير مقابل، وليجعلوا ذلك زكاةً عن عملهم وتطهيرًا لما قد يرتكبونه من الخطأ غير عامدين أثناء قيامهم بواجباتهم.
ومن حق المحامي بل من واجبه ألا يقبل جزاءً على أتعابه يجرح عزة المحاماة،
أما أولئك الذين يقبلون أتعابًا تزري بكرامتهم وكرامة مهنتهم فإنهم يجنون على أنفسهم وعلى زملائهم معًا.

 

دراسة القضايا

 

وعلى المحامي متى قبل القضية أن يبدأ فورًا بتحضيرها في مكتبه فيدون وقائعها ويرسم خطة الدفاع فيها ويستوفي المستندات التي تؤيد هذا الدفاع ويشرع في البحوث القانونية التي تساعده على تدعيم مركزه في الخصومة إن اقتضى الحال ذلك.
وليعلم أن أوقاته قد تعلق بها حق موكليه جميعًا فإذا كانت القضايا الموجودة بمكتبه كافية لأن تشغل جميع أوقاته فلا يسوغ له بحال أن يقبل قضايا جديدة لا يتسع لها وقته لأنه إما أن يهملها وإما أن يأخذ لها من الوقت اللازم للعناية بالقضايا التي ارتبط بها فعلاً قبل ذلك وفي كلا الأمرين إخلال بواجبه نحو موكليه.
وليس المحامي البارع هو الذي يزدحم مكتبه بملفات القضايا بل إن المحامي البارع هو الذي لا يوجد في مكتبه سوى قضايا محضرة ومعنيًا بها.
وليفسح المحامي صدره لصاحب القضية كلما أراد أن يدلي إليه بشيء جديد في الدعوى لأنه صاحب حاجة ولرب كلمة يقولها أو واقعة يسردها تفيد المحامي في دفاعه فائدة غير منتظرة وليجعل المحامي اتصال الموكل به شخصيًا في كل ما يتعلق بموضوع الدعوى فلا يكله في شيء من ذلك إلى الكاتب لأن الكاتب لا يمكنه أن يستقصي الوقائع بالدقة الواجبة كما يفعل المحامي ولا يستطيع تقدير هذه الوقائع وتأثيرها في سير الدعوى كما تعود المحامي، مع مراعاة أن يكون عادلاً في توزيع أوقاته على موكليه بدون تفريط ولا إفراط.
وينبغي للمحامي أن يعمل على كسب ثقة المحكمة فلا يترافع في قضية إلا بعد أن يلم بموضوعها تمام الإلمام وبعد أن يستجمع نقط الدفاع فيها ويركزها تركيزًا يصون مرافعته عن الشطط والحشو والتكرار وأن يعبر عن أفكاره بعبارة بسيطة واضحة دقيقة منزهًا آراءه عن سماجة المكابرة ومنزهًا لسانه عن لوثة المهاترة، مراعيًا حرمة القضاء وكرامة المحاماة.
وعليه أن يكون للقاضي مساعدًا ومعينًا على إنجاز العمل وتعرف وجه الحق وإصدار حكمه بالعدل وأن يشعره بالفعل أنه ينتصر للمظلوم ويعمل لاستخلاص حق مهضوم فإن ذلك أدنى إلى استرعاء سمع المحكمة واهتمامها بأقواله واحترامها لآرائه مهما كان رأيها مخالفًا.
وليس كسب ثقة المحكمة بأن يتساهل المحامي في التمسك بحقه وحق موكله بل إن هذا التمسك واجب لا محيص له عنه، فالمحامى الذي يعتذر بأن المحكمة لم تثبت أقواله في محضر الجلسة مثلاً مسؤول عن هذا الإغفال إذ هو لم يلح الإلحاح كله في تدوين أقواله بمحضر الجلسة لأن واجب الكاتب أن يثبت أقوال الخصوم خصوصًا ما يرون أنه من أسس دفاعهم وعلى المحامي أن يثبت من تدوين كل ما يعتبره أساسيًا في دفاعه وليوجه المحامي خطابه في ذلك أولاً إلى القاضي باعتباره المدير للجلسة فإن عارض القاضي فليوجه خطابه للكاتب باعتباره مسؤولاً عن تحرير محضر الجلسة وعليه أن يلح في ذلك بكل أنواع الإلحاح فإذا أصر الكاتب على عدم إثبات ما يطلبه المحامي بادر المحامي فورًا بتقديم طلبه هذا كتابةً أو علانيةً إلى كاتب الجلسة ثم يرفع شكواه بعد ذلك إلى جهة الاختصاص وليكن رد المحامي على الخصم زعزعةً لا جعجعةً، وإفحامًا لا التحامًا، وإقناعًا لا صراعًا.
وليجتنب التأجيلات التي لا مبرر لها والطلبات الشكلية والدفوع الفرعية التي لا تدينه من الحق ولا تحميه من الباطل فإن ذلك مضيعة للوقت وإملال للعدل وإطالة للخصومة وتعطيل لسير العدالة.
كذلك يجب ألا يفوت المحامي أن محكمة النقض هي محكمة قانون لا محكمة موضوع وأن المبادئ الهامة التي تقررها هذه المحكمة العليا أولى بأن تشغل جميع أوقاتها بدلاً من تبديد مجهوداتها في بحث أوجه غير جدية.

 

المحامي وزملاؤه

 

وليحافظ المحامي على كرامة زملائه وليتجنب تحميلهم المغارم بحجة الغيرة على حقوق موكليه فلا يطلب إبطال المرافعة مثلاً في قضية يعلم أن الخصم وكل فيها محاميًا لأن الغائب في هذه الحالة هو المحامي للخصم وليس من حق المحامي الحاضر أن يتولى بنفسه تأديب زميله الغائب بتعريضه لخسارة ربما كانت فادحة لا تحتملها كل ثروته في حين لا يخسر الخصم شيئًا متى كان المحامي مليئًا مع أن هناك طريق خاص لتأديب المحامي بسبب إهماله.
ويعمل المحامي أيضًا على كسب ثقة زملائه بأن يحسن الاستماع إليهم وينزه لسانه عن العيب فيهم أو استفزازهم وليعلم أن كرامته من كرامتهم وعزته من عزتهم.
وليترفع المحامون من تلقاء أنفسهم عن مخالفة واجباتهم سرًا وعلانية فإن ذلك أولى بهم وأليق بكرامتهم.

 

المكاتب الفرعية

 

وإذا قضيتم مدة التمرين فإياكم والمكاتب الفرعية فإنها تعرض عملكم للفساد وتعرض عيشتكم للكساد لأنها تدار بمعرفة كتبة يقبلون فيها قضايا لم تسمعوا أربابها ولم تعرفوا قبل الارتباط بها حلالها من حرامها.
إياكم وهذه الحوانيت فإنها مقابر المحامين وبلاء المتقاضين تُنتهك في كثير منها حرمات الحق وتُدبر المؤامرات على العدل لأنها ليست تحت إشراف المحامين الفعلي ليصونوها عن هذه المفاسد ويحاربوا فيها وقوع هذه الجرائم.
ولها فوق ذلك أسوأ الأثر في تقدير أتعاب المحامين حتى ضج أكثر المحامين بالشكوى منها وتحمسوا لإعلان الحرب عليها وهي نتيجة طبيعية لشعورهم بكرامتهم واهتمامهم لوضع حد لهذا الاعتداء الصارخ على شرف مهنتهم.
ولي وطيد الأمل في أن يتعاون حضرات المحامين مع نقابتهم على استئصال هذا الداء وتطهير جو المحاماة من هذا الوباء وأنه لا تمضي مدة طويلة حتى تكون جميع المكاتب سعيدة باستقرار حضرات المحامين فيها حتى إذا ما سعى إليها أرباب القضايا وجدوا أمامهم الهداة المرشدين وخدام العدالة الصادقين.
ولا شك عندي في أن ذلك من شأنه أن يوزع العمل على مكاتب المحامين توزيعًا طبيعيًا عادلاً في مصلحة العدالة وفي مصلحة أرباب القضايا وفي مصلحة المحامين أنفسهم فتتخلص العدالة من المنتجات الرديئة التي تنتجها المكاتب الفرعية ويتصل أرباب القضايا بالمحامين رأسًا في كل ما يتعلق بالعمل الفني الذي يهمهم ويرتفع مقابل أتعاب المحامي إلى الحد الذي يكافئ مجهوده ويليق به.
فمتى تعاون حضرات زملائي المحامين على تنفيذ هذه الخطة في وقت واحد جاءت النتيجة وفق مصلحتهم جميعًا.
هذه أيها السادة هي الكلمات التي رأيت أن أدلي بها الآن لإخواني المحامين المبتدئين متمنيًا لهم كل التوفيق راجيًا لهم من الله سبحانه وتعالى كل سعادة.
وإني أكرر لحضراتكم شكر زملائي وشكري ولا يسعني إلا أن أختتم محاضرتي بتلك الكلمات الخالدة التي قالها أبو المحامين:
(يعجبني الصدق في القول والإخلاص في العمل وأن تقوم المحبة بين الناس مقام القانون).

 



          

 

 

 

 

 

 

 

 




  saberammar    عدد المشاركات   >>  27              التاريخ   >>  25/3/2007



الاخت عائشة

محاولة متواضعة- للمشاركة فى الاجابة ارفق بعض ما يقمد الى الزملاء بمعهد المحاماة فى مصر لعله يفيد

صابرعمار المحامى

  نقابة المحامين

 

  معهد المحاماة

 

 

   كتب التراث

 

      (1)

 

 

 

 

 

 

محيط المحاماة علما وعملا

 

 

 

 

 

                        تأليف                        ترجمة

 

                    جان ايلتون                  محمود عاصم

 

               عميد كلية حقوق ليون           المحامى بالنقض

 

 

 

 

                     راجعه                  لخصه وأعده للنشر

 

              المستشار محمد صدقي            صابرعمار

 

                                             المحامى بالنقض

 

 

 

                 

 

 

  

 

 

                          

 

 

 

 

2005 /2006

 

 

 

الطبعةالأولى للكتب صدرت عن دار مجلة دنيا القانون 1937

 

 

 

 

 

كلمة لازمه :

 

         هذا الكتاب00

 

          ساقتنى اليه الصدفة وحدها ، فأنا صاحب هواية لم أعرف متى بدأت ولا أعرف كيف ومتى ستنتهى ؟ الا وهى فرزالكتب القديمة المعروضة للبيع اذا ماصادفتنى أثناء السير ، وشراء  مايلزمنى منها خاصة مع جودة وندرة المعروض ، بالاضافة الى رخص سعره ، وقد كان هذا الكتاب " محيط المحاماة علما وعملا " واذكراننى سدت ثمنا له ـ منذ أكثر من عشرين عاما مضت ـ مالايزيد عن خمسين قرشا ، وقد قرأته أكثر من مره ، وقمت بتصويره عدد من النسخ وقدمتها هدية الى بعض الأصدقاء 0

 

      وحدث أن طلب منى الزميل والصديق ناصر أمين المحامى ومدير المركز العربى لأستقلال القضاء والمحاماة تقديم محاضرة لبعض المتدربين من المحامين الجدد  ينظمها فى المركز منذ أكثر من خمس سنوات فى المرافعة ، وحاولت جاهدا البحث عن مراجع فى الموضوع لاعداد المحاضرة ، فلم أجد غير هذا الكتاب عونا وسندا ، وقبيل المحاضرة بأيام قدم لى أحد معاونى هدية لم اتوقعها " قرص مرن " عليه نسخة كاملة من الكتاب منسوخة على الحاسب الآلى فقمت بطبعها وتوزيعها على المتدربين فى المحاضرة مع وعد باعادة قراءة الكتاب وتلخيصه وتصحيح الأخطاء الطباعية فى القرص ، ولم أستطع الوفاء بالوعد رغم مرور أكثر من خمس سنوات على الوعد لضيق الوقت ،وهأنذا أحاول بعد وعد جديد قطعته للزملاء بمعهد المحاماة الوفاء ولكن فى ظروف مختلفة أهمها اختفاء النسخة الأصلية من كتابى الذى أقدمه لكم اليوم، وانشغال أكثر  0

 

        كان حرصى ان أقدم تلخيصا أمينا وصادقا يحمل روح المؤلف والمترجم لهذا الكتاب العظيم رغم اختلاف الكثير من المفاهيم القانونية فى بلد المؤلف عن بلد المترجم واختلاف الزمن ، فقد نشر الكتاب عام 1937 عن دار مجلة القانون بالقاهرة ـ  رحم الله اياما كان نشرالعلم القانونى رسالة لا تجارة   ـ وجرت مياة فى النهر منذ ذلك التاريخ ، ومع ذلك يبقى للكتاب رونقة ، وتبدو له أهميته ، وهو مايجعلنا نؤكد على أهميه مناشدة جيل الأساتذة من الرواد فى عالم المحاماة فى مصر ووطننا العربىأن تشخذ الهمم وتقدم لنا من تجاربها وعلمها ما يعين الأجيال الجديدة على صعاب الطريق بعد أن عز التعليم فى الجامعة ، وعز التدريب فى المكاتب ، مع أعتراف بالقصور النقابى فى هذا المجال لأسباب بعضها مقبول وهو زيادة الأعداد والباقى لايمكن تفسيره الا بالقصور الذى نأمل تداركه ، فلم يعد لدينا من ثروات أعز وأغنى من الثروة البشرية وعلينا الاستثمار فيها 0

 

       وبهذا الجهد المتواضع نأمل أن نكون ممن يضيئون شمعة ، والله من وراء القصد 0

 

 

                                        صابرعمار    

 

                                     المحامى بالنقض

 

                               عضو مجلس نقابة المحامين

 

                                  مقرر معهد المحاماة

 

                       الأمين العام المساعدلاتحاد المحامين العرب  

 

 

                                  

 

 

                                      الفصل الأول

 

                                    مهنة المحاماة

 

 

  مهنة المحامي

 

تعريفها - موضوعها

 

 

 

 

تعريفها:

 

(1 )  تعددت تعاريف مهنة المحاماة غير أن غالبية من عرفوها لم يدخلوا في حسابهم ما اعترى عمل المحامي ووظيفته من تطور ذلك أنهم قصروا مهمته على الدفاع في القضايا المطروحة أمام القضاء.

 

وقد غاب عنهم الفتاوى والاستشارات والنصائح القانونية التي تطلب بعيدا عن مجال التقاضي ، وهذا فرع من فروع المهنة يزداد أهمية يوما بعد يوم0    

 

     ويعرف قاموس المجمع اللغوي الفرنسي المحامي بقوله : " انه هو الذي يقوم بمهمة الدفاع في الدعاوى أمام العدالة"  ويضيف " أنه المحامي المترافع الذي يكرس وقته للمرافعة أصلا وهو الذي يقدم رأيه ونصيحته كتابة في المسائل المتنازع عليها وحدها. ويسجل قاموس لترى تعريفا ليس دونه قصور، إذ يقول المحامى هو" الذي توجب عليه مهنته المرافعة أمام القضاء."

 

            أما التعريف الذي اقترحه مجلس نقابة محامي باريس ( سنة 1863) فهو يقول أن مهمة المحامي هي معاونة موكليه سواء بالتوجيه أو ازجاء النصح أو بالدفاع شفويا أو بالكتابة.

 

ان اللائحة الداخلية لنقابة المحامين في ليون (هي وحدها التي عرفت المهنة بالآتي:

 

     " ان وظائف المحامي تتضمن:

 

1 - ازجاء النصائح والاستشارات في كل المسائل القانونية.

 

2 - معاونة الخصوم وتمثيلهم أمام جميع جهات الاختصاص عدا ما نص عليه في القانون  ."

 

فلا شك أن هذا التعريف هو أقوم التعاريف التي ظهرت ومع ذلك فانه لم يبلغ حد الكمال .

 

ونقترح التعريف الآتي:

 

"    ان المحامي هو المقيد قانونا في جدول نقابة المحامين وهو الذي يزجي النصح ويعطي الاستشارة القانونية أو القضائية ويقوم بالدفاع أمام القضاء شفويا أو بالكتابة فيما يمس شرف المتاقضين وحرياتهم وحياتهم ومصالحهم،سواء المعاونة أو التمثيل إذا اقتضى الحال " .

 

 

 

      إن في هذا التعريف ما يوضح العديد من النقاط التي كثيرا ما تقصر عنها التعاريف المألوفة المتداولة.

 

ومحصلة ذلك:

 

أولا - أن المحامي في نظر القانون الفرنسي هو الذي يقيد في جدول النقابة.

 

ثانيا - ان عمل المحامي غير قاصر على الاستشارة والمرافعة في الدعوى بل     يتعدى الى ازجاء النصح وارشاد الأفراد والمصالح العمومية في كافة الأمور التي لها طابع قانوني.

 

ثالثا - وأخيرا كما أوضحنا فان المحامي يمثل موكله ويعاونه في غير الحالات التي يكون عمل وكيل الدعاوى واجبا.

 

 

(2)           طابع مهنة المحاماة وأغراضها :

 

 

أصدر الأستاذ دي كريسنيير نقيب محامي بروكسل الأسبق كتيبا رائعا أسماه " محادثات في فن وصناعة المحاماة والقواعد المهنية "  وقد أبرز في وضوح ، الطابع الخاص الذي تتميز به مهنة المحاماة.

 

       ونحن إذ نتناول ذلك بالبحث والإيضاح في السطور التالية فان الجانب الأكبر منها لا شك أنه من وحي هذا الكتيب المفيد الموجز.

 

          نشأ المحامون ليأدوا خدمة عامة وهم إذ يساهمون في توزيع شئون العدالة انما يقومون برسالتهم التي كانت سببا في وجودهم .

 

لقد أراد القانون أن يقدم للمتقاضين مستشارين يتشحون بأوسمة الشرف ويحوزون ثقة الموكلين ،  كما استهدف الى استنارة القضاة فيما يطرح عليهم من القضايا التي يعهد اليهم الفصل فيها بما يقدمه لهم متخصصون من توضيحات صادقة أمينة .

 

ولم ينشئ القانون طائفة المحامين إلا ليقوموا على حراسته وتطبيق نصوصه في أقوم صورة لإرساء قواعد العدالة على أسس متينة .

 

ولن يغيب عن أذهاننا ونحن نتناول بالبحث قواعد المهنة أنها قائمة على أساس الضرورة وتجاوب مقتضيات الخدمة العامة التي تستلزم هنا وجودها .

 

ومن ثم فاننا نستخلص النتائج الآتية:

 

1 -  ان قواعد المهنة لم توضح لمصلحة المحامين خاصة  ولا شك أن هؤلاء ، سيجدون في النهاية صدى ذلك فيما يعود عليهم من خير يصيبونه عن طريق النظم الصالحة التي يكون لها أحسن الأثر في نفوس المواطنين عامة كما يكون لها على  الأخص نفس الأثر في نفوس القائمين على تنفيذها.

 

2 -  ان مصلحة الموكلين الخاصة لا ترسم خطوط الواجبات المهنية وحدها بل تتعدى الى رعاية مصالح الخصوم الشرعية ولذلك فان قواعد المهنة تذكر المحامي في حزم أن يظل مستقلا في الرأي عن موكله ومن واجبه أن لا يكون أحيانا صدى لمقترحاته، كما يلتزم بتبادل المستندات وأوجه الدفاع مع خصمه الى غير ذلك.

 

     وعلى وجه الإجمال فاننا إذا أردنا أن نتفهم روح المهنة فانه يجب أن نذكر أن المحامي حين يمارس عمله إنما يكون ذلك في سبيل تحقيق مصحة عليا تتصل بالحق والعدل  .

 

إن حقوق المحامي وواجباته إنما وضعت من أجل توزيع عادل للخدمات العامة القضائية - أما واجباته فهي التزامات قانونية وقيامه بالدفاع عن المحتاجين أمام العدالة هو بمثابة الواجب الذي يلزم المواطنين عند الاقتضاء باضطلاعهم بوظيفة المحلف أو الوصي أو عند تلبية نداء الخدمة العسكرية.

 

أما عن حقوقه فانها أقرب ما تكون الى الوظائف والامتيازات المتصلة بالحقوق العامة منها الى الحقوق الخاصة البحتة ، فاذا كان المحامون قد توافروا وحدهم على الدفاع عن مصالح المتقاضين أمام المحاكم المدنية ومحاكم الاستئناف ، فذلك لأن القانون قد رأى أنهم دون غيرهم  ، أقدر على حمل أمانة الدفاع يعرضون وقائعها على القضاء عرضا واضحا، خالصا مما يشوبها.

 

 

(3)           القواعد المهنة والتقاليد والعادات..

 

 

 

إن القواعد المهنية، لتتجاوب تماما ومن الناحية العملية مع الأفكار التي ألمحنا اليها فقد وضعت بشكل يرفعها الى مرتبة الكمال ضمانا للقيام بالخدمة العامة التي يعهد بها الى المحامي. وهذه القواعد يستمدها من القانون أو اللوائح المكملة له أو نقلا عن التقاليد والعادات ، ولتلك القواعد خاصة عندما تتصل بمهنة المحاماة ، ذلك أنه ليس في القانون واللوائح متسع لاثبات النصوص التي ان هي احاطت بها فانها ستكون في تفاصيلها جد صارمة ، بحيث تحول بينها وبين ما تفرضه حاجات المجتمع التي تتغير تبعا لتغيير الظروف والملابسات في كل عصر هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فان رقة الحاشية والتزام حدود الشرف لمن قواعد الأساس في بناء صرح هذه الصناعة .

 

وانه ليترتب على تطبيقها تطبيقا صارما، تجنب التصرفات الخطيرة السيئة كما تحصن المحامي ضد عوامل الإغراء وهي قواعد لا يمكن تقنينها.

 

كما أنه يترتب ولا شك على قصر التمسك بالتقاليد وحدها أن يتسرب الجمود للمهنة ويحصرها في أوضاع غاية في البلى تحول دون القيام بشطر من الخدمات التي لم تنشأ المهنة إلا لها.

 

لذلك فان واجب القانون أن يتدخل لوضع القواعد التي من شأنها تصحيح بعض العادات القديمة إذا تخلف المحامون عن الاضطلاع بهذه المهمة إذ أن العادة والقانون واللوائح لتكمل بعضها بعضا.

 

لقد اعترف الأمر الصادر في 20 نوفمبر سنة 1822ـ فرنسا ـ في المادة الخامسة والأربعين منه بأهمية تأثير العادات في الحياة المهنية وجعلها في قوة القانون وهو يقصد بذلك العرف والعادات العامة السائدة في أوساط المحامين عموما لا تلك العادات الخاصة بالنقابات الفرعية فانها لا تصل الى حد الالزام.

 

وقد ألغي هذا النص بالمادة 48 من المرسوم الصادر في 20 يونيه سنة 1920 غير أنه لم يؤثر في العادات والتقاليد أو يضعف من أهميتها خاصة وقد نص في المادة 46 منه على أن نقابات المحامين هي التي تتولى وضع لوائحها الداخلية وتعديلها  في أي وقت تشاء.

 

كما أن المادة 48 من المرسوم المذكور تلزم النقابات بتعهد عاداتها بالجرد والتصفية حتى لا تحتفظ بغير المفيد وغير المشروع منها والذي يتنافى مع قواعد القانون والقيام بتعديلها إذا اقتضى الأمر ذلك ومرد هذا كله الى الفضل الذي تضفيه القوة الالزامية على اللائحة الداخلية.

 

ان العادات التي تختلف تماما مع نص القانون أو اللوائح المكملة له لا تكون لها قوة الالزام  ، اما العادات التي تتفق ونصوص القانون واللوائح وقد أوحت بها واجبات الكرامة والمصلحة العامة للمهنة فتكون لها قوة الالزام عندما تقرها اللائحة الداخلية وتثبتها.

 

كما يجب أن نذهب بعيدا عن ذلك فان المادة 16 من مرسوم 20 يونية سنة 1920 تلزم مجلس نقابة المحامين بالاحتفاظ بصفات الاعتدال والنزاهة والشرف الذي تستند اليها طائفة المحامين.

 

وهذه المبادئ لاتجد صدى واضحا إلا في العادات التي وان كانت لم تصل الى حد الالزام بقوة القانون ، فانها ترتفع الى مرتبة القضاء الحكمي الذي يجب أن يظل نبراسا للمحامين في سلوكهم وكذلك للهيئات التأديبية فيما تصدره من قرارات.

 

 

(4)           نقابة المحامين :  

 

 

           ان نقابة المحامين هي تلك الطائفة التي استقر أفرادها في دائرة قضائية معينة ولا تخلو جميع البلاد المتحضرة من المحامين أو رجال قانون يقومون بمثل ما يقوم به المحامون ولا يتمتع جميعهم بنظام النقابات التي تلتئم مجموعة منتظمة من رجال يتمتعون بسلطات ادارية وتأديبية وفي قيام هذه المنظمة فائدة جليه وخاصة في الحالات التي لا ينص القانون على انشائها ففي ميدان الحياة العملية متسع لقيام مثل هذه المنظمة كما هو الحال في الولايات المتحدة الأمريكية فمع قيام الهيئات الرسمية فيها فان منظمات قوية تجمع عديدا من المحامين لا يدخلون في نطاق المهنة الإجباري وإن كان يغلب عليهم طابع النقابات المهنية .

 

ويستهدف نظام نقابات المحامين تحقيق أغراض ثلاثة:

 

1 -  ضمان اختيار أحسن العناصر.

 

2 -  تطبيق نظام أكثر دقة بين المحامين الذين يمارسون المهنة.

 

3 -  تأمين كرامتهم واستقلالهم.

 

       وتحقق النقابات الغرض الأول حينما يبحث مجلس النقابة الطلبات التي تقدم اليه لقبولها أو رفضها تحت اشراف السلطة القضائية.

 

وتحقق الغرض الثاني بتنظيم فترة التمرين وممارسة المهنة خلالها.

 

كما توفر الغرض الثالث على الدفاع عن مصالح المهنة والامتيازات التي يقرها القانون لهم عن طريق نقابات المحامين والنقباء.

 

ومما هو جدير بالملاحظة بالنسبة لهذه الأغراض الثلاثة أن نقابات المحامين تعمل لخدمة المصلحة العامة التي يساهمون في ادارة شئونها ذلك أن من مصلحة العدالة أن يكون المحامي شريفا ،  له كرامته وأهليته ومقدرته ، ومن مصلحتها أيضا أن يكون المحامون مستقلين  فالمحامون لا يكونون بمنجاة من النزوات والمشادات التي يتعرضون لها نتيجة بعض الأخطاء الا في قيام نقابة حرة  لها شخصيتها واعتزازها بكرامتها ولها من الشجاعة ما يسمح بابداء رأيها كاملا في صراحة وقوة .

 

وقد أخذ البعض على نقابة المحامين أنها مؤسسة ارستقراطية لا مكان لها في هيئة ذات نظام ديمقراطي.

 

ولكن هذا النقد غير عادل اذ لا مشاحة في أن نقابة المحامين شأنها في ذلك شأن جميع المؤسسات التي تفخر بماضيها العريق - ليس في فرنسا وحدها - بل في جميع بلاد العالم تقريبا حين تنحو نحو التقاليد القديمة وتسير وفق نظم ديمقراطية بحتة.

 

    ويدير شئون النقابة رئيس ومجلس ينتخبان لمدة سنة واحدة أو سنتين بالأغلبية المطلقة ولا تسمح بتدوين ألقاب الشرف في جدولها ،  كما تعامل جميع أعضائها على قدم المساواة ، دون تفريق بينهم في الحقوق ، فلباسهم واحد ويتسم بالبساطة والاحتشام .

 

     وفي نهاية المطاف، فان النقابة لتفتح ابوابها أمام الجميع على شريطة أن يجمع اعضاؤها بين جامعي العلم والكرامة.

 

 

 

 

                                         واجبات عامة

 

 

أساس واجبات المحامي:

 

 

          ان اساس هذه الواجبات  هو العمل على حسن سير الخدمة العامة وفي سبيل خدمة العدالة.

 

         والمحاماة هي الاداة الحرة التي تساهم في تحقيق هذه الخدمة مساهمة فعالة.

 

         ان المحامي ليتجاوب مع مقتضيات الخدمة العامة عندما يطلب اليه ان يكون امينا شريفا ، بعيدا عن العمل على تحقيق مصالحه الذاتية ، متشبثا بكرامته ووقاره، ولو في غمار حياته الخاصة ، وكذلك عندما يطلب اليه ان يحتفظ باستقلاله كاملا نحو موكليه ، ونحو السلطات العامة والقضاة.

 

ويجب أن نذهب الى ابعد من ذلك فالمحاماة في فرنسا كما كانت في اليونان  وفي روما هي مدرسة الحياة العملية العامة، فمن العدالة اذن بل ومن الضروري ان يطالب المحامي في مستهل حياته العملية ، الاحاطة بكل الصفات التي يتعين ان يتحلى بها رجل الدولة.   وفي هذا يقول الفقيه الروماني كانتيلان ان الخطيب المفوه الذي يدعى الاحاطة بكل شيء علما يجب أولا وقبل كل شيء ان يكون محبا للخير، فليست البلاغة حسبه ، بل ما احوجه الى الصفات النفسية الكامنة المستقرة في الاعماق ولست مع القائلين بأن الاداب والحكمة لم يؤتها الا الفلاسفة وحدهم  ، بل اني اعلن على رؤوس الاشهاد ان الخطيب المفوه هو الرجل الذي تفيد منه الدولة بحق ، وهو القادر على ادارة الشئون العامة والخاصة وتولي وظائف الحكم بما يزجيه من نصائح لتشييد دعائم الدول على اساس صالح من القوانين بسن اللوائح اللازمة لذلك.

 

           لقد أدت القوانين واللوائح والعادات رسالتها في تجديد واجبات المحامين ها هو ذا نابليون يقول في ديباجة المرسوم الفرنسي  4/12/1810   " لقد اصدرنا امرنا باعادة جدول المحامين كوسيلة ناجعة في الابقاء على الأمانة ورقة الحاشية والتفاني في العمل والرغبة في التوفيق وعشق الحق والعدالة،  والتضحية الدافقة في خدمة المظلومين والضعفاء وهذه الصفات المجتمعة هي الدعامة الأولى في مزاولة اعمال المهنة".

 

تشير اللوائح العامة، الخاصة بممارسة المحاماة، بالاضافة الى المرسوم الفرنسي الصادر في  20 يونيه سنة 1920 الى انه يجب الابقاء على مباديء العدالة والتفاني في العمل والتحلي بالامانة، وهي التي يستند اليها المحامون في الاضطلاع باعباء المهنة وتحدد اليمين التي يؤديها المحامي ، واجباته نحو الدولة والقوانين واللوائح وقد رسمت المادة 311 من قانون الاجراءات الجنائية الفرنسي خطوط المهنة والطابع الأخلاقي فيها  فأوجبت على المحامي الامتناع عن كل ما يتنافى والضمير ، وأن يعبر عن الأفكار في اعتدال ووقار.

 

 وتجمع التقاليد معها على ضرورة قيام هذه الصفات في سبيل الخدمة العامة بما يوجب مراعاتها بكل دقة واتباعها اذا تعارضت مع القوانين واللوائح  0  

 

         ان الاعتدال صفة من صفات الكرامة وليس فيه قيد على حرية المحامي بل المقصود هو عدم التطرف في التصرفات وتجاوز الحدود فالمحامي وهو يدافع عن موكله يجب أن ينأى عن الاجراءات الكيدية ضد خصمه ، وأن يتحاشى تعقبه في غير هوادة أو رحمة ، وألا يثقل كاهله بالمصروفات الباهظة.

 

ويجب أن يحترم رأي الغير وشخصه مهما يكن الوقت الذي تنشب فيه المعركة بينه وبين الخصم وتكون فيها على اشدها.

 

ويجب أن لا يفرط في المطالبة باتعابه عندما يباشر مصالحه الخاصة ، وإذا أكره على ذلك قضائيا فلا يلجأ اليه الا عند الضرورة القصوى، ولو بعد الحصول على تصريح خاص من النقابة التابع لها.

 

وفي كل هذه الأمور على المحامي ان يحترم العادات ويحافظ على تقاليد المهنة ، ما لم يكن في ذلك مخالفة للقانون واللوائح ولم تولد هذه العادات الا لتحكم واجبات المحامي وترسى القواعد التي يجب عليه اتباعها

 

 

 الكرامة والاعتدال :

 

 

            يتعين على المحامي ان يقيم الدليل في كل وقت على مدى حرصه في الاحتفاظ بكرامته والاعتزاز بها ، سواسية في ذلك وهو يمارس عمله في المحاماة أو في حياته الخاصة.

 

وفي الواقع ونفس الأمر فانه عندما يطلب اليه تقدير الأمور ووزنها، ونقد أعمال الآخرين  فانه يقوم باعمال لا يستطيع القيام بها على مستوى عال ،  ما لم يكن على طول الخط، قد احيط بهاله من الاحترام . ومن ثم فان عليه أن يتفادى من التصرفات ما كان منها مريبا  حتى لا تنال من هذه الكرامة ويستشعر معها الضيق والحرج ، فضلا عما يصاب به في سمعته من جروح وتهوين لشأنه ، وبالتالي فعليه أن يمتنع عن التوقيع على الكمبيالات التجارية التي قد يتعرض معها للمحاكمة والسير ضده في اجراءات قد تحمل الناس على الاعتقاد بانه يقوم بعمليات لا تتفق وكرامة المهنة.

 

          كما يتعين عليه الا يتعرض لدعاوى شخصية فيها مساس بكرامته والا يعالج قضاياه ومعاملاته خارج مكتبه وبعيدا عن ساحة العدالةوأن  يبتعد عن اماكن اللهو والمنتديات ،  وعليه ان يكون حكيما في اتصاله بالناس ومعاشرتهم وان يتفادى اية فضيحة في حياته الخاصة.

 

ويفهم من ذلك ان نقابة المحامين يجب عليها ان تتجنب المساس التعسفي والنزول الى الاعماق في حياة المحامي الخاصة  ، غير انه من المحتم عليها عندما يتكشف لها انحراف المحامي الذي قد ينتهي الى فضيحة عامة، ان تتدخل وتنظر في الأمر لتوقيع الجزاء .. وقد نص مرسوم بقانون على انه يجب على نقابة المحامين فرض الرقابة التي يستلزمها الشرف والكرامة فلا يسمح اطلاقا بان يرتكب من الاعمال ما يتعارض ويتنافى مع كرامة المحامي. وعلى سبيل المثال فانه يمكن تقديم المحامي المنحرف الى المحاكمة التأديبية اذا حاول بأي طريق من طرق الغش والالتواء ان يتنصل من دعوى احد الدائنين او اذا كان قد اتهم باتهامات من شأنها ان تشينه او تؤدي الى فضيحته، أو إذا ما شاهده احد في موقف من المواقف المخجلة والمؤسفة معا، سواء كان ذلك في سكنه الخاص او في الطريق العامة كأن يكون في مشاجرة  في أحد المقاهي او الحانات العامة.

 

         والاعتدال في الواقع هو صنو للكرامة ان لم يكن شرطا لا تتوافر بدونه . ولا يقصد من ذلك تقييد حرية المحامي وانما يتطلب الأمر منه ان يكون معتدلا في انتهاج الطريقة التي يستعمل فيها حقه ، دون ان يسيء استعمالها. ولذلك فانه يتحتم عليه عند الدفاع عن مصالح موكليه ان يتجنب قدر جهده ، أي اجراء كيدي ضد خصمه ، وكذلك تلكم الاجراءات العنيفة التي تتعارض والانسانية الرحيمة، والتي تؤدي الى اثقال الكاهل بالمصروفات الباهظة ويجب عليه احترام غيره من الناس واحترام ارائهم اذا ما اشتد النقاش ، وحمى وطيس الكلام بينهم. وعندما يكون الأمر متعلقا بمصالح المحامي الشخصية  فيجب عليه عدم المغالاة في تقدير اتعابه ، وألا يشدد النكير ضد من يطالبهم بها، حتى لو كان ذلك في الحالات التي تأذن له فيها النقابة التابع لها المخاصمة. وفي جميع الحالات ومختلف اوجه الرأي  فانه يجب على المحامي احترام عادات وتقاليد المهنة ما دامت لا تتعارض مع القانون واللوائح فانها لم تنته الى ما انتهت اليه ، الا يقصد تحديد واجباته تفصيلا وهي التي تفرضها اداب المهنة وقواعدها على المحامين وعلى الرغم من ان القانون الذي منح العادات داخل النقابة قوة القانون ، ولم تلبث ان الغيب فان هذه العادات والتقاليد مازالت تحمل في طياتها طابع الالزام ، إذ انها لا تطبق الا القواعد القانونية التي ترتكز عليها وتستند اليها.

 

 

الأمانة:

 

 

ان كلمة الأمانة تجمع في معناها ومبناها واجبات المحامي كلها انها لا تعني الامانة المالية وحدها  ولكن تتجاوزها الى النزاهة وحسن القصد . وفي ذلك يقول دي كريسنيير: ان المحامي الذي تقوم وظيفته على خدمة العدالة ، لا يستطيع ان يعمل على تضليلها.

 

 فمن الواجب الا يشير على موكله بعمل يشوبه الغش ولأن يؤكد له شيئا او ينفيه وهو غير عالم بصحته. وفي المرافعة يجب الا يشير الى آراء مشوهة، نقلا عن بعض المراجع بما يفهم منه عكس ما يرمي اليه ، ولا أن يحجز تحت يده مستندا لا يحق له حجزه.

 

ان واجب المحامي قاصر على تقديم بيانات تتسم بالصحة ، حتى لا تتأثر الثقة المتبادلة بين القضاة والمحامين ، وهي لا بد منها لممارسة المهنة من فوق ربوة عالية0

 

ويصدر قرارا بتوجيه اللوم لمحام قدم للقاضي بيانات غير صحيحة في رعونة وعدم احتياط .

 

        على المحامي ان يستعمل الحرية الممنوحة له في سبيل نصرة الحق وان لا يتحدث عن شيء، لا يكون واثقا من صحته، انه الواجب الذي يملي عليه ذلك ، وسمعته التي يضعها في كفتي ميزان.

 

ولهذا السبب ايضا فعلى المحامي ان يمتنع عن عمل أي شيء من شأنه تعويق امور العدالة  في القبض على متهم او السماح له باتصالات ممنوعة قانونا. ويرتكب المحامي خطأ جسيما إذا سمح لنفسه ان يبلغ خطابات او تعليمات من سجين الى اسرته او شركائه، ان هذا الالتزام الملقى على عاتق المحامي في ان يقوم الحق امام العدالة، ينبثق من واجبه الذي يحتم عليه احترام سر المهنة.

 

 

 

  

 

 

        علاقة المحامي بزملائه

 

وعلاقة المحامي بمجلس النقابة:

 

 

           ان المهنة التي يصعب ان تحتفظ بجلالهاالذي اضفاه عليها بناتها من كبار المحامين الذين سبقونا في هذا الميدان بالتزام قواعد الأمانة والشرف، والتشبث بالتقاليد التي تستند الى الصالح العام في سبيل خدمة العدالة، لا مناص من خضوع كل محام لسلطة النقابة، التي يمثلها ومنحها حق محاكمة كل من يخرج على هذه التقاليد، وكل من تحدثه نفسه بارتكاب أي عمل يسوء الى سمعة المهنة وكرامتها.

 

لذلك كان احترام هذه السلطة واجبا على كل محام  ، فعليه ان يجيب النقيب الى طلبه في الرد على ما يستوضحه فيه، وإذا دعى للمثول امام مجلس التأديب فيتعين عليه ان يدلى بالحقيقة، وكذلك الحال اذا استدعاه المقرر او النقيب  ليشرح موقفه في أمر معين ، فان كل مداورة ومراوغة تكون خطأ مهنيا جسيما  وشأنها شأن الامتناع عن الاجابة .

 

ان المحامين ليفخرون باحاطة الشيوخ منهم لا سيما نقباءهم السابقين بسياج من الاحترام الخاص فيعتبرونهم ذوي سلطة ادبية مستمدة من تجاربهم الطويلة والوظائف التي تقلبوا فيها.

 

يجب على المحامي عند المرافعة امام محكمة غير التي يباشر امامها اعمال وظيفته عادة ان يقدم نفسه الى نقيبها الفرعي لكي يعبر عما يكنه له من احترام  وليضمن حمايته اذا ما استدعى الحال ذلك      .

 

 

فكرة عامة عن الزمالة:

 

 

          الزمالة يمكن تعريفها بانها الروح التي تحكم علاقة المحامين بعضهم ببعض وهي مستمدة من شعورهم بالتضامن المهني وبالواجبات التي توحي بها  والثقة المتبادلة التي تفرضها.

 

 

 

             ان كلمة الزمالة موجز لمعنى جميع الواجبات التي يتعين على المحامين عموما رعايتها فيما بينهم فهي التي تصون الكرامة واستقلال النقابة، وتستمد قوتها من الاعتدال والكياسة وتهيء للزمالة القيام بأعباء المهنة في بهجة يندر ان تتمتع بها باقي المهن الأخرى وهي تيسر العلاقات وتطيح بالصعوبات التي لولاها  لتعذر امر التغلب عليها كما انها اكبر عون للعدالة  لأنها تسم القضايا بطابع المرونة التي تقذف بالاحقاد والخصومة.

 

         والزمالة لا تصنع من المحامي رجلا شريفا فحسب، بل انها تصنع منه صديقا للمجتمع حميد السيرة ،  سامي الخلق.

 

        ان الزمالة كما قلنا تأسست قواعدها على التضامن المهني، ذلك لأن العدالة عمل جماعي فالمحامون خاصة يشتركون في المناقشات التي تديرها المحكمة بين الخصوم ، وهذا شرط العدالة الحقة والضمان الصادق على حسن توزيعها.

 

لذلك فان الخدمة العامة تحتاج الى حسن استعداد المحامين مجتمعين لحسن سير الأمور وعلى كل منهم ان يعد نفسه لبنة في صرح البناء وفردا داخلا في نطاق المجموع.

 

لاشك ان مهنة تتراوح بين النجاح الباهر والفشل الذريع احيانا، وتكاد تغرق في بحر لجى من الحقد والحسد لا يكون عجيبا ان تزور عواطف النبل فيها عن كهف الزمالة وتلك نتيجة طبيعية لجرثومة الضعف التي تنخر في عظام الجنس البشري .

 

ومع كل ذلك فانه يمكن القول بأن الأمثلة الصالحة التي ضربها اسلافنا ، والشعور السامي المتبادل بين اغلب زملائنا، ليخفف من حدة هذا الضرر وذلك الخطر.

 

 

التطبيقات الأصيلة لفكرة الزمالة:

 

 

1 ) التضامن المهني:

 

 

                  يجب على المحامين ان يتعاونوا في الذود عن كل ما يمس سمعة زملائهم ومصالحهم وكرامة طائفتهم .

 

وهكذا الحال مهما يكن من أمر ألا يدعو الموكلين يسددون طعناتهم الى ظهور زملائهم وإذا وقع أي حادث في الجلسة بين المحامين فانه يتعين على أقدم زميل أن يتدخل لحسم النزاع وتهدئة الخواطر، ويجب على النقيب مجردا من سلطته التأديبية، أن يوفق بين المحامي بما له من سلطة روحية ابوية  ، صونا للمبدأ والسير به الى النهاية، أن على المحامي ان يكف عن الزراية بزملائه ومن واجب المحامي الذي يحل محل زميله في عمل ، ألا يقبل هذه الحلول من الموكل  ما لم يتأكد من حصول زميله على أتعابه كاملة وقد أقرت جميع النقابات هذه القاعدة .

 

            ومن اللوائح الداخلية ما تذهب الى مدى ابعد فهي تفرض على المحامي ان يقدم النصيحة لزميله فيعرض عليه خدماته حتى تعود اليه ثقة الموكل  أن مثل هذا السلوك مشكور مبرور، ولكن من المشكوك فيه أن يلتزم المحامي حدوده.

 

 

 

 

 

 

 

2 ) المجاملة والترحيب:

 

       

 

             ان عدادا من اللوائح الداخلية قد اقرت بابا خاصا لهذا الموضوع لتوصي فيه المحامين بتبادل المجاملة التي بدونها يكون جهادهم ضربا من المحال.

 

             وقد قضى في هذا الصدد ان المحامي يخل بواجبات الزمالة عندما يسجل في صحيفة من الصحف اعمالا من شأنها احراج زملائه ، لا سيما اذا كان النشر عن هذه الأعمال التي قام بها المحامي بسبب أعمال مهنته.

 

ومن ثم فانه يجب على المحامي أن يحتفظ بكرامة زملائه، ويمتنع عن السخرية بهم تصريحا أو تلميحا وعليه ان يلتزم جانب الاعتدال عند مناقشة زميله، وان يتفادى الزامه المرافعة إذا كان مريضا او حال دون ذلك حائل ، ان لم يكن على استعداد سابق للمرافعة وان كان من الواجب ان يكون متأهبا فعليه مع ذلك أن يكون مجاملا، ما لم تتعارض مع ذلك مصالح موكليه.

 

وعلى شيوخ المحاماة الذين يكن لهم شباب المحامين كل احترام واجلال ، ان يسدوا لهم النصائح ويمدوا لهم يد المساعدة في كل أن وعليهم الا يجاوزوا حدود خبرتهم الواسعة ،  نحو من هم احدث منهم وان يردوا عنهم في الجلسات أي شر.

 

وعلى المحامي دائما ان يضع نصب عينيه أنه وزميله صنوان إذ هما يتشحان برداء المحاماة ومن هنا حرم على المحامين  قرن القاب الشرف، بكل ما يتصل باعمال المهنة.

 

       كما اننا نرى جهابذة المحامين يعاملون الشباب من زملائهم على قدم المساواة، ومن غير اللائق ان يشعر المحامي زميله ولو من طرف خفى ان فارقا في الثروة او المركز يفصل بينهما فلا يجوز ان ينظر الى زميله شزرا، لأنه ينتمى الى نقابة أقل من نقابته شأنا.

 

ان في ادنى النقابات شأنا في فرنسا محامين موهوبين بلغوا شأنا بعيدا من الناحيتين الثقافية والخلقية ، فلكل الحق في التمتع بالمجاملة الكاملة.

 

        تفرض اللوائح الداخلية على كل محام ان يعبر عن هذا الشعور حال مرافعته بعيدا عن دائرته ، وعندئذ فعليه في هذه الحالة ان يقوم بزيارة زميله المحامي عن خصمه.

 

ومن واجب اللياقة الا يتصل المحامى بخصم موكله مع ملاحظة ما يثار من الصعوبات عند اباحة بعض المحاكم حضور المتقاضين باشخاصهم.

 

 

لا يستطيع المحامون أن يؤدوا واجبهم على الوجه الأمل ، ما لم يسموا بطابع النزاهة التامة والثقة المتبادلة.

 

لذلك تحرك العادات واللوائح الداخلية ان يرددوا في الجلسات ما دار من مناقشات الصلح بين طرفي الخصوم. فالعهد الذي قطعه المحامي على نفسه يجعله مسئولا عن التمسك به في عناية واحترام.

 

 والمحامي الذي وعد الا يذيع مراسلة فيودعها ملف الدعوى يكون معرضا للجزاء التأديبي.

 

وعلى المحامين ان يتبادلوا المذكرات والمستندات في الوقت المناسب قبل الجلسة.

 

ويجب ان تقوم الثقة بين المحامين في تبادل المستندات دون حاجة الى أي اجراء آخر او ايصال، ولا ضمان لذلك سوى الصراحة والثقة المتبادلة بين الزملاء.

 

ان شرف المهنة  كل لا يتجزأ وأدلتها الرائعة على علو كعبها، وارتفاع مستوى الأخلاق بين صفوف القائمين بشونها يؤديه قيام الثقة بينهم في تبادل المستندات وعدم زعزتها إلا في القليل النادر من الحوادث.

 

ومن البديهي انه من قبيل الحذر والحيطة ما يفعله المحامي وهو يرقم مستنداته، ويحتفظ بصورة منها لتفادي الخطأ والنسيان الذي يقع فيه محامي خصمه،وليس في ذلك ما يجرح الزميل في شيء.

 

ويجوز تبادل جزء من مستند اذا رأى المحامي انه ليس في النية الاحتجاج به كاملا بل جزئيا ، وبذلك فانه لا يجوز للزميل ان ينتفع بالجزء الباقي منه كما ان له أن يرفض استلام جزء من المستند، ويطالب بالاطلاع عليه كاملا.

 

فالمحامي الذي يعرض عليه زميل له مستندا للاطلاع عليه ، لا يجوز له ان يتخلى عن ذلك ويجب الا يجري فيه أي تعديل.

 

ومهما يكن من أمر فانه يجب الا يسلمه لموكله ، كما يجب عليه ايضا ان لا يعيده.

 

 

                             المحاماة فن وصناعة

 

 

الناحية الفنية لصناعة المحاماة

 

 

1 ) اعتبارات عامة

 

 

              متى وكيف يستطيع المحامي ان يتلقى اصول المهنة ؟

 

 

تناول الكثيرون بالبحث هذه الصناعة ومازال كتاب الفقيه الروماني "كانتيلان"  أحد المراجع التي يرجع اليها في هذا الموضوع لما ينطوي عليه من نصائح ثمينة.

 

كما نشر "البيرت ليوفيل" في سنة  1880 كتابا شيقا عن عمل النقيب الأسبق "فيلكس ليوفيل" عنوانه "المحامي – نصائح من محام قديم الى المحامين تحت التمرين" ويحوي هذا الكتاب الكثير من الاستشارات والاعداد المهني ، وجاء من بعده دي كرنسنيير نقيب محامي بروكسل فعالج هذا الموضوع  وفي سنة 1921 اعاد طبعه تحت عنوان "محادثات عن صناعاة المحاماة والقواعد المهنية"  وقد انطوى على الكثير من النصائح النافعة في ترتيب واضح وطريقة مركز مجملة  فعندما يتخرج المحامي الناشيء في كلية الحقوق ، وتتلقفه قاعات الجلسات فانه يكون خالي الذهن عن كل ما يتصل بصناعته، وهو وان كان قد تلقى علوما بعيدة المدى ، تؤهله لحل المشكلة القانونية التي تعرض له ، الا انه يجد من العناء في فهم ما تنطوي عليه مستندات الدعوى ومسايرة تقاليد الجلسات ، والالمام بما يقدمه الموكل من شرح لتفاصيل دعواه، واتخاذ سبيل واضحة مفيدة في المرافعة.

 

وقال في هذا المعني النقيب "البرت سال"  في حفلة افتتاح مؤتمر محامي محكمة استئناف باريس في 3 ديسمبر سنة 1921 "ان فن المحاماة جد دقيق ولا يستطيع المحامي ان يملك زمامه بمجرد اداء اليمين ولكن لابد من الدراسة العميقة والمثابرة على البحث وتوافر الاستعداد الشخصي المطبوع."

 

        وهذا لا يكفي أبدا مهما يكن المحامي موهوبا كما أنه لا يغني عن التفقه في القانون شيئا. إن اجازة الحقوق ان دلت على شيء فلا تدل الا على ان حاملها قد الم بالقوانين واطلع على خلاصة الآراء في العقود والالتزامات بوجه عام وتأهل في طريقة البحث القانوني وهذا هو جماع ما عسى أن يكون قد احاط به على وجه الاجمال غير ان المحامي الناشيء  لا يعرف مدى الفرق بين الانذاروصحيفة الدعوى وتراه يتعرف لماما على ما ينطوي عليه الحكم، ويكاد يتيه في ثنايا وقائعه ويقصر عن تفهم حقيقة منطوقه.

 

           فواجب المحامي الناشيء اذن ان يقف على قواعد المهنة وعاداتها اما عن طريق المراجع و/او الاجتماعات والمحاضرات التي تنظمها النقابات واما عن  طريق المحادثات وتبادل الاراء القانونية مع قدامى المحامين.

 

          علمتنا التجارب ان المناقشات القانونية وتقليب وجوه الرأي المختلفة بين كبار الزملاء والاساتذة من أهم العناصر في تكوين أفق المحامي في حياته العلمية والعملية لأنها تنتهي بتحصيل خلاصة الأفكار الناضجة من مصادرها الصحيحة وقد سئل رجل نبغ فجأة " أنى لك هذا العلم " فقال: لسان سئول وقلب عقول".  وليس هذا كله هو المعين الذي يستقى منه المحامي تجاربه العملية بل ان درايته ومدى تكوينه الشخصي يتطور ويقفز في سرعة بالغة تبعا للظروف والملابسات.

 

       وكثيرا ما يطول المطال وتظل بعض الهنات عالقة به بسبب قصوره في النهل من مناهل المهنة في انتظام وأناه يعصمانه من الوقوع في الزلل .

 

ان الغرض من افراد باب لهذا الموضوع هو ارشاد المحامين الناشئين إلى مجموعة من القواعد التي تمهد لهم الطريق في مستهل حياتهم العملية .

 

ولا شك ان من يعتمد على الاحاطة بهذا القواعد وحدها لن يفيد من ناحيتي الاستشارة والمرافعة، شأنه في ذلك شأن من يطالع كتابا في السباحة ، ولا يتزود بالنصائح العملية التي هي ثمرة لخبرة طويلة .

 

نعم انها تنير السبيل للمحامي الذي يعمل على تفهمها ومعرفة كنهها وهو عندما يمضي فترة التمرين تحت اشراف ممن تقدموه وضربوا في هذا المضمار بسهم وافر فانه سوف يتفادى ما يوجه اليه من اسباب النقد ويصلح ما وقع فيه من أخطاء مستعينا بتجارب زملائه القدامى.

 

   وبذلك فانه يصل بخطى سريعة الى احتراف مهنته بحالة صالحة مفيدة.

 

 

وسائل النجاح في ميدان المحاماة:

 

 

            يذهب الكثير من الناس الى أن النبوغ الفطري والمواهب الطبيعية هي السر الوحيد في النجاح الكامل للمحامي. مع انه حق على الاقلية القليلة في الأزمنة السالفة حين كان فن المحاماة مركزا كله في الخطابة وجسن الالقاء. ولقد كتب الفقيه الروماني"كانتليان" في هذا الشأن فقال: " ان مباديء الفن وتعاليمه جميعها تقف دون الوصول بالمحامي الى أعلى درجات التفوق ما لم تكن الطبيعة قد حبته وحابته ولن يفيد كتابي هذا محاميا غير موهوب ولن يزيد امره على مؤلف في زراعة الحقول للاستفادة منه في تطبيقها على اصلاح الأراضي البور".

 

اما اليوم فان فصاحة اللسان، ودقة البيان لم تعد كما بينا في الماضي من لزوميات النجاح وذلك على الرغم من أهميتها البالغة في المرافعة امام المحاكم الجنائية وكذلك الحال في المواد المدنية ، فان له تقديره على نحو لا ينال من سلامة الموضوع.

 

وبالجملة فان أهميته محدودة كاحدى العوامل الطبيعية فيه ومن ناحية اخرى، فان صناعة المحاماة تتطور نحو ميدان الاستشارة التي تتطرق الى شتى الاعمال ولا تقف دائما عند معالجة القضايا وحدها، ومن جهة ثانية فان المذكرات التحريرية تكاد تطغى بأهميتها على المرافعة في الدعوى، وهكذا الحال امام النيابات الادارية، ولدى الخبرات وعديد من المحاكم التجارية، والهيئات القضائية الفرنسية.

 

ويجوز دائما بصرف النظر عن المواهب الطبيعية ان يتعرف المحامي القواعد التي تعاونه على عرض الموضوع في وضوح وايجاز.

 

وتتركز الصفات اللازمة للنجاح فيما يلي:

 

 

1- الثقافة العامة

 

2 – تعشق المهنة

 

3 – تذوق العمل

 

4 – المثابرة

 

 

       وماعدا ذلك فهو ثانوي ولا يضير المحامي ان يكون خفيف الظل ورقيق الحاشية فيكسب من الاصدقاء من يكسب ويحتفظ بهم وأن يكون سليم البنية قوي الذاكرة.

 

 

الصفة الاولى : الثقافة العامة:

 

 

              يعيش المحامي في مجتمع متشابك يفيض بالشهوات ويعج بالصراع فلابد له من دراسة الجو الذي يعيش فيه وأن يقف على حقيقة هذه الشهوات واسبابها وآثارها.

 

           وإذا اراد المحامي ان يكون مستشارا ناجحا  فعليه معرفة السبيل الذي يرتفع به عن مستوى الدعوى التي يباشرها، وأن ينظر اليها كقاضيا قبل أن يترافع فيها محاميا ، ومن ثم فان عصب هذه الصناعة ان يكون المحامي في مجموعه موسوعة في الأدب والفلسفة والتاريخ لأنها من لوازم النضوح العقلي واتساع الافق في المعلومات العامةالتي لابد منها لممارسة هذه الصناعة، فهي عون له ليكون عذب الحديث سلس العبارة في الكتابة، رفيع المستوى الأدبي في اللغة فيأسر بها القاضي.

 

         وهذه العلوم –قبل كل شيء- كفيلة بفتح أبواب عقله وقلبه فتهديه الى سواء السبيل .

 

ان المحامي يكسب في عمله على مدى الأيام  وتزوده بهذه الأسلحة لا يؤدي به الى الاضطراب أمام أي تشريع حديث أو أمام أية حالة من نوع غير مألوف.

 

ان المحامي المجرد من المعلومات العامة لايستطيع اجتياز الصعوبات العادية في سرعة ودقه نظر الى الأموروذلك بسبب توالي الحوادث المماثلة ، غير انه يصبح عاجزا عن مواجهة أي نوع جديد من المشاكل. ولاشك فانه سيرتكب في هذا المضمار أخطاء جسيمة.

 

ومن اجل ذلك فان على المحامي أن يجمع الى معلوماته العامة دراية تامة بالقانون.

 

           قد يزل المحامي احيانا في الجلسة فيعلن عن جهله بالقوانين حين يقول انه يترك الأمر للعدالة، وهذا خطأ فاضح يدل على الجهل المطبق إذ الاحاطة بالقانون من الزم واجبات المحامي ، لأنه بعد الفراغ من دراسته الجامعية، يجب ان يلم بجميع المسائل القانونية للتمكن من تطبيق المباديء التي استوعبها على وقائع الدعوى لأن كثيرا من الصعوبات التي تبدو في محيطها منيعة الجانب يكون التغلب عليها امرا ميسورا وبذلك فانه يتفادي عوامل التردد ويتحصن ضد اسباب الفشل وكثيرا ما استطاع محام هذا شأنه أن ينتزع من ثنايا الوقائع حقيقة غير ظاهرة وهذا هو الحجر الأول في بناء مجد المحامي .

 

           ومن ناحية أخرى، فان الثقافة العامة هي احدى اللزوميات التي يستطيع معها المحامي ان يرتفع الى المستوى العالي الذي تميز به اسلافنا، وبدونها تتصدع جوانب المهنة على ما فيها من نبل وكرامة ، تكاد تهوى بها الى الحضيض.

 

فالمحامي وهو يتصل بموكله في صراع دائم في سبيل مصلحته قد يدب في قلبه الجشع القاتل ، فينجو المحامي بنفسه مستعينا بهذه الثقافة على تلطيف الجو الخانق  الذي تدفعه اليه اجراءات التقاضي فيحيط به الشك، وينظر اليه من مواطيء الاقدام.

 

ان تعشق العلم والفن والاعتصام بأسباب الخير لمنجاة للمحامي من أشد عوامل الاغراء التي تقف الى جانبه وتحميه من الانحراف وتضمن له حياة تفيض بالاخلاق الكريمة 0

 

ونثبت فيما يلي النصيحة التي زود بها النقيب "البرت سال" للمحامين تحت التمرين في خطابه لهم يوم 3/12/1921

 

"عليكم ان تستخدموا مواهبكم وميولكم في أوقات فراغكم فارسموا وانحتوا والفوا واقرضوا الشعر ، ولكني استحلفكم ان تنفضوا عن جبينكم خلال ساعة كل يوم غبار الملفات وتستنشقوا هواء لا يعكره غبار الجلسات.

 

       إن هذه الرياضة لتتسع بها أفكاركم وتسموا بها عقولكم وتنشرح لها صدوركم باقبالكم على مطالعة موسوعات داللوز.

 

وإذا رغبتم في ان يكتب لنا النصر امام القضاء فلا يغيب عنا انه حليف المحبة والجمال ولابد من ان تصلوا دون عناء الى المثل الأعلى للانسان الذي يجد الرجل الشريف في الاهتداء اليه إذا دأبتم على حب الخير، وتعشق الجمال والتزام جانب الحق. وان اعتصامكم باسباب الشرف والنزاهة ليخلق منكم محامين صالحين".

 

 

الصفة الثانية – عشق المهنة:

 

 

        جاء في الخطاب الذي اعدة داجيزو لأول مرة بمناسبة انعقاد جمعيات المحاكم والتي كانت تعقد جلساتها كل يوم اربعاء من كل اسبوع لمناقشة بعض المسائل القانوني  " ان من اجل الصفات واخطرها عشق المهنة  ، وليس أسعد للمرء من أن يرى الحياة التي يحياها هي اقصى ما يمتمناه ".

 

فان كان المحامي لا يحب عمله حبا جما فلن يعمد الى المثابرة التي يتوقف عليها نجاحه وهي الدعامة الكبرى للنجاح فتخبو تارة وتهون كرامة المهنة ومن هانت عليه هذه الكرامة كانت على الناس أهون ، وهي صدى لما تضفيه من وقار في حياته فيتزعزع ايمانه، ويتقوض أمله وبنيانه على تلكم الصخرة العاتية بسبب ما يصادفه من حظ عاثر ،  وأمل ضائع في حياته العملية.

 

ان صناعة المحاماة لجديرة بالحب وهي دون غيرها تتيح لمن يحمل امانتها أن يقوم بأجل الخدمات فكم من الناس من يدين للمحامين بثروته وشرفه وسمعته وحياته وليس له من سلاح في سبيل ذلك إلا قلمه ولسانه وهو يحمل بين جنبيه أجمل العواطف وأنبلها.

 

 وقد بينا فيما تقدم أنه في سبيل قيام المحامي بواجبه يتعين أن يكون موسوعة في الثقافة جامعة، ولا يله من دوام التحصيل ولا يغيب عن الذهن أن ما تتميز به صناعة المحاماة هو انتفاعها بكل ما هو جميل فلابد لنا اذن من أن نضع فن المحاماة فوق الفنون جميعا وأن تأخذ مكانها اللائق بها من الاحترام وأن تكون مثلا أعلى في الحياة العملية.

 

ان المحامي الذي لا يعتنق هذه المباديء ويعتز بها يفقد الكثير من شعور الارتياح والاقبال اللذين تضفيهما المهنة على صاحبها فهو إذا لم يتفان في خدمتها ويقبل عليها حتى الاعماق فانه يترك نفسه نهبا لأسوأ العادات الخطيرة التي تهدد المهنة في صميمها، وهو إذا أعوزه الاخلاص والصراحة الى درجة التآمر مع الموكلين على الاطاحة بالحقوق الثابتة للفوزبكسب دعوى خاسرة، عن طريق التحايل والغش والكذب والمكر والخداع فانه بذلك لا يعشق المهنة، ولا يكن لها أي احترام.

 

              ان مثل هذا المحامي، لن يضع مستقبله في كفتي ميزان بما يحيط به نفسه من سوء ظن زملائه وفقد ثقة القضاة به فحسب بل انه ليعصف بشعور السعادة والنبل الذي تضفيه المهنة على ذويها بل يطيح بحسن التقدير والاعتبار ويطيح بتحقيق الوية النصر احيانا الذي لابد وان يكون جزاء وفاقا لذوي الضمائر الحية ومن يرفعون علم المهنة عاليا ويعملون في تفان واخلاص.

 

                        ان عشق المهنة واحترامها هما العاملان الكبيران، اللذان يبثان في صدر المحامي  الثقة بنفسه ودقة النظر في الأمور والقطع فيها بحزم وعزم شديدين ويبعثان فيه الحرارة المتقدة والحمية المتأججة التي تكتب له النجاح.

 

ان المهنة لتمنح من يعشقونها رضاء النفس، وراحة الضمير، ولا يلبثون طويلا، حتى يشعروا أنهم فوق هامات البشر.

 

مامن شك في أن المحامي، لا يجوز له أن يعتقد انه سيصيب من مهنته ثراء واسعا، غير ان من تحبوه الطبيقة بمواهب خاصة، ويحنو على مهنته بعمله ومثابرته، فانه لابد واصل في كفاحه الى طريق الاستقلال المنشود في حياته.

 

 

لقد جاء في كتاب فيلكس ليوفيل  المحامي ص 16  وما بعدها:

 

ان اسباب الارتياح المهني ثلاثة: الاغتباط باجراء الصلح، والمرافعة، وكسب الدعوى. ونضيف اليها رابعا، وهو تتويج عمله بالنجاح في مهنته، ذلك انه لا توجد سعادة احق واسمى من ان يرى المحامي نفسه، يتمتع رويدا رويدابثقة الموكلين، ورجال الأعمال الذين يزخر بزيارتهم، ويفيض بملفات قضاياهم مكتبه، بفضل جهوده وعنايته الدائمة.

 

ولا غرو ، فان المهنة لا يخلو طريقها من اشواك ، فلا يجوز ان نسير فيه، ونحن حفاة الاقدام، فندمي. ولابد ان نصل الى طريق النجاح، ولكن في خطى متئدة محققة وكثير من المحامين ينفذ صبرهم عندما يطول بهم انتظار اسباب النجاح، او عندما يبدأون يرون حظهم منه اصبح بعيد المنال، فيفقدون اعصابهم وتجمد قرائحه، ولا علاج لذلك كله الا بالعمل المتواصل، مهما بعدت الشقة، وغلا الثمن.

 

وإذا تعذر على المحامي، ان يجد عملا، فامامه الطريق الى لجنة المساعدة القضائية حيث الفرصة سانحة. وان اعوزته القضايا، فلن تفوته لجنة انتداب المحامين عن المتهمين. وانها لرياضة فكرية لازمة، ان يدلى المحامي بدلوه بين الدلاء، فاذا كان من عشاق الكتابة، فعليه ان ينشر ابحاثه القانونية، ويسهم في المؤلفات العلمية، وهناك مثل حي على ذلك، فقد أمضى المحامي الكبير فرناند لابوري وقتا طويلا في تدبيج امثال هذه المقالات، لتحقيق اسباب النجاح، الذي كان دافقا وعظيما.

 

ومن ناحية اخرى، فان المحامي كثيرا ما يفقد صوابه، بنكران بعض موكليه لجميله، ولكن الذي يعمل في سبيل خدمة المهنة وحدها، سرعان ما يجد العزاء، وحسن الجزاء.

 

وأخيرا وليس آخرا، فان البعض من رقيقي الشعور من المحامين، لا تقوى اعصابهم على الثبات والاحتمال، فيثورون على الباطل اذا انتصر على الحق، وقد تصارع المحامي الأمين عوامل الغش والتحايل، وسوء نية الخصوم وتهاون الشهود، وفي بعض الأحيان تحيز القضاة، وفي الغالب الأعم عدم درايتهم، فيصرع غيله وغدرا، ويخسر دعواه ظلما، وهذا مما يحز في نفسه، ويزيد في إيلامه ولتخفيف وقع ذلك في نفسه، يجب مراعاة الآتي:

 

1 – كثيرا ما يعتقد المحامي، ان القضية في وضع أقوى مما تكون عليه في الواقع، فسرعان ما يحكم بنجاحها، دون تقدير لجميع عناصرها، وهو مدفوع الى كل ذلك بالمصلحة والحماس في اعداد الدعوى، فاذا ما صدر الحكم على خلاف ما كان ينتظر ، اعتقد انه مجانب للصواب.

 

2 – إذا ثبت المحامي على اعتقاده بأن قضيته عادلة فصدر الحكم على خلاف القانون فعليه الا ييأس فان في ميدان الطعن متسعا له الى غير ذلك من اتخاذ وسائل اخرى تخفف من وطاة هذه الأحكام ،  ومن واجب المحامي ان يرشد موكله اليها في كثير من الحرص مع تفادى ظهوره بمظهر المتحدى للقانون وأحكام القضاء.

 

3 – وفي نهاية المطاف فلن يشعر المحامي كثيرا بوطأة الفشل إذا استطاع أن يطمئن الى أنه لم يفعل شيئا يضر بمصالح موكله فيستريح ضميره بما يكون له بلسم العزاء وليس اشد من عذاب الضمير عقابا للمحامي المتراخي أما الأمين فلن يجد اليأس والملل سبيلا الى قلبه لأن حكم الضمير أول شاهد على ما قام به من عمل كريم.

 

وبالجملة فان عشق المهنة سند للمحامي في صراعه يشيع الجمال في نفسه ويزيد في سعادته عندما ينعقد له لواء النصر ويخفف من حدة الالم إذا ما اصابه الفشل .

 

 

 

 

 

 

الصفة الثالثة – حب العمل :

 

 

لا سبيل الى نجاح المحامي بغير المثابرة على العمل حتى اللحظة التي يخلد فيها الى الراحة، وقد جاء في كتاب "لاروشي فلافيان" ان المحامي وهو يقوم بعمله يبرأ من مرض قد يقع فريسة له وهو الكسل وإذا كانت البركة في البكور، فان من لزوميات عمل المحامي النهوض مبكرا لاستئناف عمله في الصباح ".

 

وكتب لوازيل" عن مهنة المحاماة فقال" انها تتطلب التفرغ التام للقيام بالعمل

 

ويقدر فلكس ليوفيل عمل المحامي اليومي بعشر ساعات على الأقل. أما كيف يستطيع المحامي أن ينظم وقته فأمر ذلك موكول لظروفه الخاصة ، كما يتوقف على العادات المرعية في كل بلد وعلى ساعات انعقاد الجلسات وعلى ما اذا كان المحامي يعمل مستقلا او كان يعاونه زملاء آخرون ، أو يعمل بالاشتراك مع احد قدامى المحامين. فاذا فرض ان المحامي يقوم بالعمل وحده أو مع شريك له في بلد تنعقد فيه الجلسات ، بين الثانية عشرة الى الثانية بعد الظهر فعلى المحامي في هذه الحالة أن ينهض مبكرا حتى يكون في مكتبه ، في ميعاد لا يتجاوز الثامنة صباحا فيراجع المراسلات التي تصله ويطلع على المفكرة التي يعدها يوما بعد يوم فتذكره بكل ما يتعلق بعمله اليومي ويملي أو يكتب بنفسه رده على الرسائل التي قد تصله وتكون في حاجة الى رد سريع وما عدا ذلك فمن الجائز تأجيله الى ما بعد الظهيرة على أن يقوم بذلك قبل البدء في استقبال موكيله.   وتحفظ الرسائل التي لم يتم الاجابة عليها في ملف خاص على أن يطلع على هذا الملف من وقت الى آخر، حتى لا ينسى شيئا مما احتواه.

 

وإذا كان يعاونه بعض الزملاء أو الكتبة فانه يعين لكل منهم عمله اليومي وإذا انتهى من ذلك  فعليه أن يختلي في مكتبه ساعتين أو ثلاث، قبل ان يغادره الى المحكمة ليكون على أهبة الاستعداد في عمله وحبذا لو أنه أغلق باب مكتبه وامتنع عن الاتصال التليفوني لأن هذه الفترة اثمن الفترات وأعظمها نفعا.

 

وبعد أن يتناول غذاء خفيفا عليه أن يخلد الى الراحة التامة لفترة وجيزة ثم يتجه الى المحكمة ويسعى قدر جهده ، يحضر قضاياه ، فيقوم بواجب المرافعة فيها كلما اقتضى الأمر ذلك وإلا فانه يقضي ساعة أو ساعتين للفراغ من أعماله الإدارية أو القضائية أو دراسة ملفات التحقيق وفي البحث عن المراجع القانونية في المكتبة وفي كافة الأعمال الأخرى التي عليه أن يؤديها في المدينة ، وعليه أن يكون في مكتبه بين الساعة الرابعة والخامسة بعد الظهر  فيقوم بتوقيع الأوراق اللازمة والتي يكون قد أعدها ، ثم يبدأ باستقبال موكليه، وبعد الانتهاء من زيارتهم يقوم بتحرير الرسائل الواجب عليه ان يحررها، ويرتب اعماله واوراقه ويعيد النظر في برنامجه اليومي الذي رسمه لنفسه ليستدرك ما فاته وينجزه، وعليه بعد تناول طعام العشاء أن يتفرغ للمطالعة أن لم يكن لديه ما يدعو للانصراف، لأن هذه الفترة من انسب الفترات التي يتمكن فيها من الاطلاع على التشريعات الحديثة وأحكام القضاء ، وعليه أن يراجع الصحف والمجلات القضائية ، ويطلع على أحدث مجموعات الأحكام ليفيد منها في أبحاثه التي يعالجها في قضاياه، والتي تكون سندا قويا له في المرافعة.

 

          أن بعض المحامين يدرسون قضاياهم في المساء والبعض الآخر يقضي الليل في هذه الدراسة منتهزين فرصة هدوء الليل وسكونه لا يعكر صفوهم معكر، ولا ينغص عليها منغص ، وهي عادة لا غبار عليها بشرط ان لا يكون في ذلك ما يثير الأعصاب ، ويوقع الاضطراب في هدأة الليل ، حتى يأوى الى الفراش لأن العمل ينتظره في الصباح ، وهو أجدى في الغالب من العمل ليلا.

 

 

الناحية الصحية في عمل المحامي يتطلب عمل المحامي المستمر المضنى اتباع النصائح الاتية :

 

 

1 – القيام بالرياضة البدنية المنتظمة المعتدلة والمستمرة ، كالانتقال من المكتب الى المحكمة وبالعكس على الاقدام والتنزه، واجراء التمرينات الرياضية في الهواء الطلق وخاصة في أيام العطلات ، وقضاء نحو ربع ساعة يوميا في تمرينات رياضية، وتناول الحمام في الصباح مصحوبا بالتدليك ، وكل ذلك على جانب عظيم من الاهمية والفائدة ، مضافا الى ذلك الانتفاع بالعطلة القضائية، وقضاؤها في الصيد والتجديف وتسلق الجبال وما شاكل ذلك.

 

2 – الحصول على غذاء صحي دون افراط او تفريط في مقادير اللحوم والتوابل ، والتخفيف او الامتناع عن تعاطي الخمور، وكل ما من شأنه تنبيه الأعصاب ، كالدخان والقهوة والشاي.

 

3 – على المحامي ان لا يفرط في السهر واللعب وحضور الحفلات الصاخبة .   مع عدم المغالة في أي نوع كان لأن فيه تعويقا لدراسة المحامي لقضاياه ، وهو واجبه الأول في حمل أعباء الأمانة، فليس فينا من يجهل ما يفيض به عملنا اليومي من ارهاق ، فاذا ما ازدادت عوامل الاجهاد الأخرى ، تعرض كل شيء للضياع ، فالاعتدال في القيام بالأعمال هو أحد الضرورات التي توجبها حالتنا.

 

 

الصفة الرابعة- المواظبة :

 

 

                    انتهى الوقت الذي كان يستطيع فيه المحامي الانقطاع عن العمل او الخلود للراحة كيفما شاء ، فالقانون وهو يفتح المجال امامه دائما يزيد في اعبائه وواجباته . ان المحامي وهو يقوم باعباء عمله امام جميع الدوائر القضائيةعن الخصوم ومستشارهم الدائم ،  فلزما عليه ان يكون حاضرا بنفسه او بمعاونيه ، ويكون بقدر الامكان على أهبة الاستعداد دائما. وعليه الا يهمل في الاجابة على اية رسالة تصل اليه وان يذهب الى المحكمة ويحضر جميع الجلسات المطلوب منه حضورها ولو لم تكن من الأهمية بمكان ويجب ان يكون القضاة والموكلون والزملاء ورجال الأعمال على علم تام بالمكان الذي يباشر المحامي فيه عمله لامكان مقابلته لأنه ان لم يواظب على حضور الجلسات ، فسرعان ما يعرف عنه انه محام من اصحاب الأمزجة فيهجره الموكلون. وعليه الا يتغيب عن الحضور في الجلسة التي ستنظر فيهاقضيته ، وان تعذر ذلك عليه شخصيا فينيب عنه زميلا أو يبعث برسالة الى رئيس الدائرة ، كما يجب ان لا يطلب المحامى التأجيل بسبب وبغير سبب ، حتى لا يسيء القضاة به الظن ،  ولا يجوز له طلب التأجيل لأسباب غير صحيحة ، لأن ذلك يعد من قبيل الخطأ المهني ،  وكذلك لا يجوز له التشبه بالمحامين الذين  يتعللون بكثرة مشاغلهم ، وهم في الواقع على غير استعداد لمباشرة اية قضية ، ولا يرجع سبب تخلفهم الى كثرة العمل ، بل الى الفوضى او الاهمال ، وتخاذل الارادة وخور العزيمة، التي لا تؤدي بهم الى القيام  بالعمل بشكل مرض ، ولوحظ انه كما كان المحامي مكبا على عمله فانه يظل موظبا عليه جديرا بحمل امانته.

 

وعلى المحامي ان يحترم قدر هذه المواعيد التي يحددها لموكليه في مكتبه ، فاذا اضطر الى الغياب أو التأخير اليسير فعليه أن ينهي ذلك لمعاونيه أو خدمة لاخطار الموكلين بذلك لأن وقتهم ثمين كوقت المحامى فمن العبث اكراههم على الانتظار في غير طائل.

 

وعلى المحامي ان يكون دائم الاتصال بالتشريعات الحديثة واحكام القضاء , والا فانه يرتكب خطأ جسيما بتضييع وقته بين الأضابير، ما لم يكن على المام تام بها فور وصولها الى مكتبه.

 

ومن المستحسن ايضا ان يتبادل المحامي مع زميله المذكرات والمستندات وان يفعل ذلك في الوقت المناسب، مع احاطة موكله علما بيوم المرافعة كلما امكن ذلك وبعد الفراغ منها، ينبئه بما حصل فيها وينهى اليه بنتيجة الحكم، مع تقديم النصح بما يتبع حياله. وعلى وجه الإجمال فان على المحامي ان يشعر المحيطين به انه ممن يعتمد عليهم فهذه اولى الصفات التي تحمل الموكلين على الثقة به والتردد على مكتبه.

 

 

2 – اعداد وتنظيم مكتب المحامي

 

 

التكوين المهني بمعناه الصحيح:    

 

 

         يفترض فيمن يتخرج في كلية الحقوق ان يكون على المام ببعض نواحي القانون العلمية ولا يغرب على ذهنه كل ما يتصل بالدعاوى من الناحية العملية، ففي أي مكان يقف المحامي الناشئ على اسرارها العلمية ويحيط بها احاطة تامة لمعرفة ذلك معرفة كاملة يجب عليه ان يعمل في المكاتب الاتية: لدى موثق العقود ، وكيل الدعاوى ، سمسار العقود ، ورجال المال والصناعة ، وصانعو السفن ، وشركة التأمين ، وأية مصلحة عامة . ومن الطبيعي ان هذا محال فليبدأ اذن بالعمل في مكتب وكيل الدعاوى لمدى سنتين للاحاطة بالاجراءات والاعمال الكتابية المختلفة ، وقد يستطيع الطالب التوفر على جزء منه قبل التخرج في كلية الحقوق.

 

وعلى هذا النحو يتيعين على المحامي الناشيء الاحاطة الكافية بالاجراءات العملية فيستقبل الموكلين ويقف على الطريقة المثلى في اقامة الدعوى ومناقشة الخبير والحضور في التحقيق وتنفيذ الأحكام.

 

وإذا استطاع حضور المحاضرات العملية التي ينظمها عديد من كليات الحقوق فليتابعها ولابد  له من الاصغاء الى حديث قدامى المحامين ، وعدم التخلف عن حضور اجتماعات النقابة ومحاضرات المحامين تحت التمرين ، كلما وجد سبيلا الى ذلك.

 

وعندما تنتهي هذه المرحلة بالاعداد الكلي او الجزئي فعليه ان يعمل على الالتحاق بمكتب احد المحامين الذين يباشرون عدادا من القضايا ممن لهم شهرة واسعة واعتبار ملحوظ اذ ليس اغلى ولا اثمن من النصائح التي ينطق بها اولئك المحامون المجربون .

 

وقد لخص لوازيل هذه النصائح بقوله:

 

ان الذي ارغب في توافرالمحامي عليه حين يقوم بحمل امانة الدعم هو درايته في أن يتولى توجيه قضية ما اقيمت او سوف تقام ، وان يحرر صحيفة الدعوى في ايجاز وان يدبج صيغة الاعلان والطلب كما يكتب خطابا ويحرر التماس اعادة النظر الى غير ذلك من الأوراق ويحسن عمل الانذار والأعتراضات والمكاتيب الأخرى .

 

            وإذا دعى للمرافعة فليفحص جميع الظروف والملابسات في الدعوى ويكون على بينه منها وأن يكون كلامه مفهوما في عبارات مجملة لا ابهام فيها، وان تكون مرافعته قائمة على اسباب سليمة ومستندة الى ادلة صحيحة مستمدة من الواقع ومؤدية بأحكام القضاء وآراء الفقهاء مع تجردها من الغموض والجمود ، ولا مانع من ان يضفي على المرافعة شيئا من السحر والجمال ،  

 

  والمحامي هو يقوم بتمثيل الخصوم، يجب ان يباشر بنفسه مع الاجراءات وتحرير عرائض الدعاوى والمذكرات على ان يزداد نشاطه يوما بعد يوم في هذا السبيل ، فواجب المحامي اذن أن يشرف بنفسه على طريقة تحريرها، بهذه الطريقة يتعلم المحامي الناشئ كيف يعيش في عالم العرائض والمذكرات وملفات القضايا ويتعرف على الموكلين والوسط القضائي وهو امر لا غنى عنه. ومع توالي الحوادث فانه يستطبع ان يميز بين الغث والثمين من طوائف والموظفين العموميين والمصفين والخبراء ، فيعرف من منهم يسمو بأمانه وتجاربه ونشاطه وذكائه ، فيقبل عليهم مطمئنا ويدبر ممن هم دونهم ، وينأى بموكليه عنهم ، وقد يطلب ردهم في حرص وحذر.

 

          ان المحامي الذي يتعرض لهذا الاغراء يخون الأمانة التي حملها. ويجب ان لا تكون الاتعاب غايته وان كان تقاضيها مشروعا ، كما ان يكون ناصحا امينا ومصلحا لكل أطراف الخصوم ما استطاع لذلك سبيلا- وهذا جميل منه، والا فانه يعرض بمهنته ويهون من شأنها.

 

وبسبب ذلك ايضا فان عليه ان يتثقف  ويغترف من مناهل الأدب ، وان يتعشق الجمال منذ الصغر، ويعتصم بالخصال الحميدة، فيظهر كلامه وكتاباته فى ثوب انيق ، فيتأثر بما يكون قد اكتسبه من حب للجمال والخير معا ، ويخرج من عداد الناقهين الذين تدب فيهم عوامل الفشل.

 

 

 

 

التنظيم العملي لمكتب المحامي:

 

 

             يضطرب كثير من المحامين الناشئن إذا ما دعى الداعي الى تنظيم مكاتبهم ويقدم لهم بعض النصائح الثمينة في هذا الصدد لنوفر عليهم وقتا طويلا ونحول بينهم وبين الشطط.

 

 

1 -  المكتبة:

 

             ان اول ما يجب على المحامي العناية به هو مكتبته اللازمة لمهنته. فيجب ترتيبها بوضع قسم منها في مكتبه سهلة التناول وجزء آخر وهو كثير الاستعمال في مكتبه متحركة وفي متناول اليد ، اما القوانين المتداولة فتكون امامه فوق مكتبه، وتكون مجموعة من مجموعات القوانين دواما في حفظته، التي يحملها عندما يكون في المحكمة.

 

وإذا سمحت له مقدرته المالية فعليه ان يقتني المجموعات القانونية الكبيرة ، فهي عظيمة الفائدة ، والقوانين المعلق على موادها، وبذلك يكون قد اوفى على الغاية، فاذا قصرت امكانياته عن ذلك ، فيكتفى بمجموعة عملية وبالجداول مع الاشتراك مستقبلا في الأجزاء السنوية وكذلك مجموعة تنتقى بطريقة مماثلة.

 

ولكي يلم الناشئ بالحركة التشريعية  فانه يجب ان يشترك في مجموعة القوانين الحديثة التي يفيد منها خبرة بعيدة يوما بعد يوم، لا سيما اذا اكمل ذلك بالاشتراك في الجداول الدائمة للنصوص التشريعية وجداول احكام القضاء الدورية. وإذا رغب في أن يخصص جزءا من وقته في الأعمال الضريبية، وهي كثيرة وتزداد اهمية على مدى الأيام فمن المستحسن ان يحصل المحامي على مجموعة احكام مجلس الدولة .

 

واخيرا، فان عليه ان يقتني كلما سنحت له الفرصة كتب شراح القانون في كل فرع من فروعه  .

 

 

2 -  الموظفون:

 

 

             بعد ان يفرغ المحامي من تنظيم مكتبه عليه ان يعني بالموظفين الذين يعاونونه والأثاث الذي يؤسس به مكتبه.

 

ومن البديهي ان المحامي الناشيء لن يحتاج الى عدد كبير من المستخدمين فيكفيه الاستعانة بآنسة لاستقبال موكليه وترتيب زياراته، وبعد بضع سنوات فانه يكون بحاجة الى آنسة اخرى للعمل على امور الطباعة في سرعة واتقان، فيوفر على نفسه وقتا طويلا ومالا كثيرا ينفقه عند الاستعانة بكاتب خاص لها، وعن طريق آلة الكتابة يستطيع ان يتمتع بجميع الامتيازات التي شرعت لها من مزايا السرعة والوضوح والنظافة وسهولة الحصول على اكثر من نسخة واحدة.

 

وعلى المحامي أن يثتوثق من امانة الانسة التي يستخدمها في احتفاظهابالأسرار ، لأنه مما لا يجوز ان يغيب عن ذهنه ان الموكل يضع ثقته فيه وفيه وحده، فهو المسئول عمن يستخدمه وهو الأمين على اسرار هذا الموكل، فعليه أن يسعى جهده في حفظ اسراره، وامتناع عمال مكتبه عن ثرثرتهم، فيما يتصل باعماله. ومن المفيد ان تكون الكاتبة على دراية بالاختزال وفيوفر وقته في املاء رسائله ومذكراته. ومن البدهي عدم حضور الكاتبة مناقشات المحامي مع موكله ما لم يتطلب الأمر ذلك. وان يملي عليها ما يراه لازما بحضور الموكل واشرافه.

 

وليس ثمه ما يمنع اذا كان الكاتبة تعمل وقتا محدودا في مكتبه أن تؤدي عملها في غير الوقت الذي يستقبل فيه موكليه فيجب ان يخصص لها مكان قصي.

 

 

3 -  المعاونون:

 

 

             اذا تطلب الموقف معاونة زميل له دونه في السن كسكرتير يعاونه فعليه ان يستعلم عنه ثم يزوده بتعليمات دقيقة ، ولا يترك له حرية التصرف بنفسه ، ثم يبدأ باسناد بعض الاعمال اليه كمباشرة اقلام الكتاب وحضور التحقيق والجلسات عند المناداة على القضايا ثم يسند اليه طرفا من الملفات لدراستها، بعد ان يزوده بتعليمات عن طريقة التنظيم والادارة، ويحيطه علما بشتى مراحل الاجراءات ، ثم يطلب اليه تحرير مذكرة بخلاصة وقائع الدعوى، وابراز اهم النقاط فيها ، ثم يسند اليه دراسة ملف قضية جنائية ، وبعد ان يثتوثق ان زميله الشاب قد استطاع ان يقدم تلخيصا امينا للوقائع ، فانه يواصل احاطته بالجزء الدقيق الباقي لينهض بأعباء المهنة، ويتناول هذا الجزء استقبال الموكلين والبحث عن اسانيد الدعوى ثم يوقفه على طريقة الاطلاع على القوانين وأحكام القضاء، وتدوين مذكرة تحليلية بالأسانيد القانونية في احدى نقاط القضية ،  او عن الموضوع المطلوب ابداء الرأي فيه ، وبعد ذلك يحيط المحامي الكبير زميله باسرار المهنة، ويسند اليه حضور التحقيقات واستلام المذكرات خلال مرافعة الخصوم اذا تعذر عليه الحضور بنفسه، ويعهد اليه في النهاية بالقضية كلها، يباشرها ككل لا يتجزأ حتى النهاية ثم يستدعى الموكل ، بعد ان يعيد النظر فيما يعن له من اوجه النقص، كما يستطيع ان يسند اليه دورا معينا في قضية متشعبة النواحي او يفوضه في المرافعة في القضايا الواضحة، بقبول من الموكل بعد ان يثتوثق من انه أخذ للأمر أهبته.

 

لا شك ان المحامي الناشيء الذي يعاون زميله الكبير لعدة سنوات يحس بالرابطة التي تربطه بزميله، مما يبعث على تبادل اجمل الذكريات وابقائها على الزمن ذلك انه بالنسبة لغالبية المحامين الذين قضوا فترة تمرينهم في مكاتب بعض هؤلاء الزملاء  ، فانه لا يحتلون مركز الصداقة معهم فحسب بل يجدون انفسهم ضمن افراد الأسرة، ذلك ان المحامي الكبير بعد ان يوالي العناية بأمر زميله فانه يلازمه خلال حياته العملية المستقبل ، ويكون سندا له فيما يصادفه من عقبات ، ويمده بنفوذه ونصائحه ويستبشر لنجاحه. ويظل المحامي المعاون وقتا طويلا بعد انفصاله عن زميله الكبير، يواليه بالزيارات ويقوم مقامه في كثير من الأمور معبرا بذلك عن العرفان بالجميل وكثيرا ما يظل معاونو المحامي الذي يصبح في ذمة التاريخ  حافظين يده عندهم ، مشيدين بذكراه على الزمن الباقي من الزمن.

 

 

4 -  الأثاث ومسك الدفاتر الحسابية والمحفوظات:

 

 

انه لمن الصعوبة بمكان ان يستغني المحامي عن الة كاتبة وعن مسرة غيرمباشرة لكيلا يكون اسيرا لها بل يزودها بجهاز حائل بين الاتصال المباشر إذا ما رغب في الاعتزال  والاعتكاف وانها لفائدة جلى إذا استطاع ان يستخدم جهازين احدهما لاتصاله الخاص والثاني في مكتب معاونه ، حتى يتلقى محادثاته في الوقت الذي يختاره عندما يكون مسترسلا في التفكير او الكتابة دون ان يقلقه احد0

 

 كما يجب ان يحتفظ بدفتر يرقمه برقم مسلسل ويسجله حسب الترتيب التاريخى في سجل خاص ينقسم الى اقسام عمودية يدون فيها اسم الموكل وعنوانه واسم الخصم، وعنوانه، وموضوع الدعوى ، وقيمة الاتعاب ، التي يكون قد تسلمها، وبيان الجهات التي تحفظ فيها المستندات ، بعد الانتهاء من الدعوى.

 

وعليه ان يتخذ نظام التبويب والحفظ في مكاتباته واضابيره باستعمال البطاقات حسب الحروف الأبجدية فيجعل صندوقا بداخله بطاقات ، لكل قضية بطاقة تتضمن اسم الموكل وعنوانه ورقم الملف تفيد في سرعة وسهولة الكشف عن كل ما يطلبه من بيانات خاصة بهذا الملف ، عندما يستقبل المحامي الموكل لأول مرة أي قبل ان يفرد له ملفا خاصا عليه ان يسأله عن اسمه وعنوانه وأن يسجل ويدون ذلك فيه ويودع به المستندات التي يقدمها اليه.

 

ولا يلزم القانون المحامي ان يمسك سجلا لحساباته غير ان ذلك لا يجوز من الناحية العملية فمن الواجب ان يمسك الآتي :

 

1 – سجلا يقيد فيه ما يصل الى بحثه في كل قضية .

 

2 – مجموعة من البطاقات المكملة لهذا السجل.

 

3 – فهرس (رول) يقيد فيه الأسماء والاتعاب التي يتسلمها بترتيب تواريخها.

 

4 – دفتر صندوق مساعد يقيد فيه مصروفاته الخاصة بالمكتب.

 

ولا شك أن هذا النظام  سيمكنه من تتبع الموكلين الذين دفعوا او لم يدفعوا اتعابا له، وسيكون اساسا صالحا للاقرار الذي يلتزم بتقديمه لمصلحة الضرائب كل ما يعاونه في الالمام برقم المصروفات العمومية ، فيعمل على تخفيضها اذا لزم الأمر.

 

وعليه الا يحتفظ اطلاقا بالمستندات بعد الفراغ منها فيعيد تسليمها الى الموكل ، ولكنه يحتفظ بنسخة من مذكراته ، ومن عريضة الدعوى، حتى يتمكن من متابعتها إذا رغب الموكل ذلك بعدئذ ليكون على بينه من عمله في القضية، ولكي يستطيع اصابة الهدف، في سرعة ملحوظة بابداء رأي صائب وبعد الانتهاء من الدعوى ، واعادة مستنداتها الى اصحابها يودع ملفاتها دار محفوظاته تبعا لترتيب الحروف الأبجدية أو الأرقام. ولقد كان اسلافنا يجهلون فائدة هذه الأمور  غير ان مقتضيات المهنة جعلتها من لزميات المحامي ، مما يزيد في هذا التنظيم اهمية يوما بعد يوم  كلما اتسع الدور الذي يقوم به.

 

 

5 -  المراسلات:

 

سبق ان بينا مدى اهمية الاجابة على جميع الرسائل ، فعليه ان يرتبها هي الأخرى  فيحفظ نسخة من الاجابة  في الملف الخاص الذي اعد للموكل صاحب الراسلة حتى يستطيع الرجوع اليها كلما اقتضى الأمر ذلك.

 

ويوفر هذا على المحامي نقاشا قد يكون خطيرا. وبالجملة فهو يحفظ وقت المحامي من الضياع اذا عمد الى البحث عن ورقة تكون قد وضعت في غير مستقر لها. ان رسائل المحامي سرية فعليه الا يعمد الى تسجيلها في بطاقات تكشفها  ، اذ بهذه الوسيلة يعرض المحامي نفسه لافشاء سر المهنة.

 

ان الصيغة التي يبدأ ويختتم بها خطابه من الأهمية بمكان ، فالمحامي الذي يراسل زميله يخاطبه بقوله الزميل المحترم، وبالنسبة للسنديك والخبير السيد السنديك والسيد الخبير، كما يخاطب القضاة تبعا لوظائفهم بقوله السيد الرئيس – السيد قاضي التحقيق، وهكذا.

 

وإذا خاطب المحامي النقيب العامل فليخاطبه بقوله السيد النقيب، كما يخاطب النقيب السابق بقوله السيد النقيب والزميل العزيز، وإذا خاطب محام شاب  محاميا اكبر منه  السيد والزميل العزيز أو سيدى الزميل المحترم، وبالنسبة لعبارة الختام فانه يكتفى بالعبارة الاتية المخلص وذلك اذا كانت الرسالة موجهة الى زميل اما اذا كانت موجهة من محام ناشئ الى محام اقدم منه  أو كان نقيبا فيحسن ازجاء عبارات الاحترام، وإذا كان المرسل اليه قاضيا فانها تكون بازجاء عبارات الاحترام ، وهي تختلف باختلاف اللغات  كأرجو ان يتفضل السيد القاضي بقبول اسمى عبارات الاحترام، وهذا الاحترام اساسه كرامة الوظيفة ومن اجلهايراسل المحامي القاضي ، فإذا كان الخطاب خاصا فليس من سبيل الا المجاملة التامة التي تكون بين أفراد مهذبين.

 

وإذا كاتب المحامي سيدة ايا كانت مكانتها في المجتمع ، فلابد من التعبير بعبارات الاحترام في نهاية الرسائل بالنسبة للموكلين الآخرين ، فيكتفى بذكر عبارة تفضل بقبول عظيم اخلاصي.

 

والمحامي يوقع رسائله بنفسه  فمن الخطأ ان يكاتب المحامي قاضي ويكون الخطاب موقعا من مستخدم  أو كاتب على الالة الكتابة،وإذا غاب المحامي  ولزم الأمر مراسلة قاض، فمن المستحسن ان يكتبه معاون المحامي بأسمه وبتوقيعه، مع بيان الأسباب التي دعت الى ذلك. ويجدر دائما ان يذيل المحامي رسائل الموكلين بتوقيعه ويجوز طبع اسم المحامي في صدر رسائله، مقرونه بصفته وألقابه الجامعية، ورقم تليفونه وعنوانه، ومواعيد عمله وزياراته. وعليه أن يبين على الظرف الخاص به أسمه وعنوانه، وأن يكون ذلك في باطنه، حتى لا يفهم ذلك على أنه دعاية ، واعلان رخيص.

 

 

                               المرافعة

 

ملاحظات عامة:

 

 

               من عمل المحامي ان يشير ويصلح ويترافع وما يتصل بذلك من أعمال اخرى تزيد أهميتها يوما بعد يوم. ومنها تمثيل الموكلين امام المحاكم  ،ومعاونة المتهم في التحقيق ومباشرة اعمال الخبراء والتحقيقات والمعاينات والاستجوابات والمواجهة في المواد الجنائية، وتحرير صحف الدعاوى والمذكرات القضائية وغيرها.

 

وتكون المرافعة دائما هي المرآة الصحيحة التي تنعكس عليها براعة المحامي في حياته المهنية ولذلك رأينا أن نفرد لها هذا الباب :

 

في كل نزاع معقد تتطلب المرافعة مجهودا طويلا لتحضيرها ودراستها واعدادها وذلك شأن جميع القضايا بما فيها القضايا العادية.

 

 وقبل اعداد خطة المرافعة وتحرير المذكرة اللازمة لها فاننا نشرح طريقتها، فنتكلم عن الدعاوى المدنية والتجارية والجنائية من مخالفات وجنح وجنايات، وكذلك عن القضايا الادارية.

 

ولابد لنا من اجراء ملاحظة عامة في هذا الصدد ، إذ أن ملف الدعوى لا يصنع نفسه ولا يستكمل عناصره إلا على اساس من الأبحاث..

 

إن القسط الذي يقوم به المحامي في اعداد الملف أصبح على جانب كبير من الأهمية فهو الوحيد الذي يعمل على تزويده وتوليده في القضايا الجنائية من جنح وجنايات يعاونه في ذلك المتهم والمتصلون به بالاضافة الى التحقيقات التي يجريها قاضي التحقيق  والنيابة.

 

أما في الدعاوى التجارية والادارية والتوثيق وهيئات التحكيم فالمحامي هو الذي يمثل موكله دائما وهذا يتطلب منه مزيدا من البحث والمثابرة وطول الاناة ملتزما جانب الحرص والحذر مستوحيا في ذلك قواعد المهنة. ويمكن القول في هذه المناسبة أن الموكل هو الذي ينسج خيوط الملف تحت اشراف محاميه ومن  حسن التدبير أن لا يسعى المحامي الى ترتيب المقابلات الشخصية التي قد تصيبه بأضرار. وما من شك أنه يستطيع الحصول على المعلومات الرسمية من مصادرها في أقلام الكتاب أو لدى الموظفين العموميين وأقلام الرهون وإدارات التسجيل وما شاكل ذلك.

 

وليس من المستساغ أن يزور الشهود في محال إقامتهم أو في مكاتبهم ومن البديهي أن يمتنع عن زيارة الخصم.

 

ولنزيد الأمور توضيحا فإننا نفرض أن الملف قد تسلمه المحامي كاملا عن طريق الموكل فان عمله في هذه الحالة ينقسم الى ثلاثة أقسام:

 

1 –  دراسة المستندات

 

2 –  مناقشة الموكل

 

3 –  إعداد المرافعة

 

 

أولا – دراسة المستندات (المسائل المدنية والتجارية)

 

 

 

           يجب على المحامي الناشئ أن يتعلم كيف يميز بين طبيعة المستندات فيتوافر على ذلك بضع أسابيع حتى يحيط بأطراف هذا الموضوع ويحس بقدرته على الاضطلاع بهذه المهمة ثم يسير قدما بعد ذلك في تحسس المستندات الهامة وأجزائها التي يصيب بها الهدف حتى إذا راجعها فانه يخرج منها بفكرة عامة عن القضية حتى يحين تنظيم التفاصيل بعد ذلك تباعا نتيجة لهذه الخطوة الأولى.

 

فمثلا ان اهم ما في الملف الاستئنافي من مستندات هو الحكم المطعون فيه ، ويلي ذلك مذكرات طرفي الخصوم، ويجب عند دراسة الحكم ان نترك جانبا الوقائع والصيغة التنفيذية ، وتوجيه العناية لأسباب الحكم والمنطوق ويكون بعدئذ مراجعة ما عدا ذلك. وبعد تعرف موضوع الدعوى على وجهه الصحيح يجب تنظيم المستندات التي يتعين ترتيبها وفق تواريخها ثم تجنب في حافظة مستقلة والمذكرات والمستندات التي لا تحمل تاريخا ، مع وضع خطوط تحت المهم والأهم وتحفظ الصور الزائدة منها في المكان المخصص للمحفوظات.

 

وليس ثمة ما يمنع  من الإشارة بقلم خفيف على الأجزاء الهامة من المستند أو المذكرة حتى يمكن محوه.

 

وقد تحمل المستندات أحيانا تاريخين تاريخ صدور الحكم وتاريخ إعلانه فيكون التأشير بهما على هامشه.

 

وبعد القيام بهذا الإجراء فان المحامي يتلو ما تضمنته في انتباه وحذر، عله يجد في الزوايا دليلا حاسما وحجة ملزمة ومن الجدير تدوين الملاحظات في ورقة مستقلة خلال الاطلاع متضمنا الآتي:

 

1 – الحجج التي يمكن استخلاصها من المستندات.

 

2-  الاعتراضات التي تثار بشأنها.

 

3 -  الإيضاحات أو المستندات التي يجب طلبها من الموكل لتدعيم الدعوى.

 

4 – الملاحظات وما يلزم للمرافعة من وحي الخاطر أولا بأول.

 

ولاستكمال هذه الدراسة فانه يطلب من محامي طرفي الخصوم تبادل الاطلاع على المستندات.

 

 

 

 

 

ثانيا – مناقشة الموكل:

 

 

 

ويجدر بالمحامي أن يحرر لموكله خطابا يعلنه فيه بالحضور بمجرد تسلم المحامي ملف الدعوى وكم في ذلك من رضا لنفس الموكل حين يستشعر الاهتمام به. فكثير من الموكلين الذين يتعرض شرفهم أو ثروتهم للخطر. يتلهفون ويقلقون ويبدو لهم ان المحامي يتناساهم او يهملهم ومن المتعين استدعاؤهم في الوقت المناسب بعد ان يكون قد اطلع على المستندات وأحفى في دراسة القضية. وبذلك فانه يستعين بالموكل على زيادة الإيضاح وفي ذلك ما فيه من توفير المستندات اللازمة ، كوثيقة الزواج مثلا ومستندات الملكية وشهادة طبية .. الخ. ومن الواجب الإنصات في صبر الى ما يدلى به الموكل وادارة المناقشة معه بما لا يدعه يضل الطريق في محاور ضارة بعيدة عن نطاق النزاع.

 

 وعليه في كثير من الحالات أن يعيد الموكل الى قواعده في أرض الدعوى في أدب ولباقة.

 

وإذا حضر الموكل قبل ان تصل مستندات الخصم – وكثيرا ما يحدث ذلك – فانه من الأجدر استدعاؤه مرة أخرى لمناقشته على ضوء هذه المستندات عند ورودها مع مزيد من الحرص في عدم تسليمها اليه. وعندما يدعوه للمرة الثانية  يلفت نظره الى مضمون هذه المستندات ويحثه على استحضار ما يدحضها.

 

وبعد كل ذلك فان على المحامي ان يدون كتابة ملاحظاته على المستندات بنوعيها، وكذلك ملاحظاته على مناقشة الموكل حتى يستطيع ان يتوافر على تحضير القضية في هدأة العمل.

 

 

ثالثا – إعداد المرافعة على الوجه الأكمل:

 

 

                  على المحامي ان يعتكف في مكتبه بضع ساعات ليعيد النظر فيما تنطوي عليه المستندات والمذكرات التي دون فيها ملاحظاته النافعة ، ويسعى قدر جهده الى القاء كثير من الضوء على الدعوى ليكشف عن موضوعها ، فتظهر عارية مجردة مما يشوبها امام ناظريه، فيشرحها في بضع سطور، تكون بمثابة حجر الأساس في المرافعة وهو ما سنتناوله بالبحث فيما يلي:

 

انه لا يكفي ادراك المحامي لموضوع الدعوى بتعرف مظهرها وخطوطها بل لابد له من تسليط الأضواء على جوهر النزاع، إذ أن كل نزاع تبدو فيه بوضوح نقطة الارتكاز ويقع بين شقيه اسانيد واساليب الدفاع مما يجب الاستناد اليها والاعتماد عليها واعتبارها مهماز لدعوى وعسى ان يكشف فيها عن نقطتين او ثلاث ولكن في الغالب لا يجد سوى نقطة ارتكاز واحدة وما عدا ذلك فانها نقاط ثانوية.

 

وعلى المحامي ان يتكهن بما عسى ان يقدمه الخصم من دفاع وأسانيد فيعد الرد لساعته، ويفند مستنداته وأقواله.

 

وعلى المحامي أن يتساءل دائما: ما عساي أن أفعل لو كنت مكان الخصم؟

 

إن المحامي ذو الخبرة والكفاية لا يفوته بحث هذه التفاصيل ولن تظهر براعته إلا إذا نجح في هذا السبيل ،  وقد يخطئ المحامي الناشئ كثيرا في استخلاص جوهر النزاع وإبراز نقطة الارتكاز ، ولا يعمل حساب خصمه الذي قد يلقي في وجهه بدليل مفحم لم يسبق له التفكير فيه أو توقع مفاجأته به .

 

وعلى وجه الإجمال فان على المحامي أن يتعرف الى مسائل ثلاث:

 

1 – موضوع الدعوى.

 

2 – النقطة الهامة في دفاعه.

 

3 – النقطة الضعيفة التي يدخل من ثغرتها خصمه.

 

فإذا ما انتهى الى هذا كل وأحيط علما بوقائع دعواه فانه يقوم بتطبيق العلم على العمل ولذلك فانه يتعين على المحامي أن يكون ملما بالفقه حتى يستطيع أن يبرز هذه الوقائع في اطار قانوني صحيح، كما يجب أن يكون ملما بالقوانين الهامة الأساسية، فالكثير من المحامين يجهلون الإفادة من مواد القانون اللازمة لدعم دفاعهم.

 

وإذا ما اكتنف القوانين شئ من الغموض فلابد من الاستعانة بأحكام القضاء وآراء الفقهاء ولكن كيف السبيل الى الانتفاع بذلك كله ؟

 

إن المحامي بعد أن يسرد أهم الوقائع في الدعوى يعرج على نصوص القانون وأقوال  الفقهاء أو أحكام القضاء التي تدعمها بالبحث في الفهارس القانونية ، لكي يعثر على المواد المطلوبة ثم يولي وجهه شطر أحكام القضاء في الحالات المماثلة ويطالع المؤلفات الشارحة ويستخلص من كل ذلك ما يفيده في القيام بواجب الدفاع وتدون هذه الفقرات للرجوع اليها في المرافعة .

 

ولابد من التزام جانب الحرص لتفادي زلتين:

 

 

1 -  الابتعاد عن الإشارة الى المطولات من المراجع التي قد تطيح بانتباه القاضي.

 

2 -  التحلل من الحيل المكشوفة التي قد تظاهر الدعوى بتسجيل جزء دون الآخر بحيث إذا قرأ في وحدة لا تتجزأ افتضح الأمر، وكثيرا ما يلجأ الخصم الى هذا إذا كان المرجع بين يديه وواتته الفرصة بتردد نفس المقاطع فلا يلبث أن ينكشف دفاعه وينهار.

 

وكثيرا ما يتضح من أحكام القضاء إنها في صالح الخصم فيتعين الرجوع الى نصها فقد ينكشف الأمر ويتضح أن مبدأ الحكم منبت الصلة بموضوع الدعوى بحيث لا يجوز للخصم أن يستند إليه أو يستشهد به على واقعة الدعوى وهي جد مخالفة .

 

بعد أن يتعرف المحامي موقفه على هذا النحو يضع نواه دفاعه بالكتابة ،

 

وسنتناول بالبحث نظام الدفاع وطريقته وعند الكلام في موضوع المرافعة نفسها فإننا سنتناول بالبحث النقاط الرئيسية الآتية:

 

1 -  نبذة مختصرة عن موضوع الدعوى.

 

2 -  موجـز تاريخي لوقائع الدعوى.

 

3 -  بيان المسائل المطلوب حلها.

 

4 -  مناقشة الوسائل والأسانيد.

 

5 -  الخاتمة وتتضمن نتائج المناقشة وإعادة ذكر أوجـه الطلب.

 

 

تحرير مذكرة الدفاع:

 

 

بعد ان تجد هذه التفاصيل مستقرا لها من الأعماق فان المحامي يستمد من معينها بالقدر الذي يتطلبه الدفاع فعليه إذن إعداد مذكرة للمرافعة وحكمة ذلك أنها ستكون اساسا لدفاعه وفيها :

 

1 -   ما يشحذ ذاكرة المحامي في المرافعة.

 

2 -   التيسير على القاضي وإرشاده في البحث عند المداولة.

 

3 -   تسهيل مهمة ممثل النيابة العامة.

 

وعليه في سبيل ذلك أن يحرر مذكرة شارحة يسهل فهمها، على أن تكون جد مركزة كي يتمكن المحامي وهو في حماس المرافعة أن يستمد من معينها ما يراه لازما.

 

ولابد للمحامي أن يعد هذه المذكرة لأنه كثيرا ما يمضي وقت يطول أو يقصر  حتى يوم المرافعة وهي لازمة له لزومها للقاضي.

 

والمحامون الذين يتبرمون بالعمل ويعتمدون على ذاكرتهم يهملون تحرير هذه المذكرة فيفوتهم ركب الاستعداد لهذه النقاط الهامة ويعرضون قضاياهم للخطر ويضعون العقبات أمام القاضي.

 

ومن ناحية أخرى فيجب أن لا تنطوي هذه المذكرة على أدق التفاصيل حتى لا تكون عمادا له في الدفاع فيقع أسيرا في شباك من الورق الأصم فتتضاءل بلاغته وتتخاذل حجته.

 

إن المحامي الذي يتلو دفاعه من مذكرة لا يعيش في جو المرافعة الطليق ولا يحلق في سمائها ومن الصعوبة أن يجد تفكيره سبيلا الى ذهن القاضي الذي قد يصاب بانهيار كما يشيع السأم في نفوس السامعين.

 

إن مذكرة المرافعة لا تعدو أن تكون سندا للمحامي ومرشدا له وسوطا يلهب بها ذاكرته ولكن يجب ألا يكون لها أسيرا.

 

ومن السهولة أن يقال فيها ماردده أحد الفلاسفة وسارت به الأمثال عن المال : إن المال خادم نافع وسيد سيء.

 

وعلى ذلك فانه يتعين ان تدبج مذكرة المرافعة بخط واضح تسهل قراءته ، وتقسم الى أقسام محلية بها مسافات ظاهرة تسترعي النظر ويؤشر بلون مخالف أسفل بعض مقاطعها الهامة.

 

ويجب أن تتجلى المذكرة في أثوابها القضايا الآتية:

 

1 – وضوح البيان فيما يتصل بجوهر النزاع.

 

2 – الإيجاز والتحرر من أناقة اللفظ باستعمال عبارات سلسة ظاهرة.

 

3 – إبراز الخطة التي رسمها للدفاع.

 

 

ويمكن كتابة المذكرة بأحد طريقين:

 

 

1 -  تحريرها على ورق يحمل ارقاما مسلسلة وأن تودع المستندات ملف القضية طبقا للمواضع المشار اليها فيها وتثبت على غلاف الملف ارقام المستندات تبعا لترتيبها.

 

2 – تحريرها على ورق زوجي كان كلا منها ملف خاص وأن تكون الكتابة في صفحتها الأولى  ، وفي الداخل توضع المستندات التي يرى المحامي انه بحاجة اليها في مرافعته المدون في الصفحة الأولى.

 

أما عيب الطريقة الأولى فهو صعوبة الحصول على المستندات بالسرعة اللازمة  فيضطرب في دفاعه أو يتوقف لحظة فيتضاء ل الاهتمام ويتخاذل عامل الانتباه.

 

أما الطريقة الثانية فهي أجدى وأنفع لأن المستندات ستكون في متناول يده وان كان بعضها مما يشار اليه اكثر من مرة في مواضع مختلفة. ولذلك فانه يتعين على المحامي أن تكون أرقام المستندات المشار اليها في المذكرة جد واضحة.

 

وهناك طريقة أجدى من السابقة لتفادي هذا العيب ، وهو تسجيل صورة المستند في المذكرة ذاتها .

 

 

مباديء عامة في المرافعة:

 

 

متى تكون المرافعة واجبة ؟  انها تكون كذلك عندما يقوم نزاع على وجود حق أو على مباشرة ذلك الحق. ولكن ليس في مجرد النزاع ما يستلزم المحامي أن يحمل أمانة الدعوى ما لم يكن منتدبا من قبل لجنة المساعدة ويتعين أيضا أن يكون النزاع الشاجر جديا ومتصلا بحق أو عن واقعة قائمة بذاتها.

 

وإذا تبين المحامي أن الدعوى ليست على أساس من الحق وأن مصيرها الى الرفض فعليه أن يقنع موكله بعدم مباشرتها محاولا انهاءها صلحا وإلا فله أن يتنحى عن مباشرتها.

 

وليس المحامون جميعا ممن  يسلكون هذا السبيل لأن قبول الدعوى في غير موجب من أسباب الإغراء الخطير الذي تتعرض له المهنة. فيتعين أن يكون المحامي من ذلك على حذرمنذ السنوات الأولى في حياته العملية وإلا كانت هذه إحدى هناته التي لن يستطيع معها صبرا، وبذلك تجنح السفينة ويفقد المحامي أعظم صفاته التي يجب أن يتحلى بها، وهي ازجاء النصح للموكل بالاقلاع عن رفع دعوى خاسرة0

 

 ونستطيع أن نتقدم بتعريف للمرافعة مستمد من تعريف (ديكر سنيير) حين قال: المرافعة هي شرح لوجهة نظر أساسه نزاع شاجر، ينتهي الى حل يتفق والحقيقة القانونية الماثلة.

 

ويمكن تعريفها كذلك بالآتي: المرافعة هي التعبير الذي يضفي على واقعة النزاع، ما ينير للقاضي طريق العدالة، ويمكنه من اصدار حكمه على اساس سليم.

 

ويسترسل ديكر سنيير فيقول: ان المرافعة تثير في نفس القاضي من العوامل ما يجعلها تأخذ بالألباب وتستقر في الأعماق فهي همزة الوصل بين الحقيقة الماثلة والعدالة المنشودة.

 

ولذلك فانه يجب ان تكون المرافعة صورة حية وصدى صحيحا للواقع لأن الحديث الشفوي يسمو على البيان المكتوب لقربه من الواقع الملموس فالكلمة الناطقة تبرز الواقع والحق في أبهى حلله وتلقي عليها نورا كاشفا ومما قاله الفقيه الروماني كانتيليانس: يجب أن تكون المرافعة ، صحيحة واضحة وممتعة.

 

 

1 ) الوضوح:

 

               

 

           لا شك ان الوضوح هو أول مميزات المرافعة ، فلابد من أن يفهم المستمع ما يلقى اليه من أقوال  ، فمهمة المحامي الأساسية هي أن يصور من الدعوى صورة سهلة واضحة يفهمها القاضي دون كثير عناء. ويجب أن لا يغيب عن ذهنه انه خادم العدالة، ومن واجبه تيسير السبيل امامها، فالغموض ينتهي بالقاضي الى اليأس والحيرة ، وكثيرا ما يصاب الموكل بأبلغ الضرر، فالمحامي مرشد القاضي ، فاذا لم يكن واضحا فانه يصبح جلادا ، مما يحمل القاضي أن يلقى بنفسه في احضان الشرود، للخلاص من هذا العذاب والجمود.

 

ان المحامي الغامض في مرافعته ، يحمل  الناس على الفرار ، ويدعو القاضي الى التبرم كلما اخذ مكانه من منصة المرافعة، وليس في تبرم القاضي، ما يبعث على كسب الدعوى.

 

ان المحامي يقوم بحمل نصف العبء ، حينما ينجح في إحاطة القاضي علما بجوانب الدعوى، وعليه أن يبتعد عن مواطن التعقيد، ويركن الى السلاسة، واختيار العبارات الرقيقة، التي تعبر عن رأيه في صراحة، دون مواربة أو غموض أو التعثر في خطأ لغوي فاحش. وعليه أن يتجنب الجمل الاعتراضية، وأن يضرب من الأمثلة ما وضح منها، لكل ما يعرض له من النظريات القانونية. وعليه أن يتعهد ما غمض من مستنداته بالتفسير الواضح، وإذا تبين عدم متابعة القاضي له في هذا فليعد ما قاله بعبارات أخرى قريبة المنال .

 

 

2 ) الاعداد:

 

 

ان الاعداد شرط لازم  فمن المتعين أن تحتل كل نقطة في بيان موضوع الدعوى أو مناقشتها المكان اللائق بها. والاعداد الذي يجب أن يحكم المرافعة ، هو ذلك الاعداد الذي يلمسه القاضي قبل المحامي، فكثيرا ما يكون المحامي بليغا واضحا، ولكنه سرعان ما يفقد زمام الموقف ، بجنوح القاضي وشرود فكره ولو لفترة قصيرة.

 

فلابد من توجيه نظر القاضي وتذكيره بين الفينة والفينة الى أنه انتهى من شرح جزء آخر منها.

 

ولكي تكون المرافعة منظمة محكمة ، فانه يجب أن تكون وحدة واحدة ، ترمي الى غرض واحد ، لجميع الحجج والأدلة بروح واحدة، لينتهي الى نتيجة واحدة فوحدة المرافعة ووضوحها هي النظام والترتيب.

 

 

3 )  الروح أو الحيوية:

 

              ان الحيوية التي تتسم بها المرافعة هي المتعة الروحية وقوة الباع والعارضة الخطابية . فعلى المحامي أن يتعرف كيف يثير في نفوس سامعيه، كامن شعورهم كما لو كان يتحرك امامه ممثلون ، يقومون بدورهم على المسرح القانوني، يختار كل منهم الدور الذي يناسبه ، وعلى المحامي أن يصف اولئك الممثلين وأن يوضح شخصياتهم وطباعهم وأغراضهم ويجب أن تدب الروح والحياة، في نبرات صوته وأن تكون له صولة بارعة، وأن تنطوي حركاته على قوة الشكيمة، ويتفادى أن يكون كلامه على وتيرة واحدة، فيشيع الملل في نفوس سامعيه. وليس ثمة ما يمنع أن يلفت نظر القاضي بكلمة مرحة،أو عبارة ساخرة غير مكشوفة، أو مقطع رنان ، على أن لا يتعدى ذلك الحدود الواجبة، والأصول المرعية وأن لا ينال من أحد منالا.

 

وقد ينجح المحامي احيانا في مرافعته ، إذا ما اتخذ طريقة التساؤل والاستفهام، فبدلا من أن يناقش الورقة التي اعلنت لخصم لم يحرك ساكنا أو يبدي تحفظا، سواء كان ذلك بخطاب أو انذار حتى تقام الدعوى، فتراه مثلا يقوم: انه تسلم  هذه الورقة واطلع عليها، فما الذي فعله ازاءها ؟  هل كان طبيعيا اعلان اعتراضه عليها؟، وهل يكون الاعتراض لساعته بخطاب أو انذار انه لم يفعل ! فماذا حدث اذن ؟ لا شيء! لقد ظل ساكنا لا يبدي حراكا والى متى؟ الى اليوم الذي أعلن فيه بالحضور امامكم ! يدل هذا المثل العادي، على أن الأسلوب الثاني، أبلغ في الدلالة من الأول بمايضفيه على الوقائع من روعة وجلال تسترعيان من القاضي المزيد من الانتباه.

 

 أن تقوم بتلاوة ما تضمنته المستندات حجر عثرة في هذا السبيل  ، ولا شيء أثقل على النفس من تلاوة تقرير خبير أو محضر معاينة . ومن ذا الذي يستطيع أن يتابع تلاوة خطاب طويل ؟ لا شك انه مما يبعث على الملل ونشير على المحامي المترافع بأن تتخلل هذه التلاوة عبارات شارحة للطريقة التي انتحاها الخبير وهذا مع تحديد المقاطع التي يتلوها من تقريره وتلخيصها أثر كل تلاوة في عبارات محدودة يمسها بالتعليق مسا خفيفا وهكذا الحال بالنسبة لأقوال الشهود، التي تنطوي عليها محاضر التحقيق.

 

 

4 ) الإيجاز:

 

             على المحامي الا يطيل وخاصة اذا كان جدول المحكمة يفيض بالقضايا. ان الاطالة في شرح الدليل لمما يضيق به صدر القاضي، فالدليل المركز يؤدي الى نتيجة فعالة، حيث يستطيع القاضي ان يلم بجوانب الدعوى، منذ الوهلة الأولى ولا يضيع وقته في غمار التفاصيل.

 

وفي ذلك يقوم ليوفيل :  الايجاز والوضوح توأمان.

 

وأولى النصائح في هذا الشأن أن يكون المحامي على حذر من الجنوح عن صميم الموضوع فقد انقضى العهد الذي كان فيه المحامي وهو يترافع في دعوى ابطال وصية ، أن يبدأ مرافعته بمحاضرة طويلة في مدى حق الفرد في الإيصاء، كما يبدأ في دعوى الانفصال بمحاضرة عن تقديس الزواج. إن عليه أن يترافع فينفذ الى صميم الموضوع دون أي شيء آخرمركزا جهوده في بيان موضوعه، والنتيجة التي يبغى الوصول اليها.

 

وعلى المحامي ألا يعمد الى العنف في الأسلوب ، والبعد عن العبارات

 

المستهجنة، وتجنب الفاظ السوقة، فالعنف يفزع القاضي ويقرعه، هذا كله مما ينال من كرامة المحامي بقدر ما يسيء الى مصير الدعوى.

 

 

المقدمة – أو سرد الوقائع:

 

 

         ان من أفضل الوسائل في المرافعة ان يكون ترتيب الدفاع فيها مستمدا من نفس المعين الذي اتخذ اساسا لدراسة ملف الدعوى، فتسرد الوقائع طبقا لتواريخها التي هي الدعامة الأولى للقاضي والمحامي معا، ولكن من المتعين أن نحذر جانب التزيد فيها ، باعمال غير الضروري منها، وإلا خنقت بعضها بعضا، وتساقطت من ذهن القاضي تساقط الورق في فصل الخريف، وأنه لكاف في دعوى البطلان مثلا، ان يذكر تاريخ القران وميلاد الأولاد وقرار عدم امكان التوفيق وعريضة دعوى الطلاق والحكم التمهيدي.

 

ولابد من تجنب المناقشة واقحامها خلال شرح الوقائع التي يجب ان تتسم بطابع البساطة والسرعة والوضوح مجردة مما يشوبها من صعوبة وتعقيد. ولا بد أن يكون بيان الدعوى على اساس من المنطق ، دون اغفال لبعض وقائع الدعوى، إذ من الواجب سرد الوقائع كلها في أمانة وصدق وأن تكون معده  للمناقشة.

 

وأن ما يدور في الجلسات  شأنه شأن مايجري في دور التمثيل، فالجزء الأكبر من النجاح يرجع الى فن الاخراج والتقديم. ولكن على المحامي اذن  ان لا يقدم البيان في الدعوى على أنه بيان عن قصة بل بيان عن حجج وأدلة.

 

ان من المحامين من يضرب في الدعوى على غير هدى فيعرض للوقائع  ويقحم فيها التواريخ ، والشهادات، والأوراق القضائية. فهم يعرضون ويناقشون في وقت واحد ويخلطون بين أقوال الفقهاء وأحكام القضاء ويضمون المحاضر وشهادة الشهود. وقد قيل عن مثل هذا المحامي: انه يقدم عرضا عاما خاليا من خطوط توضحه أو تشرحه.

 

وان من المحامين من يسقطون من حسابهم البيان الجامع عن وقائع الدعوى،  كأنهم يفترضون علم القاضي بها سلفا وتراهم يتهافتون على المناقشة امام قاض امتنع عليه فهم الدعوى لعدم المامه بوقائعها.

 

هذان عيبان  لابد من الإقلاع عنهما فسرد الوقائع ضروري لها، وهو حجر الزاوية فيها، فاذا كان من البساطة والوضوح ودقة التصوير فيسصبح صدى لما قاله:ليوفيل عندما تحدث عن المرافعة وبراعة الاستهلال في مقدمتها قال: تحمل المقدمة (سرد الوقائع) في طياتها بذور المرافعة التي تزدهر وتترعرع بعد ذلك، وينتهي المطاف بالقاضي الى تذوق موضوعها وامعان النظر فيها ثم يأتي دور المناقشة فيعبد ارضها ويكسب ترتبها الخصوبة والنماء.

 

يتعين على المحامي الموكل عن مدعي عليه أن يوجز بيان الوقائع أو يصححها أو يكملها وما بقي يأتي دوره في المناقشة.

 

ومراجعه المستندات في الوقت المناسب عند سرد الوقائع. ويجب عرض موجز لها في دقة وأمانة، وإذا رأى المحامي عدم تلاوة أي جزء منه، فيلفت نظر المحكمة الى ذلك. وسبق لنا ان قلنا ان مجرد تلاوة الموجز هو فن في ذاته، مما يتعين معه تجنب الاطالة وأسباب الملل.

 

وعند قراءة ملخص الحكم المطعون فيه يكتفى بالأسباب والمنطوق مع وضع اشارة عند كل من البداية والنهاية.

 

 وهكذا الأمر في محضر التحقيق فيكفي قراءة شهادة الشاهد، والاشارة الى اسمه ودرجة قرابته بصاحب الشأن إذا وجد.

 

أما تقارير الخبراء فهي مقسمة الى اربعة أقسام:

 

1 -  بيان مهمة الخبير دون تلاوتها.

 

2 -  ما يتصل بموضوع المناقشة في أقوال الخصوم.

 

3 -  تفاصيل أعمال الخبير وتلاوة جزء منه ووضع اشارة مميزة لسهولة الرجوع اليها إذا اقتضى الأمر ذلك.

 

4 -  تلاوة رأي الخبيروالنتيجة التي انتهى اليها.  

 

 

            وفي نهاية المطاف يعد المحامي المترافع  من الأسئلة التي يطلب الاجابة عليها في نظام واحكام ، يدرك معها القاضي الخطة التي رسمها المحامي لنفسه في المناقشة.

 

ولهذه الأسئلة اهمية بالغة فكثيرا ما تكون أساسا للفصل في النزاع.

 

 

المناقشة:

 

 

هذا الشق من المرافعة هو الجزء الذي يتقدم فيه المحامي بأدلة الاثبات والنفي. فإذا كان المحامي حاضرا عن المدعي عليه بعد ان يفرغ محامي المدعي من مرافعته حيث يكون تفنيد أقواله هو محور المناقشة وهذا إذا لم يكن قد تقدم بطلبات فرعية .

 

وان في معرفة وسائل دفاع الخصم سلفا أهمية بالغة إذ هي نتيجة للاطلاع على عريضة الدعوى والمذكرات والمراسلات والمستندات المتبادلة مع الخصم. فإذا أخذ المحامي للأمر أهبته لتفهم حجج الخصم وأعد عدته في تفنيدها للاطاحة بها فانه يكون قد فرغ من أهم جزء في رسالته.

 

وهل لنا أن نتسائل عن المرحلة من المناقشة التي تيعين فيها على المحامي أن يبدأ في تفنيد أدلة الدعوى؟ إن ذلك يختلف باختلاف ما يعرض من الحالات فقد يقوم المحامي بتفنيد ادعاءات الخصم ، عند بدء المرافعة أو في خلالها او في نهايتها أو عند المناقشة.

 

فهو يفند مزاعم الخصم في بدء المرافعة إذا دفع بعدم جواز نظر الدعوى ، فاذا فرض أن المدعي أقام الدعوى البوليصية لابطال تصرف أوقع أضرارا بالدائنين فيكون رد المدعي عليه على ذلك أن المدعي ليس دائنا له. فمن واجب هذا الأخير جحد هذا الإدعاء باثبات دينه وإقامة الدليل على أن العمل المطلوب ابطاله، كان ضارا به كدائن.

 

نذهب الى الحالة العكسية  حين يقيم المدعي دعوى استحقاق ردا على ادعاء الخصم تملكه للعين موضوع النزاع بطريق التقادم. ويجب على المدعي في هذه الحالة أن يقدم الدليل على أنه كان صاحب حق منذ البداية معززا ذلك بالمستندات  معرجا بعدها على تفنيد مزاعم التقادم بقوله مثلا إن وضع يد المدعي عليه غير مستوف للشرائط الواجب توافرها في التملك بالتقادم.

 

ونفرض ابعد من ذلك أن يكون لدى المدعي العديد من أوجه الدفاع التي يتمسك بها، وأن يكون لدى المدعي عليه على كل منها اعتراض. فعلى المدعي أن يقرع الدليل بالدليل مفندا اعتراضاته مبينا اوجه الرد عليها. إن الأدلة التي يتمسك بها الخصوم قد تتعدد فمن المستحسن نظمها خلال المناقشة في ترتيب منطقي تصاعدي ما استطاع المحامي الى ذلك سبيلا.

 

وفي بعض الحالات قد يوجد من الأدلة ما يكون قاطعا فيقدم على ما عداه، ويليه في الأهمية باقي الأدلة الأخرى تحيط به وتشد من ازره.

 

وتستخلص الأدلة من الوقائع والمستندات والقانون فعلى المحامي أن يمر بها سريعا فقد تكون المصلحة في مناقشة المستندات أو دراسة نصوص القانون قبل مناقشة الوقائع، وذلك في الحالة التي ينتهي فيها المحامي الى أن الواقعة على فرض ثبوتها غير منتجة في الدعوى لمنافاتها لحكم القانون.

 

ان الدعاوى التي تستند الى القانون وحده قليل عددها، ولكن أغلبها يستند الى الوقائع التي هي موضع نزاع بين طرفي الخصوم سواء من ناحية قيامها ومدى اهميتها ومبناها. ولعل هذه القضايا جميعها تستند الى الواقع في مختلف هذه النواحي الثلاث.

 

إن اسباب الخلاف في تصوير واقعة النزاع ترجع الى المسائل الآتي بيانها:

 

1 -  احيانا ما تداعب المصلحة نفوس المتقاضين فلا يقدرون الظروف حق قدرها حتى ولو كانوا حسني النية.

 

2 -  سيء النية منهم يعمل على طمس الوقائع.

 

3 -  إن شهود الزور والمغرضين منهم كثيرون ممايؤدي بالتحقيقات الى نتائج غير مأمونة الجانب.

 

إن من الخبراء من خربت ذممهم وانعدمت كفاءتهم.

 

ولكي يستطيع المحامي أن يظهر الوقائع على حقيقتها، يجب بادئ بدء ان يكون ملما بجميع عناصرها فاذا كان موضوع القضية حق الملكية أو حق ارتفاق مثلا، فعليه أن يعاين هذه الأعيان ومعه الخريطة الخاصة بها وصورة ثانية إذا لزم الأمر لتقديمها  للمحكمة وبالجملة فانه يجب التفكير في شتى التفاصيل واجراء تحقيق عنها لأنه من الجائز أن تنتزع حقيقة بالغة من خلال واقعة صغيرة تافهة فيجوز للمحامي أن يدلل على تزوير تاريخ في وصية من التاريخ الثابت على عريضة الدمغة التي كتبت عليها الوصية.

 

 

أ – كيف السبيل الى تفنيد اقوال الشهود؟

 

 

1 -  إقامة الدليل على وجود تعارض في أقوال الشهود.

 

2 -  التعارض في أقوال الشاهد الواحد أو بين شهادتين لشاهد واحد.

 

3 -  تجريح شهادة الشاهد بحقده على من يشهد ضده مثلا.

 

4 -  إبراز التعارض بين أقوال الشاهد وأقوال الخصم نفسه إذ قد يتعثر احيانا في غمار شغفه لمجاملة خصمه فيزل لسانه بأقوال متضاربة متعارضة.

 

5 -  إقامة الدليل على تعارض الشاهد مع الواقع المستمد من الخرائط والصور الفوتوغرافية وما شاكل ذلك.

 

 

ب – المستندات

 

 

إن اثارة المنازعات حول المستندات جد عديدة فهناك مثلا في الوصية المشتبه فيها والتي لا يظهر منها حقيقة الموصى لهم وموضوع الوصية والعقود العرفية التي تحوي بنودا يحيطها الكثير من اللبس وكذلك العقد الموثق(1) الذي يحوي اخطاء وهذا النوع من العقود متوافر على خلاف ما يعتقده الكثيرون.

 

ولإمكان تفسير هذه المستندات، فانه يجب مراعاة الآتي :

 

1 -  القيام بتفسير ذات المستند عن طريق تفسير أحد بنوده من خلال بند آخر فيه أو من جماع البنود الأخرى.

 

2 -  مناقشة العقد من خلال المراسلات السابقة أو اللاحقة أو المعاصرة فقد يوجد من بينها ما يفسره ويوضح مدلوله.

 

3 – البحث عن نية المتعاقدين وهو أمر من الأهمية بمكان إذ النية هي كل شيء فيه فعلى المحامي أن يبذل جهده في سبيل الوصول اليها، فاذا ما انتهى به المطاف فانه يرتب عليها النتائج بما اوتي من قوة الحجة وطول الباع.

 

 

 

النقاش القانوني:

 

 

          ان ترتيب هذا النقاش يجري وفقا لما سبق أن اوضحنا سواء قبل سرد الوقائع  لسهولة التطبيق ، أو بعد سردها أو مناقشتها أو مناقشة المستندات لاستخلاص الوقائع من بين ثناياها ، وتطبيقها على أساس من القانون ، وإبرازا للحقيقة القانونية المستخلصة من الواقع أو الأوراق.

 

          ان النقاش القانوني يجب أن يكون واضحا وحاسما ومتزنا ودقيقا  ، انه في العصر الحالي موجز عنه فيما مضى، وفي ذلك يقول ليوفيل:  "لقد كانت المناقشات في الأزمنة الغابرة تتمخض عن مجلدات ضخمة تنطوي على كثير من الأبحاث وترجع الى عديد من المراجع والأسانيد القانونية غير أن نفس المؤلف يمتدح لأنه يستخدم اسلوبا في المناقشة لا يتناوله احد اليوم. فيقول " إذا وجدت مادة في القانون فانه يتناولها بالبحث ويرجعها الى أصلها في القانون الروماني أو العرف أو القواعد العامة أو ما أخذت به المباديء المقررة لمجلس الدولة أو مااستقر عليه رأي الدوائر المجتمعة وتعليقات المحاكم العليا ومناقشات الهيئات التشريعية.

 

وعند مناقشة اية نقطة قانونية فانه يجب مراعاة ما يأتي:

 

1 – استخلاص النقطة القانونية الصحيحة التي تنطبق على واقعة النزاع.

 

2 – ذكر نص القانون الواجب التطبيق وتفسيره كلما أمكن ذلك.

 

3 – ذكر خلاصة لأحكام القضاء التي يستند اليها وتنطبق على وقاعة النزاع.

 

4 -  وإذا لم يجد مجالا في ذلك، فليرجع الى أقوال الفقهاء.

 

 

               جرى الأقدمون على شحن مرافعتهم بالأسانيد القانونية التي  يتطلبها الموقف واليوم نرى العكس هو المتبع.فجمهرة المحامين يذهبون الى أن الواقع هو كل شيء وهذا محض خطأ ، إذ كثيرا ما ينطوي هذا الإدعاء على تقاعس المحامي وتراخيه وركونه الى قوة باعه في الخطابة. انه لأ سهل على المرء أن ينظر شذرا الى الكتب الضخمة فلا يقرؤها مع أن في الاطلاع على القانون ومراجعه فائدة جلية للدعوى إذا كانت من الدعاوى التي تستند الى حق ويدخل في هذا الباب من أوجه النقاش ويجب على المحامي أن يتكهن بما عسى أن يثيره الخصم ويأخذ اهبته للرد عليه كما لو كان ملخص الحكم الذي يستند اليه مما تضار به الدعوى او كان في جملته ما يفيدها، وفيما إذا كان هناك حكم حديث يخالف هذا الرأي وكثيرا ما يحصل ذلك.

 

ومن الميسور مناقشة أحكام القضاء وتسجيل النتائج العملية التي تتعارض والأخذ بهذه الأحكام والاستناد الى اقوال الفقهاء الذين ينتقدون الآراء التي تضمنتها وذلك كله سواء تناول الواقع او الاسانيد او القانون فعلى المحامي ألا يفلت منه زمام الموقف وأن يهدف الى صميم الموضوع، ويتحاشى العبارات الغامضة المبتسرة غير الصحيحة وعليه أن يضع الأمور في نصابها.

 

 

خاتمة المرافعة:

 

 

       ينتهي النقاش بالخاتمة حين يكتفى المحامي بتلخيص سريع للنقاط الهامة في الدعوى وابرازها مع الأدلة الحاسمة، وإضافة كلمة موجزة يلفت بها نظر القاضي إلى المهمة الدقيقة الملقاة على عاتقه والى الحل المطلوب ، متجنبا طريق التكرار هو بسبيل ختام مرافعته بعد أن يكون بحر البيان قد فاض ، ولم يبق إلا بحجوز تضرب حوله لا تعدو رؤوس موضوعات هي بمثابة حجر الزاوية في الدعوى.

 

 

الرد والمذكرات بعد المرافعة :

 

 

جرى العمل في محاكم الاستئناف لازدحامها بالقضايا أن لا يسمح لمحامي المستأنف عليه بتبادل الرد بعد المرافعة ، إذ المفروض أنها خاتمة المطاف ولا محل للتعقيب بعدها بالكتابة ، وفي ذلك مجافة للصواب لأن أسانيد جديدة قد تظهر ويكون لها من الأثر في تغيير وجه الرأى فى الدعوى ، بما يدعو الى بحثه، فقد يكشف المحامي عن نقطة قانونية تصيب المحز.

 

أما المحاكم الابتدائية والاستئنافية التي لا يثقلها ضغط العمل فانها تسمح بتبادل الرد بمذكرات بعد انتهاء المرافعة. ولا بد من اتباع هذا الإجراء ولكن في اعتدال . ومن الخطأ البين أن يسجل المحامي في مذكرته ما سبق أن قاله في مرافعته ، بل يكتفي باستدراك ما فاته منها وتصحيح بعض الوقائع التي تناولها الخصم ، ووضع الخطوط فيها تحت النقاط التي يبدو ان القاضي تعلق بأهدابها من دفاع الخصم .

 

وكل مذكرة تنطوي على تكرار ما سبق بيانه تستنفذ صبر القاضي ولا تأتي بالنتائج المرجوه منها.

 

          إن المذكرات ضرورية كلما كانت المرافعة موجزة ومن الواجب كي تؤتي أكلها ، أن توضع تحت نظر المحكمة قبل المداولة ويتعين أن تكون من الإيجاز والتنسيق ، بابراز أهم النقاط في الدعوى. كما يجب أن يصل الى علم القاضي انها في طريقها اليه حتى لا تتم المداولة قبل وصولها الى متناول يده فتضيع الفرصة السانحة . وبذلك فانه من الواجب ان تحرر لتستقر في ملف الدعوى عقب المرافعة كلما استداع الى ذلك سبيلا وأن تتعدد صورها حتى يتسنى لكل قاض الاطلاع عليها ، قبل اتمام المداولة وقد يكون لها من التأثير على اقتناع احد القضاة ، إذا اخطأ التوفيق رئيس الدائرة ، مما يخلق من هذا العضو محاميا للموكل في المداولة، وهكذا الحال إذا تقدم الخصم بمذكرته فانه يجب اتباع عين الارشادات مع سرعة تحرير الرد عليها ، حتى تقدم الى ما قبل اتمام المداولة. ولذلك فانه يتعين التربص بها واعداد الرد عليها فور تقديمها، مع تفنيد ما تضمنته تفنيدا موجزا واضحا، ثم يتوج المحامي رده بابراز أهم الحجج الرئيسية التي يدور حولها النزاع.

 

 

مدى أهمية المرافعة أمام القضاء:

 

 

    أصبح للمرافعة اليوم أمام القضاء المدني أهمية ابعد اثرا منها فيما مضى، لأن القاضي لا يعلم شيئا عن وقائع الدعوى، الى ما قبل نظرها في الجلسة المحددة لها مما يعرض مصالح أي المتقاضين لخطر وقوع القاضي تحت تأثيرات المرافعة. ومن ثم فان على المحامي أن ينهي الى القضاة خلاصة وافية عن وقائع الدعوى بطريقة سريعة واضحة وهذا عبء ثقيل ينوء به المحامي ، لا سيما في القضايا الكبيرة أما أمام المحاكم التجارية وخاصة المزدحمة منها بالعمل فان للمذكرات أهمية تسمو على المرافعة ذاتها لأن الكثير من هذه المحاكم يكتفي باستيضاع المحامي لبعض النقاط في غرفة المشورة، أو امام القاضى المقرر الذي سرعان ما يحكم في الدعوى، ولا تؤجل الدعوى للمرافعة أمام المحاكم التجارية إلا إذا طلب اليها المحامي ذلك ، ومن أجل هذا فان نتيجة اعداد ملف الدعوى اعدادا دقيقا مزودا بمذكرة واضحة ، قبل عرضها على القاضي من الأهمية بمكان .

 

 

اللازمة الخطابية التي تتسم بها المرافعة:

 

             على المحامي ان يراعي دائما السهولة والدقة والاشباع ، كي تأتي مرافعته بالنتيجة المرجوة منها، مما يتعين معه رفع مستوى الأسلوب فلا يتحرج البعض من قدامى المحامين أن يتدربوا على الالقاء باشراف كبار الممثلين او اساتذة معهد التمثيل ، مع مراعاة أن المحكمة ليست دارا للتمثيل  ، فليس مما يناسبها طريقة الالقاء التمثيلي ويلاحظ ان البساطة هي الأساس الذي يجب ان تؤسس عليه مرافعة المحامي وهو يحدث امام قضاة كثيرا ما غرقوا الى آذانهم في بحر المرافعات الطامي.

 

 

  المرافعة امام المحكمة الجنائية

 

 

      فتختلف نوعا ما حين يستطيع المحامي استعارة العبارات المثيرة والالفاظ الملتهبة في الحدود المناسبة وعلى المحامي أن يتفادى استعمال اللجهة المحلية فقد تسئ اليه وربما لا يستسيغها القضاة فقد تكون ثقيلة على سمعهم .

 

 ويجب أن تتسم لهجة المحامي بالهدوء والرزانة واعتناق المبدأ القائل "العبرة بالمعاني لا بالألفاظ والمباني"  مع التزام جانب الاعتدال فبالحركة والقيام وحسن الهندام الذي لا ينم عن الاهمال ويكون صدى للشجاعة والاقدام .

 

كما أن عليه مراعاة شعور القضاة فلا يقف منهم موقف المعلم الأول للقانون وإذا رأى أن يلفت نظر البعض الى المباديء القانونية ، فليكن ذلك بطريق عابرة وفي خطوط واضحة.

 

                   حدث في سنة 1922 ان كان احد المحامين يشرح في احدى قاعات محكمة الاستئناف نصوص عقد محرر باللغة اللاتينية بترجمة عباراتها وهو يرددها فقاطعه رئيس الدائرة بقوله : انك تستطيع ان تعتمد على المحكمة فهي تعرف اللاتينية.

 

وعلى المحامي ان يتعفف الحديث عن نفسه ما استطاع لذلك سبيلا فقد يتعثر اذا تكلم كثيرا عن معلوماته الخاصة في الدعوى وخبرته الطويلة .

 

ويبدو الخطر واضحا اذا وقف المحامي موقف العداء من خصمه إذ المحامي الذي يفيض اخلاصا كثيرا ما ينسى نفسه ، ويعيش في دنيا قضيته ويحرص على مصلحة موكله حرصه على حياته فيخيل اليه ان خصمه عدو لدود له ، فيثور في وجهه كأنما ارتكب جرما في حق المحامي نفسه ومن الواجب تفادي الوقوع في هذا الشرك وإلا فقد استقلاله في الرأي ، واستعصى عليه ارشاد موكل الى الصواب وقد يصيبه الفشل ويعرض نفسه لخيبة الأمل ، ومن أجل ذلك فقد منعت التقاليد على المحامي أن يتقاضى أتعابه بنسبة فيما يحكم به.

 

إن العدالة في حاجة الى شرح الدعوى في هدوء واتزان دون ان تعكر الميول الخاصة بحرها الصافي فتصيب المحامي المترافع برذاذها ولذلك خلقت صناعة المحاماة .

 

ويستطيع المحامي البارع أن يعبر عن ذلك في اعتدال خال من الغلو وليس معني ذلك انه لن ينتصر على خصمه، فالوقائع تتحدث عن نفسها إذا عرضها في اسلوب خاص فني محكم وبذلك يستطيع المحامي أن يحرك عواطف القاضى ويثير اهتمامه وعلى العكس من ذلك فانه لن ينال من غلوائه شيئا.

 

          وإذا كان من غير الجائز أن ينال المحامي من خصمه ، فأولى به أن ألا ينال من زميله فكثيرا ما ينسى المحامون أنفسهم. فليتجنب المحامي هذه الطريقة الشائكة حتى ولو كان زميله هو البادي أولا أو هو الملوم ، فلعل المحامي يلوم زميله لأنه يراجع المستند بوجه عام أو أنه حرف في الاستشهاد من أحد المراجع أن انه ادعى واقعة مزعومة أو بدل تاريخها أو استند الى مبادئ قانونية باطلة.

 

           فمن واجب المحامي أن يتعلم كيف يفيد من هذه الهنات دون أن ينال من زميله فالمهنة شاقة وغير ميسرة فلا نزيدها تعقيدا بمشاجرات نثيرها بين الزملاء.

 

    إن المحامي يترافع ضد الخصم لا ضد محاميه فيقول مثلا أن السيد فلان (أي الموكل) طلب الى محاميه أن يترافع بقوله ... أو أن السيد فلان ترك محاميه يعتقد .....

 

وإذا أراد تصحيح الاستشهاد من المراجع القضائية عمد الزميل الى تحريفه  فليس من اللياقة أن يرمي الزميل زميله بسوء النية ، فيكفي أن يقول مثلا: إن المقطع الذي أخذه الزميل نقلا عن الحكم الذي يستند اليه، تعوزه فقرة لاشك انها اخطأت الزميل المحترم مع شدة انتباهه وحدة ذكائه، تمهيدا لتصحيح الخطأ في وضوح وجلاء وهو بذلك لن يخسر شيئا ولن ينال من احترام المحكمة ووقارها، ويكسب المحكمة بوقوفها الى جانبه، كما لا يفقد صلاته بزملائه، وكم هي عزيزة غالية. فاذا تخاصم محاميان فكيف السبيل الى اصلاح ذات البين بين الموكلين، وكيف يمكن ان يلجأ المحامي الى زميله عن طريق الرعاية والمجاملة التي هي الزم لكيان المهنة.

 

نختتم هذا الباب بتحذير المحامين الناشئين من الوقوع بين خطأين:

 

1 -  قراءة المرافعة.

 

2 -  ثم تلاوتها بعد حفظها.

 

ففي الحالة الأولى تعوزها الحيوية وتقض مضجع القاضي الذي يصيبه الضجر من الأوراق الجامدة ، وينظر اليها في شذر وفي تبرم وهو في انتظار الخاتمة.

 

اما في الحالة الثانية، فهي تبدو وكانها محفوظة وقد لا تأتي بالنتيجة المرجوة.

 

وفي كلا الحالين فان المحامي لا يكون طليقا متحررا من القيود التي يرسف فيها، وكأنك به حينما يوجه اليه رئيس الدائرة سؤالا أو يقدم له الخصم مستندا جديدا فقد يطير صوابه ويختل توازنه.

 

فمن الواجب أن تتسم المرافعة بالمرونة والحيوية وهو ما لا يجوز أن يغيب عن ذهن المحامي ابدا.

 

 

المرافعات الجنائية:

 

 

           كانت المرافعات الجنائية عند الاغريق وفي روما أهم عمل يقوم به المحامي ، إلا ان الأمر اليوم غيره بالأمس ولكن ما تزال هذه المهمة من أعظم المسائل وأجلها خطرا وابعدها اثرا في نجاح المحامي.

 

وان نجاح المحامي في القضايا الجنائية يرجع الى مواهبه في الاستفادة من الحوادث الطارئة في الجلسة وانه لمن العسير تحديد القواعد الواجب اتباعها في هذا الصدد والتي تختلف تماما عنها من الناحية المدنية . ولا شك ان براعة المحامي تتركز في طول باعه وقوة اقناعه .

 

وقد وضع الفقيه الروماني كنثيليانوس من القواعد ما يمكن ترسمها اليوم ، وقد شفعها بملاحظات على جانب من الأهمية، ولا يغب عن البال ان هذه القواعد هي كل شئ.

 

فالفن الحديث يتركز في اقناع المحكمة من أقرب الطرق وبأيسر الوسائل

 

هناك بعض اوجه الخلاف بين القضايا المدنية والجنائية:

 

1 – ضعف شأن النقاط القانونية بالنسبة لاجراءات المحاكمة فلا محل لاقحامها في المرافعة.

 

2 – اختلاف وسائل الاقناع فمدى التأثير امام هيئة المحلفين ابعد منه امام القاضي المدني.

 

3 – يستطيع المحامي في المواد الجنائية ان يكون اقرب الى اصابة الهدف في الاقناع منه امام المحكمة المدنية.

 

فالمحامي الواعي يعرف كيف يسترعي النظر دون الاستعانة بمذكرات المرافعة فكثيرا ما تتعرض القضية لتطورات مختلفة اثناء المحاكمة ولن تصدر المحكمة حكمها الا بعد سماع اقوال الخصوم فلا يجوز للمحامي ان يقع اسيرا لمذكراته التي لن تسعفه في هذا الجو الغريب العاصف.

 

ويبين مما تقدم أن الواجب يقضي على المحامي المترافع امام محكمة الجنايات مااستطاع لذلك سبيلا ان يكون قد حضر التحقيق. وبالجملة فان عليه ان يراجع ويستوعب كل ما كتب في هذا التحقيق مع الإحاطة بظروف الجريمة وملابساتها، وأن يلم بكافة التفاصيل، ثم يدون ملاحظاته الهامة التي يستند اليها في دفاعه ، ويستخلص منها النتيجة التي يهدف اليها.

 

إذا وقف المتهم من الجريمة موقف المنكر امام المحكمة فعلى المحامي أن يهدف قبل كل شيء آخر الى توضيح الظروف التي ان لم تشفع في براءته فانها على الأقل مما تثير شكوكها ويعاونه في ذلك خوف الهيئة من الوقوع في الخطأ الذي كثيرا ما يؤثر في اقتناع المحلفين.

 

وعندما يعترف المتهم بجريمته فعلى المحامي ان يتلمس له الاعذار التي ادت الى ارتكابه الجريمة ، وهو اذا نجح في اقناع الهيئة بحالة المتهم النفسية ، ووسائل الاغراء التي وقع اسيرا لها، فانه يكون قد كسب نصف الدعوى.

 

وفي سبيل قيام المحامي بواجبه على الوجه الأكمل عليه أن يتابع في انتباه تام كل ما يدور من مناقشات والبعد عن التدخل في غير حرص أثناء الاستجواب أو عند سماع شهادة الشهود، فان في ذلك ما فيه من الخطورة البعيدة المدى، إذ من غير الحكمة مثلا مناقشة شاهد أدى شهادته معلنا عداءه للمتهم في وضوح لأن نتيجة ذلك هو اثارة حفيظته، وحثه على تقديم أقصى ما يستطيعه لتدعيم أدلة الاتهام.

 

وفي هذه الحالة فان على المحامي ان يتناول الموقف كلما دعا الأمر الى تعليق خاطف يظهر فيه أوجه التناقض بين شهادته ومختلف الشهادات الأخرى، أما إذا كانت الشهادة في مصلحة المتهم فعلى المحامي ان يبين مدى اهميتها ويبرز هذه الأهمية في سؤال أو سؤالين يوجهما في لباقة ومهارة.

 

 وعلى المحامي أن يصغى منذ اللحظة الأولى التي يقوم فيها ممثل النيابة بواجب الدفاع الى كل كلمة يدلى بها في مرافعته دون أن يعير التفاتا الى أي شيء آخر، ليقف على  سر الخطة التي يسلكها الاتهام ويستجمع الادلة الداحضة التي يستند اليها في مرافعته بنفس القوة التي التزمها ممثل الاتهام وعلى المحامي قبل البدء في المرافعة ان يعد عدته ويستكمل وسائل دفاعه ما استطاع الى ذلك سبيلا. تتجلى براعة المحامي وقوة باعه امام محكمة الجنايات حين يسرد وقائع الاتهام ومحك هذه القوة يتركز في قوة إقناعه أولا وقبل كل شيء، في سبيل عرض هذه الوقائع وحتى يتمكن من إقناع المحكمة، فعليه أن يتبنى الدعوى ويمنحها كل قلبه وشعوره، ويحرك من عواطفها بقدر مايثيره من عوامل الرحمة وروح التسامح إذا استدعي الأمر ذلك. وهكذا يرتفع بمستوى الدعوى بما يفيد منه الموكل ومن عوامل النجاح التي تدفع بها الى الأمام في ذلك الطريق الذي يسلكه المحامي حين يعرض لحياة الموكل والأسباب البعيدة التي ادت الى ارتكاب الجريمة والوسائل التي أغرت به والبواعث التي دفعته اليها، والصورة التي يصورها للبيئة التي نشأ بين ربوعها وعاش في احضانها ومدى الالم الذي تعرضت له اسرته بعد ارتكاب الجريمة والبؤس الذي تردت فيه.

 

 كما يجب ألا يغيب عن ذهنه لحظة واحدة تطبيق المبدأ القائل : على المحامي ان يتشبث بالناحية النفسية عند المتهم وهو يستقصي ظروف الجريمة التي ارتكبها وهو عندما ينتهي من شرحها بما أوتي من قوة البيان الذي يفيض به قلبه ويعن عنه لسانه وتتحدث به عواطفه وتزخر حيويته، فانه يكون قد سلك احسن الطرق واعتصم باعظم وسائل الاقناع.

 

وإذا استعصى على المحامي النجاح وخاصة في الدعوى الشائكة فلا يفوته ان يسجل ما يعيب الاجراءات التي اتبعت في الدعوى، ويتعين عليه أن يعد عدته لذلك بادئ ذي بدء ويدون ملاحظاته عنها ويضع النقط فوق الحروف لتدل عليها ويعد المذكرات التي يتمسك فيها ب